الكنجينة (80) التشابيه الحسينية ومسرح الشارع

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/09/12 لموجهات الكتاب ورغبات القراءة تأثير واضح في مشاعر المتلقي، ولا سيما البحوث التي تفتح مقارباتها النقدية على عوالم الجذر التكويني، لرسم المنطلق الأول المؤثث رؤيوياً، والمؤثر بوصفه فعلاً وواقعة، كواقعة الطف التي جعلت العالم يقف أمام تحديات متنوعة بواسطة مشروعها التضحوي، الساعي إلى إيصال الرسالة السماوية إلى اتساعها الكوني.
وسعت العزاءات الحسينية إلى ترسيخ قيم الواقعة، ويرى الناقد عماد كاظم العبيدي، أحد شعراء كربلاء ونقادها المعروفين، في مقاربته الدرامية بين التشابيه ومسرح الشارع، أنه لا بد لتلك العزاءات من أن تنفتح على الوعي الجمعي العام؛ لأن الكثير من التقاليد الطقوسية للشعوب المختلفة تنطلق من مقومات متباينة اجتماعياً وفكرياً أو دينياً.
الوعي الجمالي ومراحل التطور
من جماليات تلك المقاربة أنها ترى أن المكونات الأساسية عبارة عن مساعٍ نظرية غير خاضعة لتقنين ما، لكنها بالتأكيد لم تنكر مقومات الوعي التي يراها الناقد متمخضة عبر مراحل تطويرية تمليها ضغوط الواقع.
لكننا نرى أن الوعي الجمالي العام يمثل انعكاسات القدرة التوصيلية القائمة من ذات الواقعة، والتي تتمحور في معنويات الانتماء الأمثل. وهنا تتجلى العلاقة الجدلية بين الوعي والمحتوى، بما يعني إمكانية عرض الطقوس بصياغات فنية تمنحها القبول والتآلف مع الموجهات المختلفة، وهذا هو مرتكز العملية الشعائرية الذي يجسده المحتوى المكاني.
التشابيه وتجسيد الواقعة
لا بد لمنطلقات المقاربة من أن تدرك خصوصية الجذر اللغوي للتشبيه؛ أي معادلة الشيء بشيء آخر، وهو كل ما شُبِّه من شخصيات ووقائع وأحداث بما كان مثله موجوداً في الواقع التاريخي.
فتسير المواكب بكل مكملاتها من خيول وإبل وأسلحة وهوادج وطبول وصنوج، لتوضح قصة التمثيل. وهذا يعني أن المعالجة التوصيلية زاوجت بين عملية التوصيل السماعي والاهتمام بعملية الشوف والفرجة؛ لكونها تُعد من أهم المؤثرات التي تقدم التطور الدال على حيثيات الواقعة.
تماهي الصورة التمثيلية مع الواقع
من المؤكد أن مثل هذا التشخيص الواعي للناقد عماد العبيدي يأخذنا باتجاه بعض ردود الفعل العفوية المؤذية من الجمهور تجاه ممثلي الأدوار السلبية؛ لأن الصورة التمثيلية تتماهى مع صورة الواقع الفعلي.
وثمة مقاربة أخرى تتمثل في اختلاف المستوى الأدائي، لكنها توحد المضمون. ويرى الناقد عماد العبيدي أن ملامح النشأة الأولى قد فُقدت بسبب الضغط القسري وتصفية الموالين للقضية الحسينية، ولهذا جرت محاربة أي تفاعل إيجابي، ومُنعت عملية التدوين منعاً للتأثير، في مقابل الإصرار على تناقل الواقعة شفهياً.
الفطرة الشعبية ومواجهة الضغوط
يرى الناقد أن ثمة دوافع جوهرية ارتبطت بالمفهوم الشعبي الفطري لدى الناس. ولا شك في أن هذه الفطرية كانت تمثل أعلى درجات الوعي والإدراك حينها لمواجهة الضغوط السياسية وحالات التعسف والطغيان.
ولذلك سلك الناس سبيل الإثارة الوجدانية والشعورية المؤثرة، وابتعدوا عن أدلجة المسعى؛ لأنهم دوّنوا هذه الشعائر عبر الموروث الوجداني، وعن إرث أئمة قدموا النموذج الأمثل لاحتضان الشعائرية.
ويرى الناقد العبيدي أن الأمية المتفشية كانت سبباً في الاعتماد على مسعى إفهامي أكثر قدرة على التواصل والرسوخ الذهني.
من التشابيه إلى مسرح الشارع
تحتاج المقاربات إلى توازن بين طرفيها، لتدفع الجهد البحثي باتجاه المقومات. والإنسان بطبيعته لا يمكث عند منطلق الشروع الأول؛ فكان المسرح واحداً من تطلعات الحضور، وراح الإنسان يبحث فيه عن طرائق تعبيرية تحتكم إلى الأداء.
وكان مسرح الشارع هدفاً لاستيعاب مساحات العرض وشمولية المشاركة، والذهاب إلى الناس في أماكن وجودهم. وبما أن الحدث يختص بمسرحة الشعائر، فإن التفاعل سيكون مباشراً وآنيّاً، ويرى الناقد أن هذه التسمية لا تقلل من القيمة الفنية.
الصورة بوصفها لغة عالمية
تعتمد التشابيه الحسينية على الجانب الصوري المتشكل من الديكور والانزياح والإكسسوارات أكثر من اعتمادها على الحوار، وهي الوسيلة العملية لمسرح الشارع؛ لأن الصورة لغة عالمية لا تتعثر بمشكلات المنطوق وهويته.
ونجد أن ذروة العمل البحثي تتحقق حين يحتوي على أمور تشخيصية تخلق سمات تقييمية تدفع الموضوع نحو الدقة.
المبالغة الفنية وأصالة الشعائر
يرى الناقد العبيدي أن ما يؤخذ على التشابيه هو افتقارها إلى المستوى المطلوب فنياً، بسبب المبالغة في تجسيد الأمور التي تؤازر العاطفة. كما وجّه أكثر من ناقد الاهتمام إلى قصدية إبقاء الشعائر بصورتها الشعبية، حفاظاً على الفكرة الأصلية.
ورغم أن الناقد العبيدي يعتقد أن العمل برمته يتحرك أثناء العرض، وهذا لا يمكن إيجاده في أي مسرح، لا في مسرح الشارع ولا في غيره من المسارح، فإننا نجده يختار الأمكنة المفتوحة بوصفها فضاءات مكانية واسعة.
الجمهور شريك في العرض
يذهب العبيدي إلى التركيز على خصوصية مهمة للتشابيه الحسينية، وهي المشاركة الفعلية والعملية للجمهور؛ فهو ليس جمهوراً مشاهداً فحسب، بل هو متفاعل فكرياً وعاطفياً، ويشارك بالصوت والعويل والبكاء.
وهذا التفاعل الروحي يجعله بمستوى التمثيل الأسمى لانعكاسات الواقعة الخالدة.
❖ كتابات في الميزان ❖
يتناول المقال رؤية الناقد عماد كاظم العبيدي للتشابيه الحسينية بوصفها شكلاً درامياً شعبياً يقترب من مسرح الشارع، ويجمع بين الصورة والحركة والتفاعل الوجداني. ويبرز النص دور الموروث الشفهي في حفظ واقعة الطف ومواجهة محاولات المنع والتغييب التاريخي. كما يلفت إلى أن قوة التشابيه تكمن في مشاركة الجمهور المباشرة، مع الدعوة الضمنية إلى تطوير مستواها الفني من دون إبعادها عن أصالتها الشعبية ومضمونها العقائدي.

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/09/12 لموجهات الكتاب ورغبات القراءة تأثير واضح في مشاعر المتلقي، ولا سيما البحوث التي تفتح مقارباتها النقدية على عوالم الجذر التكويني، لرسم المنطلق الأول المؤثث رؤيوياً، والمؤثر بوصفه فعلاً وواقعة، كواقعة الطف التي جعلت العالم يقف أمام تحديات متنوعة بواسطة مشروعها التضحوي، الساعي إلى إيصال الرسالة السماوية إلى اتساعها الكوني.
وسعت العزاءات الحسينية إلى ترسيخ قيم الواقعة، ويرى الناقد عماد كاظم العبيدي، أحد شعراء كربلاء ونقادها المعروفين، في مقاربته الدرامية بين التشابيه ومسرح الشارع، أنه لا بد لتلك العزاءات من أن تنفتح على الوعي الجمعي العام؛ لأن الكثير من التقاليد الطقوسية للشعوب المختلفة تنطلق من مقومات متباينة اجتماعياً وفكرياً أو دينياً.
الوعي الجمالي ومراحل التطور
من جماليات تلك المقاربة أنها ترى أن المكونات الأساسية عبارة عن مساعٍ نظرية غير خاضعة لتقنين ما، لكنها بالتأكيد لم تنكر مقومات الوعي التي يراها الناقد متمخضة عبر مراحل تطويرية تمليها ضغوط الواقع.
لكننا نرى أن الوعي الجمالي العام يمثل انعكاسات القدرة التوصيلية القائمة من ذات الواقعة، والتي تتمحور في معنويات الانتماء الأمثل. وهنا تتجلى العلاقة الجدلية بين الوعي والمحتوى، بما يعني إمكانية عرض الطقوس بصياغات فنية تمنحها القبول والتآلف مع الموجهات المختلفة، وهذا هو مرتكز العملية الشعائرية الذي يجسده المحتوى المكاني.
التشابيه وتجسيد الواقعة
لا بد لمنطلقات المقاربة من أن تدرك خصوصية الجذر اللغوي للتشبيه؛ أي معادلة الشيء بشيء آخر، وهو كل ما شُبِّه من شخصيات ووقائع وأحداث بما كان مثله موجوداً في الواقع التاريخي.
فتسير المواكب بكل مكملاتها من خيول وإبل وأسلحة وهوادج وطبول وصنوج، لتوضح قصة التمثيل. وهذا يعني أن المعالجة التوصيلية زاوجت بين عملية التوصيل السماعي والاهتمام بعملية الشوف والفرجة؛ لكونها تُعد من أهم المؤثرات التي تقدم التطور الدال على حيثيات الواقعة.
تماهي الصورة التمثيلية مع الواقع
من المؤكد أن مثل هذا التشخيص الواعي للناقد عماد العبيدي يأخذنا باتجاه بعض ردود الفعل العفوية المؤذية من الجمهور تجاه ممثلي الأدوار السلبية؛ لأن الصورة التمثيلية تتماهى مع صورة الواقع الفعلي.
وثمة مقاربة أخرى تتمثل في اختلاف المستوى الأدائي، لكنها توحد المضمون. ويرى الناقد عماد العبيدي أن ملامح النشأة الأولى قد فُقدت بسبب الضغط القسري وتصفية الموالين للقضية الحسينية، ولهذا جرت محاربة أي تفاعل إيجابي، ومُنعت عملية التدوين منعاً للتأثير، في مقابل الإصرار على تناقل الواقعة شفهياً.
الفطرة الشعبية ومواجهة الضغوط
يرى الناقد أن ثمة دوافع جوهرية ارتبطت بالمفهوم الشعبي الفطري لدى الناس. ولا شك في أن هذه الفطرية كانت تمثل أعلى درجات الوعي والإدراك حينها لمواجهة الضغوط السياسية وحالات التعسف والطغيان.
ولذلك سلك الناس سبيل الإثارة الوجدانية والشعورية المؤثرة، وابتعدوا عن أدلجة المسعى؛ لأنهم دوّنوا هذه الشعائر عبر الموروث الوجداني، وعن إرث أئمة قدموا النموذج الأمثل لاحتضان الشعائرية.
ويرى الناقد العبيدي أن الأمية المتفشية كانت سبباً في الاعتماد على مسعى إفهامي أكثر قدرة على التواصل والرسوخ الذهني.
من التشابيه إلى مسرح الشارع
تحتاج المقاربات إلى توازن بين طرفيها، لتدفع الجهد البحثي باتجاه المقومات. والإنسان بطبيعته لا يمكث عند منطلق الشروع الأول؛ فكان المسرح واحداً من تطلعات الحضور، وراح الإنسان يبحث فيه عن طرائق تعبيرية تحتكم إلى الأداء.
وكان مسرح الشارع هدفاً لاستيعاب مساحات العرض وشمولية المشاركة، والذهاب إلى الناس في أماكن وجودهم. وبما أن الحدث يختص بمسرحة الشعائر، فإن التفاعل سيكون مباشراً وآنيّاً، ويرى الناقد أن هذه التسمية لا تقلل من القيمة الفنية.
الصورة بوصفها لغة عالمية
تعتمد التشابيه الحسينية على الجانب الصوري المتشكل من الديكور والانزياح والإكسسوارات أكثر من اعتمادها على الحوار، وهي الوسيلة العملية لمسرح الشارع؛ لأن الصورة لغة عالمية لا تتعثر بمشكلات المنطوق وهويته.
ونجد أن ذروة العمل البحثي تتحقق حين يحتوي على أمور تشخيصية تخلق سمات تقييمية تدفع الموضوع نحو الدقة.
المبالغة الفنية وأصالة الشعائر
يرى الناقد العبيدي أن ما يؤخذ على التشابيه هو افتقارها إلى المستوى المطلوب فنياً، بسبب المبالغة في تجسيد الأمور التي تؤازر العاطفة. كما وجّه أكثر من ناقد الاهتمام إلى قصدية إبقاء الشعائر بصورتها الشعبية، حفاظاً على الفكرة الأصلية.
ورغم أن الناقد العبيدي يعتقد أن العمل برمته يتحرك أثناء العرض، وهذا لا يمكن إيجاده في أي مسرح، لا في مسرح الشارع ولا في غيره من المسارح، فإننا نجده يختار الأمكنة المفتوحة بوصفها فضاءات مكانية واسعة.
الجمهور شريك في العرض
يذهب العبيدي إلى التركيز على خصوصية مهمة للتشابيه الحسينية، وهي المشاركة الفعلية والعملية للجمهور؛ فهو ليس جمهوراً مشاهداً فحسب، بل هو متفاعل فكرياً وعاطفياً، ويشارك بالصوت والعويل والبكاء.
وهذا التفاعل الروحي يجعله بمستوى التمثيل الأسمى لانعكاسات الواقعة الخالدة.
❖ كتابات في الميزان ❖
يتناول المقال رؤية الناقد عماد كاظم العبيدي للتشابيه الحسينية بوصفها شكلاً درامياً شعبياً يقترب من مسرح الشارع، ويجمع بين الصورة والحركة والتفاعل الوجداني. ويبرز النص دور الموروث الشفهي في حفظ واقعة الطف ومواجهة محاولات المنع والتغييب التاريخي. كما يلفت إلى أن قوة التشابيه تكمن في مشاركة الجمهور المباشرة، مع الدعوة الضمنية إلى تطوير مستواها الفني من دون إبعادها عن أصالتها الشعبية ومضمونها العقائدي.
