البراديغم المهدوي: من العقيدة إلى المشروع الحضاري

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي حسين الخباز
    مشرف الساحة الادبية

    • 20-09-2010
    • 9277

    #1

    البراديغم المهدوي: من العقيدة إلى المشروع الحضاري

    البراديغم المهدوي: من العقيدة إلى المشروع الحضاري

    كتب : صالح حميد الحسناوي
    في : 2026/09/14 يمثّل «البراديغم المهدوي» إطارًا معرفيًا وفلسفيًا ينظر إلى القضية المهدوية في الفكر الإسلامي، لا بوصفها مجرد حدث غيبي سيقع في المستقبل، بل باعتبارها منظومة فكرية متكاملة وآلية لقراءة حركة التاريخ، ومشروعًا يستهدف بلوغ الإنسانية ذروة العدل والكمال.

    وقبل الدخول في عمق المصطلح، ينبغي إدراك حقيقة مهمة، وهي أن الدراسات المهدوية القائمة على الموضوعية ومنهج البحث العلمي، بما يتصل بها من تراث ضخم وإضافات علمية متواصلة، لا تضيف شيئًا إلى أصل العقيدة المهدوية، بل تسهم في تطوير فهمنا لهذه العقيدة واستيعاب مفاهيمها وأبعادها الحضارية.

    فالتطور الذي يتابعه العلماء والباحثون يتعلق بقدرة العقل الإنساني على إدراك مضامين العقيدة المهدوية وتفسير حضورها في التاريخ والمجتمع والمستقبل.

    مفهوم البراديغم المهدوي

    يستخدم الباحث عبد العالي العبدوني مصطلح «البراديغم المهدوي» في بحثه المعنون: «محك البراديغم المهدوي: قراءة في فلسفة الثورة الإسلامية»، للإشارة إلى بُعدين متكاملين: بُعد نظري يجعل المهدوية جهازًا معرفيًا، وبُعد حركي ينظر إليها بوصفها حركة نهائية للتاريخ تتجه نحو تحقيق العدل والاكتمال الإنساني.

    ولتبسيط هذا المفهوم، يمكن القول إن «البراديغم» يعني النموذج الفكري أو الإدراكي، أو الإطار النظري الذي تنتظم داخله مجموعة من المفاهيم والتفسيرات والمبادئ. وبذلك يصبح «البراديغم المهدوي» إطارًا لفهم التاريخ والإنسان والمجتمع من منظور الوعد الإلهي بالعدل وظهور الإمام المهدي، عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

    ولا يُعد هذا المصطلح من الألفاظ الواردة في الروايات أو التراث الإسلامي القديم، بل هو مصطلح حديث مستعار من فلسفة العلوم والدراسات الإنسانية، ويُستخدم اليوم لتقديم قراءة معاصرة لمفاهيم العقيدة المهدوية.

    الوجود والانتظار والظهور

    تقوم الثقافة المهدوية عند الإمامية الاثني عشرية على الإيمان بوجود الإمام المهدي، عجّل الله فرجه الشريف، وغيبته، وانتظار ظهوره.

    والانتظار، في هذا السياق، لا يعني انتظار شخص غير موجود، بل انتظار ظهور الإمام الموجود والغائب عن الأنظار وفق المعتقد الإمامي. ومن هنا تبرز أهمية قراءة دور المؤمن في مرحلة الغيبة الكبرى.

    ولا ينبغي أن يتحول الانتظار إلى حالة من السكون أو الانعزال عن المجتمع؛ فالانتظار في الفهم الإيجابي يرتبط بالنصرة والاستعداد والإصلاح. ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحقق قدرًا من الاستعداد العقائدي والأخلاقي والاجتماعي، ليكون جزءًا من المشروع الذي يمهّد للعدل الموعود.

    وهكذا تتحول العقيدة المهدوية إلى آلية معرفية وأخلاقية لتحريك الإنسان نحو الإصلاح وإقامة العدل ومواجهة الظلم، بدل أن تكون مجرد فكرة عن حدث بعيد ينتظر وقوعه.

    المهدوية وقراءة الصراع

    ينظر أنصار الفكر المهدوي إلى الصراعات العالمية بوصفها جزءًا من حركة التاريخ التي ستفضي، في نهاية المطاف، إلى ظهور الإمام المهدي وإقامة دولة العدل.

    لكن الربط بين كل صراع سياسي معاصر وعلامات الظهور يحتاج إلى قدر كبير من الحذر؛ لأن الروايات لا تمنح الباحث حق تطبيقها بصورة قطعية على الحوادث والأشخاص والدول، كما أن التسرع في المطابقة قد يؤدي إلى أخطاء معرفية وعقدية.

    إن عالمية المشروع المهدوي لا تعني أنه مشروع سياسي شرقي أو غربي، بل إنه، وفق الرؤية الدينية، مشروع يتجاوز الاصطفافات الجغرافية والمصالح القومية الضيقة، ويجعل العدالة الإنسانية غايته الأساسية.

    فلسفة الغيبة وحتمية الظهور

    يناقش الدكتور إدريس هاني في كتابه «المهدي المنتظر: فلسفة الغيبة وحتمية الظهور» الأبعاد الفكرية والفلسفية للغيبة والظهور، وضرورة الانتقال في دراسة القضية المهدوية من مجرد جمع الروايات إلى تحليل دلالاتها في التاريخ والاجتماع الإنساني.

    ومن القضايا المهمة التي يثيرها الكتاب أن عمليات التزييف لا تقتصر على قراءة الماضي، بل قد تمتد إلى صناعة تصورات مزيفة عن المستقبل. فهناك من ينكر أصل المهدوية، وهناك من يحاول توظيفها لخدمة مشروع سياسي، وهناك من يحمّل النصوص ما لا تحتمل، فضلًا عن ظهور أشخاص وحركات يدّعون المهدوية أو النيابة عن الإمام.

    والتدخل الفكري القائم على البحث والتحقيق قد يسهم في توضيح الحقيقة، أما التوظيف السياسي المتعسف، وتحريف النصوص، وصناعة الادعاءات الكاذبة، فإنها تؤدي إلى تشويه مقاصد العقيدة المهدوية وإرباك وعي المجتمع.

    وقد واجهت القضية المهدوية، عبر التاريخ، تيارات متعددة من الإنكار والتحريف والادعاء، إلا أن استمرار حضورها في وجدان المسلمين يكشف عن عمق جذورها في الموروث الإسلامي.

    المهدوية واستمرارية الأمل الديني

    تمنح قضية الإمام المهدي الدين بُعدًا مستقبليًا، وتؤكد أن التاريخ لا ينتهي بانتصار الظلم، بل يتجه نحو غاية يكون فيها العدل هو المبدأ الحاكم.

    ومن محاولات الحصار الفكري اختزال المهدوية في حدود مدرسة واحدة، مع أن أصل الإيمان بظهور المهدي حاضر لدى مذاهب إسلامية متعددة، وإن اختلفت في تفاصيل ولادته وهويته وغيبته وظهوره.

    كما أن فكرة المخلّص أو المنقذ الموعود حاضرة، بصور ومضامين مختلفة، في عدد من الأديان والثقافات الإنسانية. لكن هذا الاشتراك العام لا يعني تطابق العقائد أو أن جميع الأديان تتبنى مفهوم «المهدي» بالتفاصيل الإسلامية نفسها.

    ابن طاووس وكتاب «الملاحم والفتن»

    يمكن قراءة جانب من التراث المهدوي في كتاب السيد رضي الدين علي بن موسى ابن طاووس، المعنون «التشريف بالمنن في التعريف بالفتن»، والمشهور باسم «الملاحم والفتن».

    اعتمد ابن طاووس في جانب كبير من كتابه على روايات نقلها من مصادر غير إمامية، ولا سيما ثلاثة كتب في الفتن:

    «الفتن» لنعيم بن حماد المروزي، المتوفى سنة 228هـ.
    «الفتن» لأبي صالح السليلي بن أحمد بن عيسى.
    «الفتن» لأبي يحيى زكريا بن يحيى بن الحارث البزّاز النيسابوري، المتوفى سنة 298هـ.

    وقد صرّح ابن طاووس بأنه ناقل لهذه الأخبار، ولم يلتزم تصحيح جميع ما أورده، بل حمّل رواتها مسؤولية ما يخالف الحق والثوابت التي يعتمدها.

    ولهذا لا يصح التعامل مع جميع الروايات التي أوردها في الكتاب بوصفها معتقدات قطعية عند الإمامية الاثني عشرية؛ إذ تحتاج كل رواية إلى دراسة سندها ومتنها ومصدرها ومدى انسجامها مع الأصول العقدية الثابتة. نص كتاب «الملاحم والفتن»، بيان مصادره الثلاثة.

    تطور الدراسات المهدوية المعاصرة

    يرى الكاتب مجتبى السادة، في عدد من كتاباته المنشورة لدى مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي، أن الدراسات المهدوية مرت بمراحل تاريخية متعددة.

    وقد غلب على بعض مراحلها الانشغال بالسجالات والمجادلات الفكرية، إلى جانب الاعتماد على النقل وإعادة صياغة المرويات، مما أدى في بعض الفترات إلى شيء من الركود والانكماش المعرفي.

    أما اليوم، فقد أسهم نشاط العتبات المقدسة والمراكز البحثية والمؤتمرات والمهرجانات الثقافية في صناعة حراك فكري جديد، مستفيدًا من مساحة الحرية المتاحة ومن ثراء التراث المهدوي.

    ولم تعد الدراسات تقتصر على الرد على الشبهات، بل اتجهت إلى بحث الأبعاد الاجتماعية والفلسفية والحضارية والتربوية والإعلامية للعقيدة المهدوية، فضلًا عن إصدار الكتب والمجلات والنشرات العلمية المتخصصة.

    وقد كان للفعاليات الثقافية، ومنها مهرجان ربيع الشهادة العالمي وغيره من مهرجانات العتبات المقدسة، دور في تنشيط البحث المتعلق بالإمام المهدي، عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وبقضايا النهضة والانتظار والإصلاح.

    الإعلام المهدوي وبناء الوعي

    يمثل الإعلام المهدوي طرفًا مهمًا في تنمية وعي المجتمع بالفكر الأصيل، ودحض الشبهات والأفكار المنحرفة الموجهة ضد العقيدة المهدوية.

    لكن نجاح هذا الإعلام يتطلب منهجًا علميًا رصينًا، يبتعد عن التوقيت وتطبيق العلامات بصورة متعجلة، ويرفض المبالغات والحكايات غير الموثقة، ويميز بين العقيدة الثابتة والرواية الضعيفة والاجتهاد الشخصي.

    ويتميز المنشور العلمي المتخصص بقدرته على تقديم نموذج إرشادي وإطار فكري يشرح العقيدة المهدوية بلغة معاصرة، من دون إخراجها من أصولها الدينية أو تحويلها إلى أداة للدعاية السياسية.

    من الانتظار إلى المشروع الحضاري

    يرتكز «البراديغم المهدوي» على حتمية ظهور الإمام المهدي، عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وفق المعتقد الإمامي، لكنه لا يتوقف عند الإقرار بهذه الحتمية.

    فالإيمان بالظهور يحوّل الانتظار إلى مشروع حضاري يقوم على التمهيد الأخلاقي والفكري والاجتماعي، وبناء الأمة، وإحياء المؤسسات القادرة على إنتاج المعرفة والأمل ومواجهة الظلم.

    وبهذا المعنى، لا يكون الانتظار هروبًا من الواقع، بل مسؤولية للعمل على إصلاحه، ولا تكون المهدوية مجرد حديث عن المستقبل، بل رؤية تمنح الحاضر قيمته واتجاهه وغايته.

    ❖ كتابات في الميزان ❖

    يسعى المقال إلى نقل القضية المهدوية من دائرة الانتظار الغيبي المجرد إلى فضاء المشروع المعرفي والحضاري، مستعينًا بمفهوم «البراديغم» بوصفه إطارًا لقراءة التاريخ والمستقبل. ويبرز أهمية الانتظار الإيجابي القائم على الإصلاح والاستعداد والنصرة، مع التنبيه إلى مخاطر التزييف السياسي والتطبيق المتعجل لعلامات الظهور. كما يوضح دور المؤسسات البحثية والإعلام المتخصص في تجديد الدراسات المهدوية وربطها بقضايا العدالة وبناء الإنسان.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...