(تجليات قربة) 6
خديجة عبدالواحد ناصر
لقد تعودتم على ما يكتبه المؤرخون، لكن من أين لهؤلاء الكتاب تجليات قربة حملت في خلجاتها أنفاس العباس عليه السلام، أنا أدرك عطشه قبل أن يعطش وأعرف أفكاره وأحاديث النفس.
قد أكون صغيره الحجم بالنسبة للأحداث التي عشتها، أتحداك لو استطعت أن تراني كما يراني مولاي العباس عليه السلام، كل الأمور التي عمل بها العباس عليه السلام هي عظيمة، ونال بها الحظوة عند المولى سبحانه، وعند أوليائه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته أهل العصمة عليهم السلام.
لن أتخلى عنك مولاي العباس وإن قطعت إربا إربا، لهذا كنت أعد نفسي لليوم الموعود، فأنا أيضا بدأت أعرف أشياء كثيرة عن القادم من الأحداث، لهذا أعد هذا البيت مولاي العباس عليه السلام لهذا اليوم.
قبل أيام كنت أحدثكم عن حديث الإمام علي عليه السلام وعن طفولة العباس، والمرتقى يبدأ من كلمة هدى وإرشاد وفوز، لهذا كلما أتذكر العباس في أحداث كربلاء أحتار من أين ابتدأ الحكاية؟ لا يمكن أن أكون حيادية وأنا أرى الجراح وأعيشها، وكنت أعرف الموقف العام لبني أمية واتباعهم، وأعرف أن التاريخ سيمر مرور الكرام وسيتنامى الانحراف من الجريمة إلى الترضي عنها وعن قاتلها، هل هناك من يدرك نبضات قلب العطشان؟
هل هناك من يدرك نبضات قلب المظلوم، والمذبوح؟
تعرفت في الواقع على كثير من القرب الموالية، وتأثرت كثيرا بقربة زهير بن القين، كانت سعيدة جدا ونحن نلتقي في كربلاء وتعرفت على قربة الحر بن يزيد الرياحي، كانت تحمد الله على هداية الحر والنجاة، تقول أني سمعت إحدى قرب الأمويين تشمت بي وتقول ما هي إلا ساعات وإلى الموت، نعم أنا اعلم والحر يعلم إن جيش الحسين ليس له مصير في الدنيا إلا الموت المحتم.
حملت الكثير من طباع مولاي العباس عليه السلام فما تعودت الخوف، وما مر بي يوما ولا قلقت على موقف سيدي العباس في كربلاء، وغير كربلاء، لكني حنقت كثيرا وشعرت أن قتلة الحسين عليه السلام وصلوا إلى درجة فريدة من الغباء، وإلا كيف لإنسان أن يفكر بأن العباس عليه السلام سيتخلى عن أخيه وسيده الحسين عليه السلام لمجرد ورقة أمان يهبها طاغية يريد أن يذبح الحسين عليه السلام وأهل بيته؟
(الموقف الأول)
عبد الله بن أبي المحل بن حزام، كانت والدة العباس عمته طلب من ابن زياد أمانا لأولاد أم البنين عليها السلام، فجاء كتاب الأمان أعطاه عبد الله بن أبي المحل لمولى له يقال (كزمان) قرأ الكتاب أبو الفضل وإخوته ثم قالوا لحامل الكتاب ابلغ خالنا السلام وقل لا حاجة لنا في الأمان (أمان الله خير من أمان ابن سمية) فرجع.
قلت لكم لن أقلق أبدا طيلة مرور الموقف لإني أعرف سيدي العباس وأعرف إخوته أيضا وأعرف أن الموقف مر على قلب مولاي الحسين عليه السلام وهو في قمة الاطمئنان يعرف إخوته تماما، لهذا لم يمس قلب مولاي القلق إطلاقا وبقيت على مر التاريخ هذه الجملة شعار الأحرار (أمان الله خير من أمان ابن سمية)
(الموقف الثاني)
وقف الشمر لعنه الله عليه يوم العاشر من محرم ناحية فنادى، أين بنو اختنا؟ أين العباس وإخوته؟ لم يهزني شيء من هذا النداء ولم أقلق والدرس الذي تعلمته من حكمة سيد الشهداء أدهشني، قال لهم مولاي الحسين: ـ أجيبوه ولو كان فاسقا، فقام إليه العباس عليه السلام، قال شمر لعنه الله انتم آمنون يا بني أختنا، اعلم أولا أن أي قرابة لا توجد بين مولاتي أم البنين والشمر سوى اسم القبيلة، فنادى العباس عليه السلام تبت يداك ما لنا وأمانك جئت تامرنا أن نترك أخانا وسيدنا، أي أمان والحسين بن فاطمة الزهراء عليهما السلام بلا أمان، وندخل طاعة اللعناء أولاد اللعناء
ليضع كل واحد نفسه في هذا الموقف، جلبة جيش لا آخر له، كل فرد يحمل الموت بين عطاياه، جيش يقارب الثلاثين ألف في العدد أو يزيد، جيش غير منضبط لا دين له ولا إنسانية، ولا أعراف قبلية عربية ولا كرامة، ولا إسلام، ويأتي من يمنحك الأمان، أنا مؤمنة بما أقول وإنما أسأل لتعرف النفوس الكبيرة التي رفضت الحياة على غير طريق الله وأحكام دينه، فضلت الشهادة على أمان زائف، رجال لم يطلبوا لأنفسهم الأمان ولم ترهبهم الجيوش، ولا جبال الحديد التي تسلح بها العدو، القرب في الميدان كالجنود بل هم جزء مهم لإدامة الحياة، وللقربة رأي بجدية مقاتل خبر الميادين، لا أمان لهؤلاء الطغاة، أي أمان وبنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعائلته وصبيته في حصار جيوش بني أمية.
أكيد سيقولون لو كان الحسين على حق لما تركوه حتى إخوته وأهل بيته في هذا الظرف العصيب؟ وهذا ما كان يسعون إليه، لكني أتعجب أي عقل ساذج هذا الذي خطط للعبة الأمان المزيفة؟ لا أحد فيهم خرج مع الحسين مكرها، أنا أعرف العباس أكثر من غيري علاقة كبيرة تربطني بساقي العطاشى ومنبع الرواء، خرج مع الحسين عليه السلام عن التزام بدين متمسكا بالمعتقد الحق، خرج بغيرة على الدين ومقدساته وبرغبة حقيقية في إصلاح الفساد.
لقد سجل مولاي العباس صفحة من أروع صفحات الإسلام، وأزهرها، أن نعيش أحرار على دين محمد صلى الله عليه واله أو نموت مع الحسين ولا طريقة ثالثة بينهما، وكان دائما في كل حركة وكلمة وموقف ينادي مولاي أبو الفضل العباس لبيك يا سيدي يا حسين
