مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2883

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد

    قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا[1].

    الرحلة الثانية لذي القرنين كانت نحو مشرق الشمس، والمفاجئة الثانية أنه وجد الشمس تشرق على أقوام ليس لهم من لباس يستترون به عنها، وصل إلى مكان يعيش فيه قوم أمرهم عجيب، هؤلاء القوم منذ طلوع الشمس إلى غروبها ليس لهم أي ستر يحميهم من الشمس.
    ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾، مطلعها من أقصى الآفاق الشرقية في عين الرائي، وكما في مغربها لأقصاه، في يابسة المعمورة بجانب البحر المحيط، فما قيل عن مغرب الشمس يقال عن مطلعها دون اختلاف بينهما إلا فارق المغرب عن المشرق وعين حمئة.
    ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾، لا سترا خلقيا من مرتفعات غابات وجبال وأشجار واتلال، ولا سترا مصطنعا من بيوت أو خيام، فتنكير ﴿سِتْرًا﴾، يستغرق نفي الستر أيا كان وحتى الملابس فإنها ستر عن الحر والبرد! ومهما كان جعله إلهيا دون وسيط من سكان الشرق الأقصى حينذاك، كالأوّل، أم بوسيط كالثاني، فهما على أية حال راجعان إلى اللّٰه تعالى!
    وفي اللفظ كناية عن أنّ حياة هؤلاء الناس بدائية جدّا، ولا يملكون سوى القليل من الملابس التي لا تكفي لتغطية أبدانهم من الشمس. أمّا بعض المفسّرين فلم يستبعدوا افتقار هؤلاء الناس إلى المساكن التي تحميهم من الشمس.
    ويرى بعض آخر أن يكون هؤلاء القوم في أرض صحراوية تفتقر للجبال والأشجار والملاجئ.
    إذا فهم قوم بدائيون ومن أبداهم، كانوا يسكنون في أرض مستوية مكشوفة لا تظلهم إلاّ شمسهم ولا تقلهم إلاّ أرضهم، دون أي ظلّ أو قلّ‌ سواهما! ف‍ «قد أحرقتهم الشمس وغيرت أجسادهم وألوانهم حتى صيرتهم كالظلمة».
    فدعاهم ذو القرنين إلى الله تعالى، ثمّ علمهم كيف يصنعون أكواخاً تقيهم من أشعة الشمس، وحرّها.
    وقد يقول البعض أن القرآن توقف عن حكاية القصة ولم يكملها لنا، لكن الصحيح أن الله عز وجل ذكر في القرآن الكريم القصة كاملة، فقال تعالى في الآية اللاحقة: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾، ذكر في تفسير قوله ﴿كَذَلِكَ﴾، أي كذلك فعل مع هؤلاء القوم مثلما فعل مع القوم الذين سبقوهم دعاهم إلى الله فمن آمن أحسن إليه ومن كفر عذبه عذابًا نكرا، وهنا نرى روعة وبلاغة اللفظ القرآني في عدم التكرار والاكتفاء بكلمة واحدة حكت لنا قصة كاملة.
    فهل كانوا كلهم مؤمنين‌؟ وهو في العادة مستحيل ولهذه البداية القاحلة البعيدة عن الدعوات الإلهية أو سواها! ثم ولماذا لم يحدّث لنا بحديثهم البارع أو حديثه لهم! أم كانوا كلهم فاسقين‌؟ فأحرى بهذا المصلح إصلاحا لهم أو تعذيبا ولم يلمح هنا بشيء في هذا البين! أم كالقوم الاول: منهم مؤمنون ومنهم دون ذلك‌؟ فلماذا لم يكرر لهم ما حصل لهؤلاء ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى
    [2]!
    وإذا هم خارجون عن هذا المثلث من المكلفين فمن هم إذا؟ ولماذا يتحمل هذا المصلح العالمي الكبير هذه السفرة البعيدة المدى، وهي ابعد من الاولى والاخرى، دون انتاج له ولهم‌؟! يبدو كما أنهم من أبدى البدائيين، كانوا ضلاّلا غير عارفين، لا مؤمنين ولا فاسقين، ومهما كانوا هم من المكلفين، فهم ممن لا يهتدون سبيلا، منقطعين عن وحي الرسالات أم بلهاء لا يعرفونها، إذا فهم مرجون لأمر اللّٰه في مختلف الدرجات تكليفا وجزاء:
    ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ... فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فهؤلاء الثلاثة من قمة الايمان ودرك الكفر والمتوسط بينهما، له ما أصلح وعليه ما أطلح، ومن ثم رابع ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
    [3].
    وقد يكون القوم في أقصى المشرق حينذاك من أبدى البدائيين من ﴿وَآخَرُونَ﴾، فليس لذي القرنين كثير شغل معهم مهما أرشدهم كما يسطعون.


    [1] سورة الكهف، الآية: 90.
    [2] سورة النجم، الآية: 22.
    [3] سورة التوبة، الآيات: 100 - 106.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...