حتى يستأنسوا
كتب : افياء الحسيني
في : 2026/09/12 كنت أدرس بشغف مفهوم الحداثة، معتقدةً أنه يأتي بمعنى الابتكار أو الشيء غير المعروض سابقاً، لكنني أدركت أن الحداثة تعني تجديد ما هو قديم؛ أي أن ننظر إلى الأصالة بمنظور معاصر. ومن يقول إننا أكثر عقلانيةً من السلف الفكري، ونحن أبناء تراث ثرّ؟
على كل حال، أنا أؤمن بأن الحداثة لا تعني التمرد الفكري على الموروث؛ لهذا وضعت بين يديّ درساً عن مادة الاستئذان: ما معناه؟ ولماذا التركيز عليه ونحن نعيش زمن تحرر، أو يحاول التحرر من كل التزام؟ ولنقلها بالمعنى الصحيح: الانفلات من كل أمر وواجب.
الاستئذان في التشريع الإسلامي
أدرك أولاً أنه من ضمن التشريعات الإسلامية المتينة التي وردت لتنظيم حياتنا وترسيخ أجواء المعاملة الإنسانية. كان أبي، السيد سماوي، رحمه الله، يوصينا بألّا نضيّع يوماً أدب الاستئذان، وطلب الإذن للدخول.
تأملت قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [سورة الانشقاق: 2]؛ أي إنها سمعت لربها، وانقادت وأطاعت أمره، وحُق لها أن تطيع وتستجيب؛ لأنه العظيم الذي يقهر كل شيء.
وفي الشرع يعني الاستئذان طلب الإذن في دخول محل لا يملكه المستأذن، وهو من باب احترام خصوصية الناس ومراعاة حرمة البيوت.
الاستئذان وجذر العفاف
كان السيد سماوي ينظر إلى الاستئذان على أنه جذر العفاف العام، وبه نستطيع مكافحة كل انحطاط خُلقي. والعفة تعني الستر وعدم الهتك؛ ولهذا حُصّن البيت بالسكينة والأمان، كونه الملاذ.
وقسّم الإمام الصادق، عليه السلام، الاستئذان إلى ثلاثة: «أولهن يسمعون، والثانية يحذرون، والثالثة إن شاؤوا أذنوا، وإن شاؤوا لم يفعلوا، فيرجع المستأذن»، مع ترك فاصل زمني بين كل استئذان وآخر؛ حفاظاً على كرامة البيت.
الاستئذان عند العرب قبل الإسلام
من المعلومات الأولية التي أدهشتني أن العرب لم يكونوا يستأذنون، بل كانوا يعدّون الاستئذان حطّاً من شأن المستأذن. وهذا حكم جاء به الإسلام، وأمر بعدم دخول بيوت الآخرين بغير إذن، حتى وإن كانت الأبواب مفتوحة.
دلالة قوله تعالى: «حتى تستأنسوا»
ركّز السيد سماوي، رحمه الله، بدقة على الآية: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾، ولم يقل: «تستأذنوا»، بمعنى طلب الاستئذان المرافق للمحبة واللطف والمعرفة والإخلاص.
وتبيّن الآية كيف يجب أن يكون الاستئذان برفق وأدب وصداقة، بعيداً عن أي حدة وسوء خلق. ولو تبحرنا في هذه الجملة على هذا الأساس، لوجدنا فيها الكثير من الأدب الذي يدور حول هذا الموضوع.
وهو يعني ألّا تصرخوا، وألّا تقرعوا الباب بقوة، وألّا تستأذنوا بعبارات حادة، وألّا تدخلوا حتى يؤذن لكم، فتسلّموا أولاً سلاماً يستبطن مشاعر السلام والود ورسالة المحبة والصداقة.
الخير الكامن في أدب الاستئذان
مما يلفت النظر في هذا الحكم، الذي يتصف بأبعاد إنسانية وعاطفية واضحة، مرافقته لجملتين؛ أولاهما: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وثانيتهما: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وهذا بحد ذاته دليل على أن لهذه الأحكام جذوراً في أعماق العواطف والعقول الإنسانية، ولو دقق الإنسان النظر فيها لتذكر أن فيها الخير والصلاح.
ثم تضيف الآية: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾، إشارةً إلى أنه لا لزوم لانزعاج المرء إن لم يؤذن له بالدخول؛ فلعل صاحب المنزل في وضع غير مريح، أو أن منزله لم يُهيأ لاستقبال الضيوف.
الاستئذان في مفهوم السيد سماوي
من مفاهيم السيد سماوي التي أعتز بها، وأعدّها قمة الحداثة، أن الاستئذان يدل عنده على حياء وشهامة وتربية وتكريم إنساني، ويعزز الاستقلالية والحرمة، ويؤسس لحياة حرة كريمة.
❖ كتابات في الميزان ❖
ينطلق المقال من إعادة فهم الحداثة بوصفها تجديداً واعياً للموروث، ليقدم أدب الاستئذان نموذجاً لقيمة إسلامية تحتفظ براهنيتها الإنسانية. ويربط النص بين الاستئذان والعفاف والخصوصية وحرمة البيوت، مستنداً إلى الدلالات القرآنية وتجربة الكاتبة مع والدها. وتبرز أهميته في تأكيد أن السلوك المتحضر لا يتحقق بالانفلات من القيم، بل بإحيائها في صورة معاصرة تحفظ كرامة الإنسان.
كتب : افياء الحسيني
في : 2026/09/12 كنت أدرس بشغف مفهوم الحداثة، معتقدةً أنه يأتي بمعنى الابتكار أو الشيء غير المعروض سابقاً، لكنني أدركت أن الحداثة تعني تجديد ما هو قديم؛ أي أن ننظر إلى الأصالة بمنظور معاصر. ومن يقول إننا أكثر عقلانيةً من السلف الفكري، ونحن أبناء تراث ثرّ؟
على كل حال، أنا أؤمن بأن الحداثة لا تعني التمرد الفكري على الموروث؛ لهذا وضعت بين يديّ درساً عن مادة الاستئذان: ما معناه؟ ولماذا التركيز عليه ونحن نعيش زمن تحرر، أو يحاول التحرر من كل التزام؟ ولنقلها بالمعنى الصحيح: الانفلات من كل أمر وواجب.
الاستئذان في التشريع الإسلامي
أدرك أولاً أنه من ضمن التشريعات الإسلامية المتينة التي وردت لتنظيم حياتنا وترسيخ أجواء المعاملة الإنسانية. كان أبي، السيد سماوي، رحمه الله، يوصينا بألّا نضيّع يوماً أدب الاستئذان، وطلب الإذن للدخول.
تأملت قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [سورة الانشقاق: 2]؛ أي إنها سمعت لربها، وانقادت وأطاعت أمره، وحُق لها أن تطيع وتستجيب؛ لأنه العظيم الذي يقهر كل شيء.
وفي الشرع يعني الاستئذان طلب الإذن في دخول محل لا يملكه المستأذن، وهو من باب احترام خصوصية الناس ومراعاة حرمة البيوت.
الاستئذان وجذر العفاف
كان السيد سماوي ينظر إلى الاستئذان على أنه جذر العفاف العام، وبه نستطيع مكافحة كل انحطاط خُلقي. والعفة تعني الستر وعدم الهتك؛ ولهذا حُصّن البيت بالسكينة والأمان، كونه الملاذ.
وقسّم الإمام الصادق، عليه السلام، الاستئذان إلى ثلاثة: «أولهن يسمعون، والثانية يحذرون، والثالثة إن شاؤوا أذنوا، وإن شاؤوا لم يفعلوا، فيرجع المستأذن»، مع ترك فاصل زمني بين كل استئذان وآخر؛ حفاظاً على كرامة البيت.
الاستئذان عند العرب قبل الإسلام
من المعلومات الأولية التي أدهشتني أن العرب لم يكونوا يستأذنون، بل كانوا يعدّون الاستئذان حطّاً من شأن المستأذن. وهذا حكم جاء به الإسلام، وأمر بعدم دخول بيوت الآخرين بغير إذن، حتى وإن كانت الأبواب مفتوحة.
دلالة قوله تعالى: «حتى تستأنسوا»
ركّز السيد سماوي، رحمه الله، بدقة على الآية: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾، ولم يقل: «تستأذنوا»، بمعنى طلب الاستئذان المرافق للمحبة واللطف والمعرفة والإخلاص.
وتبيّن الآية كيف يجب أن يكون الاستئذان برفق وأدب وصداقة، بعيداً عن أي حدة وسوء خلق. ولو تبحرنا في هذه الجملة على هذا الأساس، لوجدنا فيها الكثير من الأدب الذي يدور حول هذا الموضوع.
وهو يعني ألّا تصرخوا، وألّا تقرعوا الباب بقوة، وألّا تستأذنوا بعبارات حادة، وألّا تدخلوا حتى يؤذن لكم، فتسلّموا أولاً سلاماً يستبطن مشاعر السلام والود ورسالة المحبة والصداقة.
الخير الكامن في أدب الاستئذان
مما يلفت النظر في هذا الحكم، الذي يتصف بأبعاد إنسانية وعاطفية واضحة، مرافقته لجملتين؛ أولاهما: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وثانيتهما: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وهذا بحد ذاته دليل على أن لهذه الأحكام جذوراً في أعماق العواطف والعقول الإنسانية، ولو دقق الإنسان النظر فيها لتذكر أن فيها الخير والصلاح.
ثم تضيف الآية: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾، إشارةً إلى أنه لا لزوم لانزعاج المرء إن لم يؤذن له بالدخول؛ فلعل صاحب المنزل في وضع غير مريح، أو أن منزله لم يُهيأ لاستقبال الضيوف.
الاستئذان في مفهوم السيد سماوي
من مفاهيم السيد سماوي التي أعتز بها، وأعدّها قمة الحداثة، أن الاستئذان يدل عنده على حياء وشهامة وتربية وتكريم إنساني، ويعزز الاستقلالية والحرمة، ويؤسس لحياة حرة كريمة.
❖ كتابات في الميزان ❖
ينطلق المقال من إعادة فهم الحداثة بوصفها تجديداً واعياً للموروث، ليقدم أدب الاستئذان نموذجاً لقيمة إسلامية تحتفظ براهنيتها الإنسانية. ويربط النص بين الاستئذان والعفاف والخصوصية وحرمة البيوت، مستنداً إلى الدلالات القرآنية وتجربة الكاتبة مع والدها. وتبرز أهميته في تأكيد أن السلوك المتحضر لا يتحقق بالانفلات من القيم، بل بإحيائها في صورة معاصرة تحفظ كرامة الإنسان.
