الحراك الثوري للشيعة بعد واقعة الطف المباركة
كتب : كاظم نصار
في : 2026/09/14 لم يستكن العلويون ومعهم شيعتهم بعد استشهاد الإمام الحسين، عليه السلام، بل ظلت جذوة الرفض والاحتجاج والثورة متقدة في مواجهة الدولتين الأموية والعباسية.
وكان للإمام علي بن الحسين السجاد، عليه السلام، عدد من الأبناء الذين برزوا في ميادين العلم والفكر والعمل السياسي، وفي مقدمتهم الإمام محمد الباقر، عليه السلام، العالم والفقيه الذي عاصر الدولة الأموية، وزيد بن علي الذي قاد ثورته المعروفة في الكوفة، ثم واصل ابنه يحيى طريقه الثوري.
وقد تركت ثورة زيد أثرًا عميقًا في الحركات العلوية اللاحقة، وأسهمت مبادئها في نشوء التيار الزيدي وقيام دول حملت فكره، أبرزها الإمامة الزيدية في اليمن، التي بدأ تأسيسها أواخر القرن الثالث الهجري، واستمر حضورها السياسي، مع فترات انقطاع وتعدد، حتى عام 1962م. المركز الوطني للمعلومات في اليمن.
موقف الإمام الصادق من عرض الخلافة
كان عمر الأشرف بن الإمام زين العابدين، عليه السلام، من الشخصيات العلوية البارزة. وتذكر رواية نقلها المسعودي أن أبا سلمة الخلّال، أحد أبرز رجال الدعوة العباسية، وجّه كتبًا إلى ثلاثة من أعلام البيت العلوي عند أفول الدولة الأموية، وهم: الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، وعبد الله المحض بن الحسن المثنى، وعمر الأشرف.
وتفيد الرواية بأن الإمام الصادق، عليه السلام، رفض العرض ولم يثق بالقائمين على الدعوة؛ لإدراكه أن الحركة الجارية كانت تتجه نحو إقامة الحكم العباسي، لا تسليم الخلافة إلى العلويين.
وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن الدولة العباسية، بعد استقرار حكمها، شرعت في ملاحقة كثير من أبناء الإمام علي، عليه السلام، وسجنهم وقتلهم. الرواية المنقولة عن المسعودي.
أحفاد عمر الأشرف ودولة طبرستان
حضر عمر الأشرف في التاريخ السياسي والفكري من خلال عدد من أحفاده، ومن أبرزهم الحسن بن علي الأطروش، المعروف بالناصر للحق أو الناصر الكبير، وهو من ذرية عمر الأشرف.
نجح الأطروش في إعادة الحكم العلوي إلى طبرستان والديلم مطلع القرن الرابع الهجري، بعد أن كان قد تعرض للانحسار. وكان حاكمًا وفقيهًا وداعية، وصنّف عددًا من الكتب في الإمامة والفقه، كما نشط في الدعوة بين سكان الديلم وطبرستان، ودخل عدد كبير منهم في الإسلام على يديه.
وقد أسهم انتشار الإسلام والتشيع في تلك المناطق في تهيئة بيئة سياسية واجتماعية ظهرت فيها لاحقًا قوى ديلمية، من أبرزها الدولة البويهية التي دخلت بغداد سنة 334هـ، وفرضت نفوذها على الخلافة العباسية. ولا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن مؤسسي الدولة البويهية كانوا من جنود الأطروش مباشرة، ولذلك فالأدق الحديث عن تأثير البيئة الديلمية التي نشط فيها، لا عن علاقة عسكرية مباشرة. ترجمة الناصر الأطروش.
ثورة محمد بن القاسم في الطالقان
برز من ذرية عمر الأشرف أيضًا محمد بن القاسم العلوي، الذي قاد ثورة في منطقة الطالقان بخراسان، رافعًا شعار «الرضا من آل محمد»، وهو الشعار الذي استخدمه العباسيون في دعوتهم قبل استيلائهم على الحكم، ثم تنكروا لمضمونه بعد قيام دولتهم.
واجهت ثورة محمد بن القاسم صعوبات عسكرية وسياسية، وانتهت بأسره وتسليمه إلى الخليفة المعتصم العباسي سنة 219هـ، فأمر بسجنه في سامراء. لكنه استطاع الهرب من السجن يوم عيد، ثم اختفى عن أنظار السلطة.
واختلفت الروايات في مصيره؛ فذهبت جماعة من الجارودية إلى الاعتقاد بأنه لم يمت وأنه سيظهر، بينما ذكرت روايات أخرى أنه توفي في واسط، أو ظل متخفيًا إلى عهد المتوكل، ثم أُعيد إلى السجن وتوفي فيه. ترجمة محمد بن القاسم العلوي.
الفاطميون والنسب المختلف فيه
امتد الحضور السياسي للتيارات الشيعية إلى شمال أفريقيا ومصر من خلال الدولة الفاطمية، التي أسسها عبيد الله المهدي في إفريقية عام 909م.
وقد نسب الفاطميون أنفسهم إلى السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، عن طريق إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، إلا أن صحة هذا النسب كانت موضع خلاف حاد بين المؤرخين والنسّابين قديمًا وحديثًا؛ ولذلك ينبغي عرضه بوصفه نسبًا تبنّته الدولة الفاطمية، لا حقيقة متفقًا عليها.
واستمرت الدولة الفاطمية أكثر من قرنين، من عام 909م حتى عام 1171م. أما مدينة القاهرة، فلم يؤسسها عبيد الله المهدي؛ بل أنشأها القائد جوهر الصقلي عام 969م، في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، بعد دخول الفاطميين إلى مصر، ثم أصبحت عاصمة دولتهم. معهد الدراسات الإسماعيلية.
الثقل الثوري في ذرية الإمام الحسن
وأرى، بوصفي متابعًا، أن جانبًا كبيرًا من الثقل الثوري والسياسي تركز في ذرية الإمام الحسن، عليه السلام، التي تميزت حركاتها بتعدد الوسائل والمرونة في التعامل مع البيئات السياسية المختلفة.
وقد تولى الأشراف، ومن بينهم أسر حسنية، حكم مكة والحجاز ضمن إمارات وسلالات متعاقبة استمر حضورها قرونًا طويلة. كما انتشرت عائلات علوية في حضرموت ومناطق أخرى، وتكيفت اجتماعيًا وفقهيًا مع البيئات التي عاشت فيها، حفاظًا على وجودها وتأثيرها.
أما القول إن تبني بعض هذه الأسر للمذهب الشافعي كان من باب التقية، فلا يمكن تعميمه من دون وثائق خاصة بكل أسرة ومرحلة؛ إذ قد يكون الانتماء المذهبي حقيقيًا، أو ناتجًا من تطور تاريخي واجتماعي، وليس بالضرورة غطاءً سياسيًا.
عبد الله المحض وأبناؤه الثائرون
كان للحسن المثنى، الناجي من واقعة كربلاء، ولد يُدعى عبد الله المحض، ويُعرف أيضًا بعبد الله الكامل. وأمه فاطمة بنت الإمام الحسين، عليه السلام، ولذلك اجتمع فيه النسبان الحسني والحسيني.
كان عبد الله المحض شيخًا جليلًا وصاحب مكانة كبيرة بين العلويين. وقد سجنه الخليفة أبو جعفر المنصور مع عدد من إخوته وأقاربه في سجن الهاشمية، حيث توفي أو قُتل عدد منهم في ظروف شديدة القسوة.
وبرز من أبناء عبد الله المحض رجال كان لهم أثر كبير في الحراك العلوي، وفي مقدمتهم محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم. وقد قادا حركتين متقاربتين زمنيًا ضد الدولة العباسية؛ إذ أعلن محمد ثورته في المدينة المنورة سنة 145هـ، بينما قاد إبراهيم حركته في البصرة والعراق.
حققت الثورتان تقدمًا في بدايتهما، لكنهما انتهتا بمقتل محمد وإبراهيم. وعُرف إبراهيم في المصادر بـ«قتيل باخمرى»، نسبة إلى موضع المعركة التي قُتل فيها بالقرب من الكوفة. وتوجد في العراق مزارات متعددة منسوبة إليه، غير أن تحديد موضع قبره يحتاج إلى تحقيق تاريخي مستقل.
واقعة فخ والسليمانيون
كانت واقعة فخ، التي حدثت قرب مكة سنة 169هـ، من أشد الوقائع إيلامًا في تاريخ العلويين بعد كربلاء. وقد قادها الحسين بن علي بن الحسن المثلث، وقُتل فيها عدد كبير من العلويين.
وتختلف المصادر في مصير سليمان بن عبد الله المحض؛ فبعضها يذكر أنه قُتل في واقعة فخ، بينما تذكر روايات أخرى أنه نجا منها. أما الثابت في كتب الأنساب والتاريخ المغاربي، فهو ارتباط السليمانيين في منطقة تلمسان بمحمد بن سليمان بن عبد الله المحض، الذي قامت لذريته إمارات في المغرب الأوسط. دراسة أكاديمية عن إمارة السليمانيين.
كما نجا من واقعة فخ يحيى وإدريس، ابنا عبد الله المحض، وكان لكل واحد منهما مسار سياسي مستقل في مواجهة العباسيين.
يحيى بن عبد الله ومحنة السجن
توجه يحيى بن عبد الله بعد واقعة فخ إلى بلاد الديلم، فالتف حوله عدد من الأنصار، وأصبحت حركته مصدر قلق للخليفة هارون الرشيد.
وبعد مفاوضات قادها الفضل بن يحيى البرمكي ومنح يحيى وثيقة أمان، سلّم نفسه إلى السلطة العباسية. لكن الرشيد نقض الأمان وأمر بسجنه.
وتختلف الروايات في نهايته؛ فقيل إنه توفي في السجن، وقيل إنه قُتل بأمر الرشيد. كما ارتبطت قضيته بالتوتر بين الخليفة والبرامكة، إلا أن جعلها السبب الوحيد في نكبتهم لا يستقيم تاريخيًا؛ لأن سقوطهم ارتبط بعوامل سياسية وإدارية وشخصية متعددة. الموسوعة العربية.
إدريس الأول وتأسيس دولة الأدارسة
أما إدريس بن عبد الله، فقد فرّ بعد واقعة فخ، ومرّ بمصر ثم اتجه عبر شمال أفريقيا حتى وصل إلى مدينة وليلي في المغرب، برفقة مولاه راشد.
نجح إدريس في تأسيس الدولة الإدريسية أواخر القرن الثاني الهجري، وتولى الحكم بعده ابنه إدريس الثاني، ثم أبناؤه وأحفاده. واستمر الوجود الإدريسي، مع الانقسامات والصراعات، قرابة قرنين.
وكان من أبرز حكام الأدارسة إدريس الثاني ومحمد بن إدريس وعلي بن محمد، الملقب بحيدرة. ولا تزال مراقد وآثار منسوبة إلى الأسرة الإدريسية قائمة في فاس ومولاي إدريس زرهون وغيرها.
وقد أصبحت فاس في العهد الإدريسي مركزًا سياسيًا وعلميًا مهمًا، واستقبلت جماعات من المهاجرين والوافدين من الأندلس والقيروان ومناطق أخرى.
وتنسب الرواية التاريخية الأشهر تدبير اغتيال إدريس الأول بالسم إلى الخليفة هارون الرشيد، لا إلى أبي جعفر المنصور؛ لأن المنصور توفي سنة 158هـ، قبل قيام دولة الأدارسة. وتذكر الرواية أن سليمان الشماخ تقرب من إدريس ثم دسّ له السم. رواية «الاستقصا» عن اغتيال إدريس الأول.
ثورات شيعية خارج القيادة العلوية
لم يقتصر الحراك المناهض للدولة العباسية على الثورات التي قادها رموز علويون، بل شهدت مناطق مختلفة احتجاجات وحركات شارك فيها الشيعة من دون وجود شخصية علوية في قيادتها.
أما الحديث عن «ثورة القميين» فيحتاج إلى تحديد المقصود؛ لأن مدينة قم شهدت أكثر من تمرد وامتناع عن دفع الخراج خلال العصر العباسي، ولم تكن تلك الأحداث كلها ثورة واحدة ذات قيادة ومرحلة زمنية موحدة.
وهكذا، لم تكن واقعة الطف نهاية الحراك العلوي والشيعي، بل تحولت إلى مصدر دائم للذاكرة السياسية والعقائدية، وأسهمت في تغذية حركات الرفض والثورة وبناء الكيانات السياسية في الحجاز واليمن وطبرستان والديلم وبلاد المغرب.
❖ كتابات في الميزان ❖
يتتبع المقال امتداد الحراك العلوي والشيعي بعد واقعة الطف، موضحًا كيف تحولت ذكرى كربلاء إلى طاقة سياسية وفكرية واجهت الدولتين الأموية والعباسية. ويتميز باتساع رقعته التاريخية، إذ ينتقل بين الكوفة وخراسان وطبرستان واليمن والحجاز والمغرب، رابطًا بين الثورات العلوية وقيام عدد من الدول المستقلة. ويكشف هذا المسار أن المعارضة العلوية لم تعتمد نمطًا واحدًا، بل تنوعت بين الثورة المسلحة والدعوة الدينية وبناء الكيانات السياسية.
كتب : كاظم نصار
في : 2026/09/14 لم يستكن العلويون ومعهم شيعتهم بعد استشهاد الإمام الحسين، عليه السلام، بل ظلت جذوة الرفض والاحتجاج والثورة متقدة في مواجهة الدولتين الأموية والعباسية.
وكان للإمام علي بن الحسين السجاد، عليه السلام، عدد من الأبناء الذين برزوا في ميادين العلم والفكر والعمل السياسي، وفي مقدمتهم الإمام محمد الباقر، عليه السلام، العالم والفقيه الذي عاصر الدولة الأموية، وزيد بن علي الذي قاد ثورته المعروفة في الكوفة، ثم واصل ابنه يحيى طريقه الثوري.
وقد تركت ثورة زيد أثرًا عميقًا في الحركات العلوية اللاحقة، وأسهمت مبادئها في نشوء التيار الزيدي وقيام دول حملت فكره، أبرزها الإمامة الزيدية في اليمن، التي بدأ تأسيسها أواخر القرن الثالث الهجري، واستمر حضورها السياسي، مع فترات انقطاع وتعدد، حتى عام 1962م. المركز الوطني للمعلومات في اليمن.
موقف الإمام الصادق من عرض الخلافة
كان عمر الأشرف بن الإمام زين العابدين، عليه السلام، من الشخصيات العلوية البارزة. وتذكر رواية نقلها المسعودي أن أبا سلمة الخلّال، أحد أبرز رجال الدعوة العباسية، وجّه كتبًا إلى ثلاثة من أعلام البيت العلوي عند أفول الدولة الأموية، وهم: الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، وعبد الله المحض بن الحسن المثنى، وعمر الأشرف.
وتفيد الرواية بأن الإمام الصادق، عليه السلام، رفض العرض ولم يثق بالقائمين على الدعوة؛ لإدراكه أن الحركة الجارية كانت تتجه نحو إقامة الحكم العباسي، لا تسليم الخلافة إلى العلويين.
وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن الدولة العباسية، بعد استقرار حكمها، شرعت في ملاحقة كثير من أبناء الإمام علي، عليه السلام، وسجنهم وقتلهم. الرواية المنقولة عن المسعودي.
أحفاد عمر الأشرف ودولة طبرستان
حضر عمر الأشرف في التاريخ السياسي والفكري من خلال عدد من أحفاده، ومن أبرزهم الحسن بن علي الأطروش، المعروف بالناصر للحق أو الناصر الكبير، وهو من ذرية عمر الأشرف.
نجح الأطروش في إعادة الحكم العلوي إلى طبرستان والديلم مطلع القرن الرابع الهجري، بعد أن كان قد تعرض للانحسار. وكان حاكمًا وفقيهًا وداعية، وصنّف عددًا من الكتب في الإمامة والفقه، كما نشط في الدعوة بين سكان الديلم وطبرستان، ودخل عدد كبير منهم في الإسلام على يديه.
وقد أسهم انتشار الإسلام والتشيع في تلك المناطق في تهيئة بيئة سياسية واجتماعية ظهرت فيها لاحقًا قوى ديلمية، من أبرزها الدولة البويهية التي دخلت بغداد سنة 334هـ، وفرضت نفوذها على الخلافة العباسية. ولا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن مؤسسي الدولة البويهية كانوا من جنود الأطروش مباشرة، ولذلك فالأدق الحديث عن تأثير البيئة الديلمية التي نشط فيها، لا عن علاقة عسكرية مباشرة. ترجمة الناصر الأطروش.
ثورة محمد بن القاسم في الطالقان
برز من ذرية عمر الأشرف أيضًا محمد بن القاسم العلوي، الذي قاد ثورة في منطقة الطالقان بخراسان، رافعًا شعار «الرضا من آل محمد»، وهو الشعار الذي استخدمه العباسيون في دعوتهم قبل استيلائهم على الحكم، ثم تنكروا لمضمونه بعد قيام دولتهم.
واجهت ثورة محمد بن القاسم صعوبات عسكرية وسياسية، وانتهت بأسره وتسليمه إلى الخليفة المعتصم العباسي سنة 219هـ، فأمر بسجنه في سامراء. لكنه استطاع الهرب من السجن يوم عيد، ثم اختفى عن أنظار السلطة.
واختلفت الروايات في مصيره؛ فذهبت جماعة من الجارودية إلى الاعتقاد بأنه لم يمت وأنه سيظهر، بينما ذكرت روايات أخرى أنه توفي في واسط، أو ظل متخفيًا إلى عهد المتوكل، ثم أُعيد إلى السجن وتوفي فيه. ترجمة محمد بن القاسم العلوي.
الفاطميون والنسب المختلف فيه
امتد الحضور السياسي للتيارات الشيعية إلى شمال أفريقيا ومصر من خلال الدولة الفاطمية، التي أسسها عبيد الله المهدي في إفريقية عام 909م.
وقد نسب الفاطميون أنفسهم إلى السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، عن طريق إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، إلا أن صحة هذا النسب كانت موضع خلاف حاد بين المؤرخين والنسّابين قديمًا وحديثًا؛ ولذلك ينبغي عرضه بوصفه نسبًا تبنّته الدولة الفاطمية، لا حقيقة متفقًا عليها.
واستمرت الدولة الفاطمية أكثر من قرنين، من عام 909م حتى عام 1171م. أما مدينة القاهرة، فلم يؤسسها عبيد الله المهدي؛ بل أنشأها القائد جوهر الصقلي عام 969م، في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، بعد دخول الفاطميين إلى مصر، ثم أصبحت عاصمة دولتهم. معهد الدراسات الإسماعيلية.
الثقل الثوري في ذرية الإمام الحسن
وأرى، بوصفي متابعًا، أن جانبًا كبيرًا من الثقل الثوري والسياسي تركز في ذرية الإمام الحسن، عليه السلام، التي تميزت حركاتها بتعدد الوسائل والمرونة في التعامل مع البيئات السياسية المختلفة.
وقد تولى الأشراف، ومن بينهم أسر حسنية، حكم مكة والحجاز ضمن إمارات وسلالات متعاقبة استمر حضورها قرونًا طويلة. كما انتشرت عائلات علوية في حضرموت ومناطق أخرى، وتكيفت اجتماعيًا وفقهيًا مع البيئات التي عاشت فيها، حفاظًا على وجودها وتأثيرها.
أما القول إن تبني بعض هذه الأسر للمذهب الشافعي كان من باب التقية، فلا يمكن تعميمه من دون وثائق خاصة بكل أسرة ومرحلة؛ إذ قد يكون الانتماء المذهبي حقيقيًا، أو ناتجًا من تطور تاريخي واجتماعي، وليس بالضرورة غطاءً سياسيًا.
عبد الله المحض وأبناؤه الثائرون
كان للحسن المثنى، الناجي من واقعة كربلاء، ولد يُدعى عبد الله المحض، ويُعرف أيضًا بعبد الله الكامل. وأمه فاطمة بنت الإمام الحسين، عليه السلام، ولذلك اجتمع فيه النسبان الحسني والحسيني.
كان عبد الله المحض شيخًا جليلًا وصاحب مكانة كبيرة بين العلويين. وقد سجنه الخليفة أبو جعفر المنصور مع عدد من إخوته وأقاربه في سجن الهاشمية، حيث توفي أو قُتل عدد منهم في ظروف شديدة القسوة.
وبرز من أبناء عبد الله المحض رجال كان لهم أثر كبير في الحراك العلوي، وفي مقدمتهم محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم. وقد قادا حركتين متقاربتين زمنيًا ضد الدولة العباسية؛ إذ أعلن محمد ثورته في المدينة المنورة سنة 145هـ، بينما قاد إبراهيم حركته في البصرة والعراق.
حققت الثورتان تقدمًا في بدايتهما، لكنهما انتهتا بمقتل محمد وإبراهيم. وعُرف إبراهيم في المصادر بـ«قتيل باخمرى»، نسبة إلى موضع المعركة التي قُتل فيها بالقرب من الكوفة. وتوجد في العراق مزارات متعددة منسوبة إليه، غير أن تحديد موضع قبره يحتاج إلى تحقيق تاريخي مستقل.
واقعة فخ والسليمانيون
كانت واقعة فخ، التي حدثت قرب مكة سنة 169هـ، من أشد الوقائع إيلامًا في تاريخ العلويين بعد كربلاء. وقد قادها الحسين بن علي بن الحسن المثلث، وقُتل فيها عدد كبير من العلويين.
وتختلف المصادر في مصير سليمان بن عبد الله المحض؛ فبعضها يذكر أنه قُتل في واقعة فخ، بينما تذكر روايات أخرى أنه نجا منها. أما الثابت في كتب الأنساب والتاريخ المغاربي، فهو ارتباط السليمانيين في منطقة تلمسان بمحمد بن سليمان بن عبد الله المحض، الذي قامت لذريته إمارات في المغرب الأوسط. دراسة أكاديمية عن إمارة السليمانيين.
كما نجا من واقعة فخ يحيى وإدريس، ابنا عبد الله المحض، وكان لكل واحد منهما مسار سياسي مستقل في مواجهة العباسيين.
يحيى بن عبد الله ومحنة السجن
توجه يحيى بن عبد الله بعد واقعة فخ إلى بلاد الديلم، فالتف حوله عدد من الأنصار، وأصبحت حركته مصدر قلق للخليفة هارون الرشيد.
وبعد مفاوضات قادها الفضل بن يحيى البرمكي ومنح يحيى وثيقة أمان، سلّم نفسه إلى السلطة العباسية. لكن الرشيد نقض الأمان وأمر بسجنه.
وتختلف الروايات في نهايته؛ فقيل إنه توفي في السجن، وقيل إنه قُتل بأمر الرشيد. كما ارتبطت قضيته بالتوتر بين الخليفة والبرامكة، إلا أن جعلها السبب الوحيد في نكبتهم لا يستقيم تاريخيًا؛ لأن سقوطهم ارتبط بعوامل سياسية وإدارية وشخصية متعددة. الموسوعة العربية.
إدريس الأول وتأسيس دولة الأدارسة
أما إدريس بن عبد الله، فقد فرّ بعد واقعة فخ، ومرّ بمصر ثم اتجه عبر شمال أفريقيا حتى وصل إلى مدينة وليلي في المغرب، برفقة مولاه راشد.
نجح إدريس في تأسيس الدولة الإدريسية أواخر القرن الثاني الهجري، وتولى الحكم بعده ابنه إدريس الثاني، ثم أبناؤه وأحفاده. واستمر الوجود الإدريسي، مع الانقسامات والصراعات، قرابة قرنين.
وكان من أبرز حكام الأدارسة إدريس الثاني ومحمد بن إدريس وعلي بن محمد، الملقب بحيدرة. ولا تزال مراقد وآثار منسوبة إلى الأسرة الإدريسية قائمة في فاس ومولاي إدريس زرهون وغيرها.
وقد أصبحت فاس في العهد الإدريسي مركزًا سياسيًا وعلميًا مهمًا، واستقبلت جماعات من المهاجرين والوافدين من الأندلس والقيروان ومناطق أخرى.
وتنسب الرواية التاريخية الأشهر تدبير اغتيال إدريس الأول بالسم إلى الخليفة هارون الرشيد، لا إلى أبي جعفر المنصور؛ لأن المنصور توفي سنة 158هـ، قبل قيام دولة الأدارسة. وتذكر الرواية أن سليمان الشماخ تقرب من إدريس ثم دسّ له السم. رواية «الاستقصا» عن اغتيال إدريس الأول.
ثورات شيعية خارج القيادة العلوية
لم يقتصر الحراك المناهض للدولة العباسية على الثورات التي قادها رموز علويون، بل شهدت مناطق مختلفة احتجاجات وحركات شارك فيها الشيعة من دون وجود شخصية علوية في قيادتها.
أما الحديث عن «ثورة القميين» فيحتاج إلى تحديد المقصود؛ لأن مدينة قم شهدت أكثر من تمرد وامتناع عن دفع الخراج خلال العصر العباسي، ولم تكن تلك الأحداث كلها ثورة واحدة ذات قيادة ومرحلة زمنية موحدة.
وهكذا، لم تكن واقعة الطف نهاية الحراك العلوي والشيعي، بل تحولت إلى مصدر دائم للذاكرة السياسية والعقائدية، وأسهمت في تغذية حركات الرفض والثورة وبناء الكيانات السياسية في الحجاز واليمن وطبرستان والديلم وبلاد المغرب.
❖ كتابات في الميزان ❖
يتتبع المقال امتداد الحراك العلوي والشيعي بعد واقعة الطف، موضحًا كيف تحولت ذكرى كربلاء إلى طاقة سياسية وفكرية واجهت الدولتين الأموية والعباسية. ويتميز باتساع رقعته التاريخية، إذ ينتقل بين الكوفة وخراسان وطبرستان واليمن والحجاز والمغرب، رابطًا بين الثورات العلوية وقيام عدد من الدول المستقلة. ويكشف هذا المسار أن المعارضة العلوية لم تعتمد نمطًا واحدًا، بل تنوعت بين الثورة المسلحة والدعوة الدينية وبناء الكيانات السياسية.
