مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2887

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا[1].

    بعد ذلك الاستقبال من قبل أقوام ما بين السدين والقائد الكبير ذي القرنين مع الحفاوة التي تصدر عادة بالفطرة الإنسانية، فبادر اسيادهم بالشكوى من يأجوج ومأجوج لأنهم وجدوا بهذا القائد إمكانية تخليصهم منهما، فوافق بشرط تلبية طلبياته بالمواد الأولية لإقامة سد عظيم مانع من تجاوزات وتسلط قومي يأجوج ومأجوج عنهم فبادر بالعمل هو وجنوده ومساعديه فقال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾، باعتبار أن أقوام ما بين السدين يعرفون مواردهم الطبيعية ومكان وجودها، أعطوني قطع الحديد التي هيأتها لكم بالاقتدار الربّاني إذ وهب لي ذلك سبحانه من فضله وأعطاني إياه، والزبرة واحدتها وهي القطعة العظيمة، فقد طلب إليهم أن يأتوه قطعا من الحديد دون تحديد، ثم مضى في العمل ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾، حيث ملأ بينهما من زبر الحديد لحد ساوى بين الصدفين: الجانبين الصلبين من السدين، وهي ركامة حديدية بين الحاجزين فأصبحا كأنهما صدفتان تغلقان ذلك الكوم الممر حيث الركام سامت القمتين، ومن لطيف الصدف تساوي الصدفين كما تدل عليه ﴿سَاوَى﴾، فالصدف هو: منقطع الجبل وجانبه، فقد عمل بين منقطع الجبلين وما زال يردم الحجارة والأتربة وينضّد الزّبر ويركّبها بعضها فوق بعض، ويشيّد ردما يقوم على قطع حديد متراكبة منظّمة يتخلّل صفوفها الفحم.
    وكيف يلحم ليجعله كجبل حديدي بين الجبلين‌؟ هنالك نفخ وقطر يلحّمان زبر الحديد كأقوى تلحيم! ﴿قَالَ انفُخُوا﴾، بالمنافخ التي صنعها لهذه الغاية من أجل إشعال النار وإضرامها في مختلف أجزاء الردم، فنفخوا ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ﴾، المنفوخ ﴿نَارًا﴾، فضمير المفرد (رغم أنه جاء زبر الحديد بصيغة الجمع) يلمح الى حدة الالتحام بينهما لحد الوحدة أو كأنها زبرة واحدة، ومن ثم ﴿نَارًا﴾، أي صيّر الحديد نارا لا نيران، لمحة مليحة الى وحدة نارية بعد وحدة الالتحام وحِدّته، نار واحدة في شدة الحرارة والالتحام.
    وهل يكتفي بذلك، وعلّ بين هذه الوحدة النارية فرجا؟ كلاّ، إنه القطر: النحاس المذاب، يفرغ على هذه النار الزبرة الحديدية فيكتمل أمر السد الردم! ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، أعطوني النحاس الذي أعددته لأفرغه على الحديد الملتهب فيمتزج بعضه ببعض ويتماسك فيصير جسما واحدا.
    وقيل قصد القطر الذي تطلي به الإبل التي يظهر فيها الجرب، طلبه ليريقه على الحديد فيزيد في اشتعال النار ويساعد على التحام الحديد لشدة الحرارة التي يولّدها عند احتراقه.
    نحاسا مذابا يتخلل الحديد النار ويقويه أقوى من خالص الحديد، قطر على حديد ونار على نار. وهذا الخلط كان من الأسباب القوية لتحكيم الردم، وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا في تقوية كلّ من النحاس والحديد فكل بمفرده أضعف من هكذا خلط يجعلهما كالفولاذ! كما وإن ذلك النفخ وزبر الحديد ومذاب النحاس بعيد عن قوم ﴿لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
    [2]، حيث البداءة والسذاجة في أبسط مراحلها جعلت منهم بلها لا يعرفون شيئا، فكيف لهم بإتيان زبر الحديد، والنفخ فيه لحد جعله نارا والنحاس المذاب، فلم يكن لهم شغل في هذه الثلاث الاّ إتيان زبر الحديد ﴿آتُونِي ...﴾، دون استخراجها من معدنها، أو نفخ فيها دون المنفخ ﴿قَالَ انفُخُوا﴾، ثم إيتاء ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، حيث إفراغ القطر من فعله دونهم، وإنما هم عمّال في هذه الثلاث: إيتاء ونفخ وإيتاء، وأما تحصيل زبر الحديد والمنفخ والنحاس وإذابته فكل ذلك مما آتاه اللّٰه من كل شيء سببا! فهناك معدن للحديد دلّهم ذو القرنين على استخراجه، ومنفخ دل على اصطناعه، ومعدن للقطر ثم مذيب، كل ذلك بأسباب خارقة إلهية وهم عمّال يؤمرون لا مصطنعون ومخترعون! وقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((سألته عن قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ ... فجعل ذو القرنين بينهم بابا من نحاس وحديد وزفت وقطران فحال بينهم وبين الخروج))[3].

    [1] سورة الكهف، الآية: 96.
    [2] سورة الكهف، الآية: 93.
    [3] بحار الأنوار، ج 12، ص 178.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...