بعثة أمير المؤمنين إلى اليمن: التحول العقدي وأثره السياسي
كتب : حيدر الجشعمي
في : 2026/09/10 تشير كتب السيرة والتاريخ إلى أن النبي محمدًا (صلى الله عليه وآله) بعث خالد بن الوليد إلى اليمن لدعوة بعض قبائلها إلى الإسلام، إلا أن مهمته لم تحقق الاستجابة المرجوة لدى قبيلة همدان. ثم بعث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لما عُرف به من الحكمة والبلاغة والقدرة على مخاطبة الناس بالحجة والموعظة الحسنة.
وتتحدث المصادر عن أكثر من بعثة للإمام علي (عليه السلام) إلى اليمن، تعددت مهماتها بين الدعوة إلى الإسلام، والقضاء بين الناس، وجمع الصدقات وتسوية بعض النزاعات؛ ولذلك ينبغي عدم دمج تفاصيل هذه المهمات في واقعة واحدة.
من الدعوة إلى القضاء
كان الإمام علي (عليه السلام) حديث السن عندما كلّفه النبي (صلى الله عليه وآله) بالقضاء في اليمن، فاستشعر عظم المسؤولية، وقال: «يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟»، فقال له النبي: «إن الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء». فقال الإمام علي: «فما شككت في قضاء بعد».
وقد ورد أصل هذه الرواية في عدد من كتب الحديث، ومنها سنن أبي داود، الحديث 3582، وهي تكشف أن مهمة الإمام لم تكن دعوية فحسب، بل كانت تتضمن تأسيس حضور قضائي يقوم على سماع طرفي الخصومة، والتثبت قبل إصدار الحكم.
إسلام همدان
تذكر رواية الشيخ المفيد في كتاب «الإرشاد» أن الإمام عليًا (عليه السلام)، عندما وصل إلى همدان، صلى بمن كانوا معه صلاة الفجر، ثم صفّهم، وحمد الله وأثنى عليه، وقرأ على القوم رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأسلمت همدان في يوم واحد.
ولما بلغ النبي خبر إسلامها، خرّ ساجدًا شكرًا لله، ثم رفع رأسه وقال: «السلام على همدان، السلام على همدان».
وتكشف هذه الرواية عن الأثر الذي تركه خطاب الإمام علي في نفوس القوم؛ إذ اعتمد البيان والحكمة وحسن مخاطبة الناس، فحقق استجابة واسعة من دون قتال أو إكراه. وأسهم انتشار الإسلام بين همدان وغيرها من القبائل اليمانية في تعزيز حضور الإسلام في جنوب الجزيرة العربية خلال أواخر العهد النبوي.
ولا يصح، مع ذلك، الجزم بأن جميع القبائل اليمنية دخلت الإسلام تباعًا بسبب هذه البعثة وحدها؛ فقد وفدت قبائل يمنية متعددة على النبي (صلى الله عليه وآله) في أوقات مختلفة، كما تعددت بعوث الدعاة والولاة إلى اليمن.
مدرسة القضاء العلوي
لم يقتصر أثر الإمام علي (عليه السلام) في اليمن على الدعوة، بل تجلى في الأحكام القضائية التي نُقلت عنه، وأصبحت جزءًا من التراث الفقهي المعروف باسم «أقضية أمير المؤمنين».
ومن القضايا المشهورة المنسوبة إلى قضائه قضية «زُبية الأسد»، وهي حفرة كانت تُحفر لصيد الأسد، فسقط فيها عدد من الأشخاص وتعلق بعضهم ببعض، فماتوا. وتذكر الروايات أن الإمام عليًا فصل في دياتهم وفق مقدار تسبب كل واحد منهم في سقوط الآخر.
وقد وردت هذه القضية بصيغ متعددة في كتب الحديث والفقه، واختلف الفقهاء في بعض تفاصيلها وكيفية توزيع الديات؛ لذا يحسن عرضها بوصفها رواية فقهية مشهورة، لا بوصف جميع تفاصيلها محل اتفاق. كما أن الإحالة الواردة في النص إلى «الكافي، ج7، ص348» تحتاج إلى مراجعة بحسب اختلاف الطبعات وترقيم صفحاتها.
الأثر السياسي في القبائل اليمانية
ترك حضور الإمام علي (عليه السلام) في اليمن أثرًا دينيًا وعاطفيًا عميقًا، ولا سيما بين قبيلة همدان. وعندما تولى الخلافة، برزت جماعات من القبائل اليمانية، ومنها همدان ومذحج والنخع وكندة، ضمن القوى التي ناصرته في حروبه.
وظهرت في صفوف أنصاره شخصيات تنتمي إلى أصول قبلية يمانية، مثل مالك الأشتر النخعي، وحجر بن عدي الكندي، وأويس القرني. غير أنه لا تتوافر أدلة تاريخية كافية على أن هؤلاء كانوا من تلامذة الإمام خلال بعثته إلى اليمن؛ والأدق وصفهم بأنهم شخصيات يمانية الانتماء ناصرت الإمام عليًا وتأثرت بمدرسته في مراحل لاحقة.
كما أن انحياز جماعات يمانية إلى الإمام لا يعني أن قبائل اليمن كلها اتخذت موقفًا سياسيًا واحدًا؛ فقد كانت البنية القبلية آنذاك متعددة الاتجاهات والمواقف.
ذاكرة تستحق البحث
تستحق بعثات أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى اليمن دراسات مستقلة تميز بين مهمة الدعوة ومهمة القضاء ومهمة جمع الصدقات، وتبحث أثر كل واحدة منها في المجتمع اليمني.
كما يمكن دراسة أقضيته دراسة فقهية مقارنة، وتتبع القواعد التي تضمنتها، وفي مقدمتها سماع طرفي النزاع، والتثبت من الوقائع، وتحديد المسؤولية بحسب مقدار التسبب في الضرر.
أما المساجد والمواضع المنسوبة إلى الإمام علي في اليمن، مثل بعض المواقع المتداولة في الذاكرة المحلية، فتحتاج إلى تحقيق تاريخي وآثاري مستقل. ولا يصح الجزم بأن الإمام أسس الجامع الكبير في صنعاء؛ فالمصادر المعروفة تنسب الأمر ببنائه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، بينما تختلف الروايات فيمن تولى تنفيذه وتطور بنائه عبر العصور.
خلاصة
أثبتت بعثة الإمام علي (عليه السلام) إلى اليمن أن الدعوة القائمة على الحكمة والبيان والعدل يمكن أن تحقق ما لا تحققه الشدة. كما كشفت مهمته القضائية عن مبادئ راسخة، أهمها الإنصاف بين الخصوم، والاستماع إلى أطراف القضية، وعدم التسرع في الحكم.
وامتد أثر تلك البعثات إلى الذاكرة الدينية والسياسية لقطاعات من المجتمع اليمني، فبقي اسم أمير المؤمنين حاضرًا في وجدانها، وظهر ذلك لاحقًا في مواقف عدد من القبائل والشخصيات اليمانية التي وقفت إلى جانبه.
كتب : حيدر الجشعمي
في : 2026/09/10 تشير كتب السيرة والتاريخ إلى أن النبي محمدًا (صلى الله عليه وآله) بعث خالد بن الوليد إلى اليمن لدعوة بعض قبائلها إلى الإسلام، إلا أن مهمته لم تحقق الاستجابة المرجوة لدى قبيلة همدان. ثم بعث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لما عُرف به من الحكمة والبلاغة والقدرة على مخاطبة الناس بالحجة والموعظة الحسنة.
وتتحدث المصادر عن أكثر من بعثة للإمام علي (عليه السلام) إلى اليمن، تعددت مهماتها بين الدعوة إلى الإسلام، والقضاء بين الناس، وجمع الصدقات وتسوية بعض النزاعات؛ ولذلك ينبغي عدم دمج تفاصيل هذه المهمات في واقعة واحدة.
من الدعوة إلى القضاء
كان الإمام علي (عليه السلام) حديث السن عندما كلّفه النبي (صلى الله عليه وآله) بالقضاء في اليمن، فاستشعر عظم المسؤولية، وقال: «يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟»، فقال له النبي: «إن الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء». فقال الإمام علي: «فما شككت في قضاء بعد».
وقد ورد أصل هذه الرواية في عدد من كتب الحديث، ومنها سنن أبي داود، الحديث 3582، وهي تكشف أن مهمة الإمام لم تكن دعوية فحسب، بل كانت تتضمن تأسيس حضور قضائي يقوم على سماع طرفي الخصومة، والتثبت قبل إصدار الحكم.
إسلام همدان
تذكر رواية الشيخ المفيد في كتاب «الإرشاد» أن الإمام عليًا (عليه السلام)، عندما وصل إلى همدان، صلى بمن كانوا معه صلاة الفجر، ثم صفّهم، وحمد الله وأثنى عليه، وقرأ على القوم رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأسلمت همدان في يوم واحد.
ولما بلغ النبي خبر إسلامها، خرّ ساجدًا شكرًا لله، ثم رفع رأسه وقال: «السلام على همدان، السلام على همدان».
وتكشف هذه الرواية عن الأثر الذي تركه خطاب الإمام علي في نفوس القوم؛ إذ اعتمد البيان والحكمة وحسن مخاطبة الناس، فحقق استجابة واسعة من دون قتال أو إكراه. وأسهم انتشار الإسلام بين همدان وغيرها من القبائل اليمانية في تعزيز حضور الإسلام في جنوب الجزيرة العربية خلال أواخر العهد النبوي.
ولا يصح، مع ذلك، الجزم بأن جميع القبائل اليمنية دخلت الإسلام تباعًا بسبب هذه البعثة وحدها؛ فقد وفدت قبائل يمنية متعددة على النبي (صلى الله عليه وآله) في أوقات مختلفة، كما تعددت بعوث الدعاة والولاة إلى اليمن.
مدرسة القضاء العلوي
لم يقتصر أثر الإمام علي (عليه السلام) في اليمن على الدعوة، بل تجلى في الأحكام القضائية التي نُقلت عنه، وأصبحت جزءًا من التراث الفقهي المعروف باسم «أقضية أمير المؤمنين».
ومن القضايا المشهورة المنسوبة إلى قضائه قضية «زُبية الأسد»، وهي حفرة كانت تُحفر لصيد الأسد، فسقط فيها عدد من الأشخاص وتعلق بعضهم ببعض، فماتوا. وتذكر الروايات أن الإمام عليًا فصل في دياتهم وفق مقدار تسبب كل واحد منهم في سقوط الآخر.
وقد وردت هذه القضية بصيغ متعددة في كتب الحديث والفقه، واختلف الفقهاء في بعض تفاصيلها وكيفية توزيع الديات؛ لذا يحسن عرضها بوصفها رواية فقهية مشهورة، لا بوصف جميع تفاصيلها محل اتفاق. كما أن الإحالة الواردة في النص إلى «الكافي، ج7، ص348» تحتاج إلى مراجعة بحسب اختلاف الطبعات وترقيم صفحاتها.
الأثر السياسي في القبائل اليمانية
ترك حضور الإمام علي (عليه السلام) في اليمن أثرًا دينيًا وعاطفيًا عميقًا، ولا سيما بين قبيلة همدان. وعندما تولى الخلافة، برزت جماعات من القبائل اليمانية، ومنها همدان ومذحج والنخع وكندة، ضمن القوى التي ناصرته في حروبه.
وظهرت في صفوف أنصاره شخصيات تنتمي إلى أصول قبلية يمانية، مثل مالك الأشتر النخعي، وحجر بن عدي الكندي، وأويس القرني. غير أنه لا تتوافر أدلة تاريخية كافية على أن هؤلاء كانوا من تلامذة الإمام خلال بعثته إلى اليمن؛ والأدق وصفهم بأنهم شخصيات يمانية الانتماء ناصرت الإمام عليًا وتأثرت بمدرسته في مراحل لاحقة.
كما أن انحياز جماعات يمانية إلى الإمام لا يعني أن قبائل اليمن كلها اتخذت موقفًا سياسيًا واحدًا؛ فقد كانت البنية القبلية آنذاك متعددة الاتجاهات والمواقف.
ذاكرة تستحق البحث
تستحق بعثات أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى اليمن دراسات مستقلة تميز بين مهمة الدعوة ومهمة القضاء ومهمة جمع الصدقات، وتبحث أثر كل واحدة منها في المجتمع اليمني.
كما يمكن دراسة أقضيته دراسة فقهية مقارنة، وتتبع القواعد التي تضمنتها، وفي مقدمتها سماع طرفي النزاع، والتثبت من الوقائع، وتحديد المسؤولية بحسب مقدار التسبب في الضرر.
أما المساجد والمواضع المنسوبة إلى الإمام علي في اليمن، مثل بعض المواقع المتداولة في الذاكرة المحلية، فتحتاج إلى تحقيق تاريخي وآثاري مستقل. ولا يصح الجزم بأن الإمام أسس الجامع الكبير في صنعاء؛ فالمصادر المعروفة تنسب الأمر ببنائه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، بينما تختلف الروايات فيمن تولى تنفيذه وتطور بنائه عبر العصور.
خلاصة
أثبتت بعثة الإمام علي (عليه السلام) إلى اليمن أن الدعوة القائمة على الحكمة والبيان والعدل يمكن أن تحقق ما لا تحققه الشدة. كما كشفت مهمته القضائية عن مبادئ راسخة، أهمها الإنصاف بين الخصوم، والاستماع إلى أطراف القضية، وعدم التسرع في الحكم.
وامتد أثر تلك البعثات إلى الذاكرة الدينية والسياسية لقطاعات من المجتمع اليمني، فبقي اسم أمير المؤمنين حاضرًا في وجدانها، وظهر ذلك لاحقًا في مواقف عدد من القبائل والشخصيات اليمانية التي وقفت إلى جانبه.
