بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«واحدٌ لا بعدد، ودائمٌ لا بأمد، وقائمٌ لا بعمد، تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة»
نهج البلاغة: ج2 /ص163
هذا الكلام من أجمل ما يُبيّن تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين، وفيه ألفاظ قليلة لكن كل لفظة تفتح معنى عميقًا :
١. «واحدٌ لا بعدد»
ليس معنى وحدانيته أن الله تعالى واحدٌ من مجموعة أشياء، كما نقول: كتاب واحد من عشرة كتب.
بل هو واحد بمعنى أنه لا شريك له ولا مثيل ولا نظير، ولا يوجد في الوجود إلهٌ آخر يشاركه في الألوهية والتدبير.
فالله ليس «واحدًا» لأن هناك أشياء كثيرة وهو واحد منها؛ بل هو الواحد الذي لا ثاني له أصلًا.
وهذا يقرّب لنا معنى قوله تعالى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.
٢. «ودائمٌ لا بأمد»
الأمد هو الغاية والنهاية.
المخلوقات لها بداية ونهاية: يولد الإنسان، يعيش مدة، ثم يموت. والشجرة تنبت ثم تذبل، والدنيا لها بداية وستنتهي.
أما الله تعالى فليس وجوده داخل خطّ زمني له بداية ونهاية.
لم يسبقه عدم، ولا يلحق وجوده فناء.
فدوامه ليس مثل دوام شيءٍ يستمر مدة طويلة جدًا، وإنما هو دائم من غير أن تكون لدوامه نهاية.
ولهذا يقول القرآن:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾.
٣. «وقائمٌ لا بعمد»
العَمَد جمع عَمَد، وهي الأعمدة التي يعتمد عليها الشيء.
نحن نقول عن البناء: قائم لأنه يستند إلى أساس وأعمدة.
أما الله تعالى فـ قائم بذاته، لا يحتاج إلى شيء يقيمه أو يسنده أو يحفظ وجوده.
بل العكس تمامًا:
كل شيء محتاج إليه، وهو غير محتاج إلى شيء.
فالإنسان يحتاج إلى الطعام والهواء والنوم، والبيت يحتاج إلى أساس، والكائن يحتاج إلى أسباب تحفظ وجوده.
أما الله تعالى فهو القيّوم؛ قائم بنفسه ومقيم لغيره.
وهذا معنى عظيم في قوله تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ما معنى «القيّوم»؟ «القيّوم» من القيام، وله معنيان متلازمان:
1. القائم بنفسه
أي أن الله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى أحد.
لا يحتاج إلى مكان، ولا إلى زمان، ولا إلى سبب أوجده، ولا إلى قوة تحفظه.
نحن وجودنا ليس مستقلًا؛ وجودنا مستمد من الله.
أما الله سبحانه، فوجوده ليس مستمدًا من غيره.
2. المقيم لغيره
وهذا أعمق.
ليس فقط أن الله قائم بذاته، بل هو الذي يقيم كل شيء.
أنت الآن موجود لأن الله أبقاك موجودًا.
وقلبك يعمل لأن الله أجرى فيه هذه القدرة.
والهواء موجود، والسماء قائمة، والأرض مستقرة، والقوانين التي ينتظم بها الكون كلها تحت تدبيره.
فلو شاء الله أن يسلب شيئًا من هذا الوجود، لم يستطع شيء أن يمنعه.
ولهذا قال تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
البقرة: 255
🌿 الفرق بين «القائم» و«القيّوم»
قد يقول الإنسان: «أنا قائم».
لكن قيام الإنسان يحتاج إلى أرض، والأرض نفسها تحتاج إلى الله.
والبيت قائم على أساس، والأساس قائم على الأرض، والأرض قائمة بأمر الله.
إذن كل ما في السلسلة محتاج.
أما الله تعالى فلا يدخل في هذه السلسلة أصلًا.
لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«قائمٌ لا بعمد»
أي: قائم من غير دعامة يعتمد عليها.
وهذه هي عظمة «القيّوم».
وإذا أردنا اختصار اسم «القيّوم» في جملة واحدة:
«يا رب، أنت قائم بنفسك، وكل ما سواك قائم بك؛ فلا وجودي مستقل عنك، ولا بقائي، ولا قوتي، ولا أمري.»
يا من حياتُه لا تزول، ويا من أقمتَ كل شيء وأنت غنيّ عن كل شيء، أقِم قلبي على طاعتك، ولا تكلني إلى نفسي.
٤. «تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة»
هنا عبارة دقيقة جدًا.
المشاعرة بمعنى الإدراك بالحواس والمباشرة الحسية.
فالعين تدرك الأجسام والألوان، والأذن تدرك الأصوات، واليد تدرك الملمس.
لكن الله سبحانه ليس جسمًا حتى تدركه الحواس.
فكيف «تتلقاه الأذهان»؟
أي أن العقل يستطيع أن يستدل على وجود الله وصفاته، ويدرك أنه الخالق، وأنه حيّ وقادر وعالم وحكيم، من خلال آياته وآثاره، لا أن العقل يحيط بذات الله ويستوعب حقيقتها.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
نعرف الله، لكن لا نحيط بذاته.
نحن نعرف الشمس ونرى آثارها، لكن هذا لا يعني أننا أحطنا بكل حقيقتها. فكيف بالخالق سبحانه؟
قال تعالى:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.
٥. «وتشهد له المرائي لا بمحاضرة»
المرائي جمع مَرأى، أي الأشياء التي تراها العين والمشاهد الموجودة في الكون.
كل ما تراه حولك يمكن أن يكون شاهدًا على خالقه:
السماء، انتظام الليل والنهار، خلق الإنسان، دقة الجسد، النبات، اختلاف المخلوقات، نظام الكون...
لكن هذه الأشياء لا تشهد لله لأن الله تعالى حاضر أمامنا كجسم فنراه ونعاينه.
بل تشهد له بآثار صنعه وإتقان خلقه.
كأنك تدخل بيتًا مرتبًا بإتقان، ولا ترى صاحبه، لكنك تقول فورًا: لا يمكن أن يكون هذا الترتيب بلا من رتّبه.
فالكون نفسه يقول لك بلسان حاله:
له خالق حكيم.
الله واحد، لكن ليست وحدانيته كالأشياء.
دائم، لكن ليس دوامُه كدوام المخلوقات.
قائم بذاته، وليس محتاجًا إلى سند.
يُعرف بالعقل والاستدلال، لا بالحواس.
وتدل عليه آيات الكون وآثار قدرته، لا لأن العين تراه.
وهذا الكلام يربي الإنسان على شيء مهم جدًا:
أن يعرف الله من غير أن يشبّهه بخلقه.
فكلما رأيت شيئًا في الدنيا، تذكّر:
هذا الشيء محتاج، والله غني.
هذا الشيء متغير، والله لا يعتريه تغير المخلوقين.
هذا الشيء له بداية، والله أزلي.
هذا الشيء يحتاج من يحفظه، والله هو الذي يحفظ كل شيء.
ولهذا كلما ازداد الإنسان معرفةً بالله، ازداد شعوره بحقيقة عظيمة:
أنا لا أملك وجودي استقلالًا، ولا رزقي، ولا بقائي، ولا قدرتي؛ أنا قائم بالله، وكل ما حولي قائم بتدبيره.
اللهم صل على محمد وآل محمد
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«واحدٌ لا بعدد، ودائمٌ لا بأمد، وقائمٌ لا بعمد، تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة»
نهج البلاغة: ج2 /ص163
هذا الكلام من أجمل ما يُبيّن تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين، وفيه ألفاظ قليلة لكن كل لفظة تفتح معنى عميقًا :
١. «واحدٌ لا بعدد»
ليس معنى وحدانيته أن الله تعالى واحدٌ من مجموعة أشياء، كما نقول: كتاب واحد من عشرة كتب.
بل هو واحد بمعنى أنه لا شريك له ولا مثيل ولا نظير، ولا يوجد في الوجود إلهٌ آخر يشاركه في الألوهية والتدبير.
فالله ليس «واحدًا» لأن هناك أشياء كثيرة وهو واحد منها؛ بل هو الواحد الذي لا ثاني له أصلًا.
وهذا يقرّب لنا معنى قوله تعالى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.
٢. «ودائمٌ لا بأمد»
الأمد هو الغاية والنهاية.
المخلوقات لها بداية ونهاية: يولد الإنسان، يعيش مدة، ثم يموت. والشجرة تنبت ثم تذبل، والدنيا لها بداية وستنتهي.
أما الله تعالى فليس وجوده داخل خطّ زمني له بداية ونهاية.
لم يسبقه عدم، ولا يلحق وجوده فناء.
فدوامه ليس مثل دوام شيءٍ يستمر مدة طويلة جدًا، وإنما هو دائم من غير أن تكون لدوامه نهاية.
ولهذا يقول القرآن:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾.
٣. «وقائمٌ لا بعمد»
العَمَد جمع عَمَد، وهي الأعمدة التي يعتمد عليها الشيء.
نحن نقول عن البناء: قائم لأنه يستند إلى أساس وأعمدة.
أما الله تعالى فـ قائم بذاته، لا يحتاج إلى شيء يقيمه أو يسنده أو يحفظ وجوده.
بل العكس تمامًا:
كل شيء محتاج إليه، وهو غير محتاج إلى شيء.
فالإنسان يحتاج إلى الطعام والهواء والنوم، والبيت يحتاج إلى أساس، والكائن يحتاج إلى أسباب تحفظ وجوده.
أما الله تعالى فهو القيّوم؛ قائم بنفسه ومقيم لغيره.
وهذا معنى عظيم في قوله تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ما معنى «القيّوم»؟ «القيّوم» من القيام، وله معنيان متلازمان:
1. القائم بنفسه
أي أن الله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى أحد.
لا يحتاج إلى مكان، ولا إلى زمان، ولا إلى سبب أوجده، ولا إلى قوة تحفظه.
نحن وجودنا ليس مستقلًا؛ وجودنا مستمد من الله.
أما الله سبحانه، فوجوده ليس مستمدًا من غيره.
2. المقيم لغيره
وهذا أعمق.
ليس فقط أن الله قائم بذاته، بل هو الذي يقيم كل شيء.
أنت الآن موجود لأن الله أبقاك موجودًا.
وقلبك يعمل لأن الله أجرى فيه هذه القدرة.
والهواء موجود، والسماء قائمة، والأرض مستقرة، والقوانين التي ينتظم بها الكون كلها تحت تدبيره.
فلو شاء الله أن يسلب شيئًا من هذا الوجود، لم يستطع شيء أن يمنعه.
ولهذا قال تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
البقرة: 255
🌿 الفرق بين «القائم» و«القيّوم»
قد يقول الإنسان: «أنا قائم».
لكن قيام الإنسان يحتاج إلى أرض، والأرض نفسها تحتاج إلى الله.
والبيت قائم على أساس، والأساس قائم على الأرض، والأرض قائمة بأمر الله.
إذن كل ما في السلسلة محتاج.
أما الله تعالى فلا يدخل في هذه السلسلة أصلًا.
لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«قائمٌ لا بعمد»
أي: قائم من غير دعامة يعتمد عليها.
وهذه هي عظمة «القيّوم».
وإذا أردنا اختصار اسم «القيّوم» في جملة واحدة:
«يا رب، أنت قائم بنفسك، وكل ما سواك قائم بك؛ فلا وجودي مستقل عنك، ولا بقائي، ولا قوتي، ولا أمري.»
يا من حياتُه لا تزول، ويا من أقمتَ كل شيء وأنت غنيّ عن كل شيء، أقِم قلبي على طاعتك، ولا تكلني إلى نفسي.
٤. «تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة»
هنا عبارة دقيقة جدًا.
المشاعرة بمعنى الإدراك بالحواس والمباشرة الحسية.
فالعين تدرك الأجسام والألوان، والأذن تدرك الأصوات، واليد تدرك الملمس.
لكن الله سبحانه ليس جسمًا حتى تدركه الحواس.
فكيف «تتلقاه الأذهان»؟
أي أن العقل يستطيع أن يستدل على وجود الله وصفاته، ويدرك أنه الخالق، وأنه حيّ وقادر وعالم وحكيم، من خلال آياته وآثاره، لا أن العقل يحيط بذات الله ويستوعب حقيقتها.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
نعرف الله، لكن لا نحيط بذاته.
نحن نعرف الشمس ونرى آثارها، لكن هذا لا يعني أننا أحطنا بكل حقيقتها. فكيف بالخالق سبحانه؟
قال تعالى:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.
٥. «وتشهد له المرائي لا بمحاضرة»
المرائي جمع مَرأى، أي الأشياء التي تراها العين والمشاهد الموجودة في الكون.
كل ما تراه حولك يمكن أن يكون شاهدًا على خالقه:
السماء، انتظام الليل والنهار، خلق الإنسان، دقة الجسد، النبات، اختلاف المخلوقات، نظام الكون...
لكن هذه الأشياء لا تشهد لله لأن الله تعالى حاضر أمامنا كجسم فنراه ونعاينه.
بل تشهد له بآثار صنعه وإتقان خلقه.
كأنك تدخل بيتًا مرتبًا بإتقان، ولا ترى صاحبه، لكنك تقول فورًا: لا يمكن أن يكون هذا الترتيب بلا من رتّبه.
فالكون نفسه يقول لك بلسان حاله:
له خالق حكيم.
الله واحد، لكن ليست وحدانيته كالأشياء.
دائم، لكن ليس دوامُه كدوام المخلوقات.
قائم بذاته، وليس محتاجًا إلى سند.
يُعرف بالعقل والاستدلال، لا بالحواس.
وتدل عليه آيات الكون وآثار قدرته، لا لأن العين تراه.
وهذا الكلام يربي الإنسان على شيء مهم جدًا:
أن يعرف الله من غير أن يشبّهه بخلقه.
فكلما رأيت شيئًا في الدنيا، تذكّر:
هذا الشيء محتاج، والله غني.
هذا الشيء متغير، والله لا يعتريه تغير المخلوقين.
هذا الشيء له بداية، والله أزلي.
هذا الشيء يحتاج من يحفظه، والله هو الذي يحفظ كل شيء.
ولهذا كلما ازداد الإنسان معرفةً بالله، ازداد شعوره بحقيقة عظيمة:
أنا لا أملك وجودي استقلالًا، ولا رزقي، ولا بقائي، ولا قدرتي؛ أنا قائم بالله، وكل ما حولي قائم بتدبيره.
