(تأملات في كتاب المصابيح لسماحة السيد أحمد الصافي) (109)

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/09/14 من أهم معاني التوبة أن المعصوم عليه السلام كان يرسلها للناس باعتبارها حالةً من الرقي، ومحاسبة النفس، وإدامة مراقبتها، وهي عملية داخلية أحالها بعض العلماء إلى عناصر الإدارة، وعنصر أساسي في السياسة الداخلية والخارجية.
كتاب المصابيح يدرس لنا مفهوم التوبة عند الإمام السجاد عليه السلام: (ما أحوجنا إلى التوبة) في كل آن، وفي كل ساعة، وفي كل يوم.
وسماحة السيد أحمد الصافي يتجاوز هذه الرؤى العامة إلى رؤى داخلية عميقة، يحدد لنا فيها المساحة الزمنية، وتلك قضية مهمة؛ فأغلب الأدعية التي أطلقها الإمام السجاد عليه السلام كان زمانها بعد واقعة الطف الحسيني المباركة، عندما تقلد مسؤولية الإمامة، ووقعت على عاتقه تربية المجتمع. أغلب العلماء المسلمين يبحثون عن معنى التوبة لغةً ومصطلحاً، أما نحن فنقرأ التوبة في فكر إمام معصوم.
الصحيفة السجادية مجموعة مضامين فكرية، وثقافية، وعقائدية، وأخلاقية، نُشرت بأسلوب الدعاء، فهي مجموعة تعاليم تربوية، ودعاء طلب التوبة هو درس من دروس الوعظ؛ ليشعر الإنسان دائماً بالحاجة إلى الله تعالى.
التوبة مفهوم تربوي يتضمن التواضع والاعتذار، ويتحول إلى قيمة سلوكية، وما أجمل ثقافة الاعتذار. بعض أصحاب الفكر العلماني يعملون على نزع ثوب الدين عن التوبة، باعتبارها سلوكاً علمانياً، وكأنهم يعتقدون أن نشر التوبة يشجع على العزلة. وكل ما عمله العلمانيون هو إرباك المفهوم، باعتباره يبتعد عن الواقعية، ويبعد الإنسان عن واقعيته، ويؤسس للطبقية، وكأن مفهوم التوبة صار عندهم يخص رجال الدين والوعاظ فقط، واعتبروا التوبة مفهوماً يتصل بالموت لا بالحياة.
ومع كل هذا فهم يؤمنون بأن التوبة أكثر مرونة، وأقدر على التحويل الفردي لصالح إرادة المجتمع، ومبعث الاستقامة والاطمئنان الداخلي، ومبعث الصحة النفسية؛ فالتوبة علاج للاختلال النفسي.
نظر سماحة السيد أحمد الصافي إلى جوهر المضمون، فالله سبحانه وتعالى لا يحتاج منا أن نفصح عما بداخلنا؛ لأنه مطلع عليه، والإفصاح يدل على أننا عباد نحب الله سبحانه وتعالى، ونريد منه أن يسددنا، لأنه يحب التوابين، وإن الله تعالى أشد فرحاً بتوبة العبد من العبد نفسه.
يطعن بعض العلمانيين بالشفاعة على أساس أنها تناقض مبدأ العدالة المطلقة، بينما في منهج أهل البيت عليهم السلام تعد الشفاعة جزءاً من نظام الرحمة الإلهية المنسجم مع العقل والعدل. الإمام المعصوم يقول: (وشفع في خطاياي كرمك).
الذنب يخرج الإنسان عن استحقاق الشفاعة. والقضية لا تحتاج إلى لوائح قانونية لتحتكم إليها العلمانية في نهج أُسس على الإيمان بيوم الحساب، الذي ليس فيه إعادة تجربة، فهي مرة واحدة. ولهذا كانت الرحمة، والقرآن، والرسالة، والأنبياء، والأئمة، والعلماء، وأهل الوعظ والإرشاد، ووهبنا العقل.
يبقى الأمر رهيناً بالتوفيق، وإن العمل الأساسي الذي يخرج عملية التوفيق الإلهي عن مسارها هو قبول الباطل، وأكثر هذا الباطل يحمل صلف التمادي، وعدم اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، وطلب الرحمة. فالله يريدنا أن ندعوه دائماً، وأن نأتيه بأحب الأسماء إليه، وأن نتوسل، ولا نستكبر أو ندير ظهورنا ونغفل.
ومهما تمادى الإنسان بعلمانية مريضة تبعده عن الدعاء والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى والتمسك به، فإن دعاء الله تعالى بكل صفة من صفات الدعاء هو عين الدين، وعين الفهم، وعين الفقاهة، وأن لا يتخلى الإنسان عنه، وإنما يدعوه دائماً. فهذا الدعاء يقرب الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، ويبعد عنه الشيطان، ولا بد أن يحتاج إليه الإنسان دائماً.
وتبقى قضية الجزاء في القوانين الوضعية تعتمد على الغاية النفعية، والردع، ومنع الفعل، وحماية حقوق الأفراد، أما الجزاء في منهج أهل البيت عليهم السلام فليس عقاباً مادياً، بل هو وسيلة لتزكية النفس.
حدد الله سبحانه وتعالى حدوداً، وأوجبها علينا، وألزمنا ألا نتعداها، فإذا تعدينا الحدود هلكنا. ويبقى على الإنسان أن يدرك أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.
قراءة عميقة ودقيقة يقدمها سماحة السيد أحمد الصافي لمضمون الدعاء، ففيه رؤية فلسفية ونسق معرفي يرينا كأن الإنسان يتعزز على الله سبحانه وتعالى بمعرفته، فهو يدرك أن أدب العقوبة هلاك، فيطلب من الله سبحانه وتعالى طريقة تهذيب أكثر سلماً وأماناً، ويطلب منه أن ينبهه لحظة الغفلة ويتداركه، فهو لا يتحمل العدل الإلهي، رغم أنه يؤمن به، ولا اعتراض على عدل الله تعالى، لكن العدل الإلهي فوق الاحتمال البشري. والإمام عليه السلام يرجو الله أن يشفع في خطاياه بالكرم، ويعقد على السيئات بالعفو.
: قدرة الباحث تمكنه من الولوج إلى العمق المعنوي للمنجز، وتقريبه إلى المتلقي عبر أفكار ولغة انزياحية في منجز فكري معرفي، مثل الصحيفة السجادية، التي لها تأثيرها في قراءات حول المنجز المبارك، لخلق معرفة محايثة لتكوين مفردات الدعاء، مرتكزاً للقراءة، مثل مفردة الطول.
يقول الإمام السجاد عليه السلام في الدعاء: (وابسط علي طولك)، والطول هو المنة والإحسان والخير، و(جللني بسترك)، والتجليل هو الستر، فإذا انكشف الستر افتضح الإنسان.
ويرى سماحة السيد أحمد الصافي أننا لا يمكن أن نجد في أي حالة من الحالات أكثر من الله تعالى ستراً للعبد، ومن الممكن أن العبد قد يبارز الله تعالى بمعصيته، والله يستره ولا يهتكه. ويرى أن تلك التشخيصات ترتكز على مرجعية فكرية وثقافية لها أثر رسالي معصوم.
وينفتح الإنسان على مساحة من التأمل؛ فمن يذنب من التائبين ويتجاوز حدود الله، فهذا معناه أن الذنب لم يحترم الإنسان نفسه.
ومن أهم الأفكار التي وردت عبر مفردات الدعاء قوله: (وافعل بي فعل عزيز تضرع إليه عبد ذليل فرحمه).
العزيز هو الله سبحانه وتعالى، والعزيز لا يذل أحداً؛ لأنه يعرف معنى العزة، ولله العزة والمنعة، ويطلب الداعي بمقتضى هذه الذلة أمام عزيز أن يرحمه، لا أن يذله، ومصادر هذه الرحمة لا تجد أحداً أوضح مصداقاً لها بعد رحمة الله تعالى من النبي والأئمة عليهم السلام.

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/09/14 من أهم معاني التوبة أن المعصوم عليه السلام كان يرسلها للناس باعتبارها حالةً من الرقي، ومحاسبة النفس، وإدامة مراقبتها، وهي عملية داخلية أحالها بعض العلماء إلى عناصر الإدارة، وعنصر أساسي في السياسة الداخلية والخارجية.
كتاب المصابيح يدرس لنا مفهوم التوبة عند الإمام السجاد عليه السلام: (ما أحوجنا إلى التوبة) في كل آن، وفي كل ساعة، وفي كل يوم.
وسماحة السيد أحمد الصافي يتجاوز هذه الرؤى العامة إلى رؤى داخلية عميقة، يحدد لنا فيها المساحة الزمنية، وتلك قضية مهمة؛ فأغلب الأدعية التي أطلقها الإمام السجاد عليه السلام كان زمانها بعد واقعة الطف الحسيني المباركة، عندما تقلد مسؤولية الإمامة، ووقعت على عاتقه تربية المجتمع. أغلب العلماء المسلمين يبحثون عن معنى التوبة لغةً ومصطلحاً، أما نحن فنقرأ التوبة في فكر إمام معصوم.
الصحيفة السجادية مجموعة مضامين فكرية، وثقافية، وعقائدية، وأخلاقية، نُشرت بأسلوب الدعاء، فهي مجموعة تعاليم تربوية، ودعاء طلب التوبة هو درس من دروس الوعظ؛ ليشعر الإنسان دائماً بالحاجة إلى الله تعالى.
التوبة مفهوم تربوي يتضمن التواضع والاعتذار، ويتحول إلى قيمة سلوكية، وما أجمل ثقافة الاعتذار. بعض أصحاب الفكر العلماني يعملون على نزع ثوب الدين عن التوبة، باعتبارها سلوكاً علمانياً، وكأنهم يعتقدون أن نشر التوبة يشجع على العزلة. وكل ما عمله العلمانيون هو إرباك المفهوم، باعتباره يبتعد عن الواقعية، ويبعد الإنسان عن واقعيته، ويؤسس للطبقية، وكأن مفهوم التوبة صار عندهم يخص رجال الدين والوعاظ فقط، واعتبروا التوبة مفهوماً يتصل بالموت لا بالحياة.
ومع كل هذا فهم يؤمنون بأن التوبة أكثر مرونة، وأقدر على التحويل الفردي لصالح إرادة المجتمع، ومبعث الاستقامة والاطمئنان الداخلي، ومبعث الصحة النفسية؛ فالتوبة علاج للاختلال النفسي.
نظر سماحة السيد أحمد الصافي إلى جوهر المضمون، فالله سبحانه وتعالى لا يحتاج منا أن نفصح عما بداخلنا؛ لأنه مطلع عليه، والإفصاح يدل على أننا عباد نحب الله سبحانه وتعالى، ونريد منه أن يسددنا، لأنه يحب التوابين، وإن الله تعالى أشد فرحاً بتوبة العبد من العبد نفسه.
يطعن بعض العلمانيين بالشفاعة على أساس أنها تناقض مبدأ العدالة المطلقة، بينما في منهج أهل البيت عليهم السلام تعد الشفاعة جزءاً من نظام الرحمة الإلهية المنسجم مع العقل والعدل. الإمام المعصوم يقول: (وشفع في خطاياي كرمك).
الذنب يخرج الإنسان عن استحقاق الشفاعة. والقضية لا تحتاج إلى لوائح قانونية لتحتكم إليها العلمانية في نهج أُسس على الإيمان بيوم الحساب، الذي ليس فيه إعادة تجربة، فهي مرة واحدة. ولهذا كانت الرحمة، والقرآن، والرسالة، والأنبياء، والأئمة، والعلماء، وأهل الوعظ والإرشاد، ووهبنا العقل.
يبقى الأمر رهيناً بالتوفيق، وإن العمل الأساسي الذي يخرج عملية التوفيق الإلهي عن مسارها هو قبول الباطل، وأكثر هذا الباطل يحمل صلف التمادي، وعدم اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، وطلب الرحمة. فالله يريدنا أن ندعوه دائماً، وأن نأتيه بأحب الأسماء إليه، وأن نتوسل، ولا نستكبر أو ندير ظهورنا ونغفل.
ومهما تمادى الإنسان بعلمانية مريضة تبعده عن الدعاء والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى والتمسك به، فإن دعاء الله تعالى بكل صفة من صفات الدعاء هو عين الدين، وعين الفهم، وعين الفقاهة، وأن لا يتخلى الإنسان عنه، وإنما يدعوه دائماً. فهذا الدعاء يقرب الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، ويبعد عنه الشيطان، ولا بد أن يحتاج إليه الإنسان دائماً.
وتبقى قضية الجزاء في القوانين الوضعية تعتمد على الغاية النفعية، والردع، ومنع الفعل، وحماية حقوق الأفراد، أما الجزاء في منهج أهل البيت عليهم السلام فليس عقاباً مادياً، بل هو وسيلة لتزكية النفس.
حدد الله سبحانه وتعالى حدوداً، وأوجبها علينا، وألزمنا ألا نتعداها، فإذا تعدينا الحدود هلكنا. ويبقى على الإنسان أن يدرك أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.
قراءة عميقة ودقيقة يقدمها سماحة السيد أحمد الصافي لمضمون الدعاء، ففيه رؤية فلسفية ونسق معرفي يرينا كأن الإنسان يتعزز على الله سبحانه وتعالى بمعرفته، فهو يدرك أن أدب العقوبة هلاك، فيطلب من الله سبحانه وتعالى طريقة تهذيب أكثر سلماً وأماناً، ويطلب منه أن ينبهه لحظة الغفلة ويتداركه، فهو لا يتحمل العدل الإلهي، رغم أنه يؤمن به، ولا اعتراض على عدل الله تعالى، لكن العدل الإلهي فوق الاحتمال البشري. والإمام عليه السلام يرجو الله أن يشفع في خطاياه بالكرم، ويعقد على السيئات بالعفو.
: قدرة الباحث تمكنه من الولوج إلى العمق المعنوي للمنجز، وتقريبه إلى المتلقي عبر أفكار ولغة انزياحية في منجز فكري معرفي، مثل الصحيفة السجادية، التي لها تأثيرها في قراءات حول المنجز المبارك، لخلق معرفة محايثة لتكوين مفردات الدعاء، مرتكزاً للقراءة، مثل مفردة الطول.
يقول الإمام السجاد عليه السلام في الدعاء: (وابسط علي طولك)، والطول هو المنة والإحسان والخير، و(جللني بسترك)، والتجليل هو الستر، فإذا انكشف الستر افتضح الإنسان.
ويرى سماحة السيد أحمد الصافي أننا لا يمكن أن نجد في أي حالة من الحالات أكثر من الله تعالى ستراً للعبد، ومن الممكن أن العبد قد يبارز الله تعالى بمعصيته، والله يستره ولا يهتكه. ويرى أن تلك التشخيصات ترتكز على مرجعية فكرية وثقافية لها أثر رسالي معصوم.
وينفتح الإنسان على مساحة من التأمل؛ فمن يذنب من التائبين ويتجاوز حدود الله، فهذا معناه أن الذنب لم يحترم الإنسان نفسه.
ومن أهم الأفكار التي وردت عبر مفردات الدعاء قوله: (وافعل بي فعل عزيز تضرع إليه عبد ذليل فرحمه).
العزيز هو الله سبحانه وتعالى، والعزيز لا يذل أحداً؛ لأنه يعرف معنى العزة، ولله العزة والمنعة، ويطلب الداعي بمقتضى هذه الذلة أمام عزيز أن يرحمه، لا أن يذله، ومصادر هذه الرحمة لا تجد أحداً أوضح مصداقاً لها بعد رحمة الله تعالى من النبي والأئمة عليهم السلام.
