نبضات وعي شغوف
وفاء الطويل
خارطة خفية تنبض بما خبأه الدهر، إنه التاريخ بين ثناياه تتوزع الأحداث بين فرح يلمع كنجمة، وخنجر غرزه الظلال بالأفئدة كالجمر، بين إشراقة ترفع الروح، وعتمة تختبر الصبر، نمضي ويخلد الزمن أعمالنا على صفحات لا تكف عن الدوران.
، شهادة الزهراء "عليها السلام".
"في قبضة الجمر"
في لحظة من أكثر لحظات التاريخ وجعا، صوت أنين مكتوم خلف باب أثقلته الرزايا.
لا صوت سوى صوت لهيب النار في الحطب، وصرخة ارتجف لها التكوين.
فِي البَابِ شِرذِمَةٌ لِلبَيتِ مُخْتَرِقَهْ
بالجَزْلِ وَالنَّارِ والأَحْقَادِ مُنْطَلِقَهْ
مَنَاجِلُ الجَوْرِ رَضَّتْ صَدْرَ فاطِمَةَ الـ
ـزَّهْرَا فَذِي رِئَةُ الإسلامِ مُخْتَنِقَهْ
وَحِينَ لاذَتْ وَراءَ البابِ بَاغَتَهَا
بِالعَصْرِ حَتَّى هَوَتْ مِن غُصْنِها وَرَقَهْ
مَا زَالَ يَدْفَعُهَا والدُّسْرُ يَجْرَحُهَا
والنّارُ لاهِبَةٌ مَسْعورَةٌ نَزِقَهْ
قَضَى عَلَى النُّورِ يَا لِلّٰهِ أَمْرَضَهَا
بِجِنْحَةٍ غَيْرَهُ فِي الخَلْقِ مَا سَبَقَهْ
حَتَّى أَتَتْكَ أَيَا طَه مُعَذَّبَةً
مُحَمَّرَةَ الخَدِّ والعَيْنَيْنِ كَالعَلَقَهْ
مَا أَقْبَحَ الدَّهْرَ بَعْدَ الفَقْدِ نَازَعَهَا
حَقَّ الحَياةِ... أَعَانَ الجَوْرَ وَالفَسَقَهْ
، شهادة جعفر الطيار "عليه السلام".
لوعة الفراق ومرارة الحزن على الطيار، البعيد عن الوطن، الغريب في أرض كرك، حق له علينا أن ننوح ونبكي، ونستحضر ملامح شجاعته وإيمانه، فهو من خلف إرثا من البطولة لا ينسى، وأثرا في التاريخ لا يمحى.
تَسَعَّرَ جَمْرُ الْحُزْنِ فَوْقَ جُفُونِهِ
وَفِي الْأَرْضِ نَوحٌ بَاحِثٌ عَــــنْ أَنِينِـــهِ
وَيَسْتَجْلِبُ التَّارِيخُ ظِلًّا مِنَ الْأَسَى
إِذَا بَـــاحَ يَوْمًـــا عَنْ حَـــدِيثِ شُجُونِـــهِ
مَجَالِسُ وَجْدٍ فِي السَّمَاءِ تَشَكَّلَتْ
عَلَى مَنْ صِفَاتُ الْمُصْطَفَى فِي جَبِينِهِ
هُنَا الطِّينَةُ الرُّحْمَى تُنَادِي رُفَاتَهُ
تُـــأَبِّنُـــهُ بِالدَّمْـــــعِ بَعْـــدَ سُكُــونِـــهِ
وَتَنْظُرُ كَفَّيْهِ عَلَى سَاحَةِ الْوَغَى
فِــــدَاءً وَقُـــرْبَانًــــا وَنَصْــــرًا لِدِينِــــهِ
فَلَمَّا تَدَلَّتْ فَوْقَهُ سُحُبُ الرَّدَى
وَسَحَّ غَمَامُ الْبَيْنِ فَيْــــضَ هُتُونِــــهِ
أَضَافَتْهُ كَرْكٌ كَيْ يَصِيرَ غَرِيبَهَا
بِقَبْرٍ يُدِيــرُ وَجْهَـــهُ فِـــي دَفِينِــــهِ
يُحَلِّقُ نَحْوَ الْخُلْدِ وَالْخُلْدُ غَايَةٌ
عُرُوجًا إِلَى الْفِرْدَوْسِ مَعْدِنُ طِينِــهِ
فَذَا جَعْفَرُ الطَّيَّارُ فَابْكُوهُ وَانْدُبُوا
فَمَا خَابَ مَنْ عَزَّى بِصِدْقِ يَقِينِـــهِ
وفاة أم البنين "عليها السلام".
في ذاكرة الوفاء أنين يتردد له صدى مختلفا، يحمل وجعا عميقا لا يبرئ، أنه لأم البنين "عليها السلام"، به تترجم جراح كربلاء التي تنهشه في قلبها بالأسى، لتعيد الوعي إلى القلوب التي ماتت، بحكاية الأربعة الذين أناروا الدرب بدمائهم.
يَـا أُمَّ مَنْ سَجَـــدُوا لِلْحَـــقِّ وَانْتَصَــروا
لِلْحَقِّ فِي الطَّفِّ باعُوا العُمْرَ وَاصْطَبَروا
مَا زِلتِ لِلصَّبْرِ أُمًّا وَالْمَــدَى وَجَـــعٌ
يُذِيبُ قَلْبَ الأَسَى، وَالدَّهْرُ مُعْتَكِرُ
هٰذا الحُسَيْنُ وَذا العَبّاسُ، إِخْوَتُـهُ
يَنْعاهُمُ الدِّينُ وَالآيَــاتُ وَالسُّـــوَرُ
طُوبَى لَهُم وَهَبُوا الأَرْواحَ خَالِقَهَــا
لِلشَّرْعِ، لِلسِّبْطِ، لا يُثْنِيهِمُ الخَطَرُ
ما زِلْتِ تَبْكِينَهُـمْ وَالدَّمْعُ مُنْهَمِـــرٌ
ما زالَ جُرْحُهُمُ الأَشْجـانَ يَحْتَكِــرُ
حَتَّى مَضَيْتِ، وَجُرْحُ الطَّفِّ مَا هَدَأَتْ
أَوْجاعُــهُ وَنِيَاطُ القَلْـــبِ تَسْتَعِـــرُ
تَبْكِيكِ أَزْمِنَةُ التَّارِيخِ فِي شَجَنٍ
أُمَّ البَنِينَ وَقَلْـبُ الآلِ يَنْكَسِـــرُ
ولادة الزهراء "عليها السلام".
سر نسجته الإرادة العليا بخيوط من النور، ثم نطقت به الحقيقة قائلة:
«بها يعرف معنى الاصطفاء، ومنها تشتق لغة الطهر».
يَا مَطْلِعَ الأَفْلَاكِ وَالأَقْمَارِ
وَمُنْتَهَـــى الأَسْــرَارِ وَالأَفْكَـــارِ
أَنَا الْوُجُودُ بِالثَّنَا مُسَبِّحٌ
فِي بَحْرِ نُورٍ مِنْ سَنَاكِ السَّارِي
أَبْصَرْتُ وَجْهَ اللهِ فِيكِ مُزْهِرًا
يَا آيَةَ الرَّبِّ الْعَظِيــــمِ الْبَـــارِي
"يَا فَاطِمَه يَا فَاطِمَه" الثقلين
