مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2888

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا[1].

    الآيات، ظاهرة على ما فسّروه أنّ هذه الامّة المفسدة محبوسون فيما وراءه لا مخرج لهم إلى سائر الأرض ما دام معموراً قائماً على ساقه، حتّى أنّ إذا جاء وعد الله سبحانه جعله دكّاء مثلّماً أو منهدماً فخرجوا منه إلى الناس وساروا بالفساد والشرّ.
    فكان عليهم (أي على المفسرين والباحثين والمؤرّخين) على هذا أن يقرّروا للسدّ وصفه هذا، فإن كانت الامّة المذكورة هي التتر وقد ساروا من شمال الصين إلى إيران والعراق والشام والقوقاز إلى آسيا الصغرى، فأين كان هذا السدّ الموصوف في القرآن الذي وطؤه ثمّ طلعوا منه إلى هذه البلاد وجعلوا عاليها سافلها؟ (فإن كان المراد بيأجوج ومأجوج المغول والتتر فإنّ هذا الإشكال باقٍ في محلّه) وإن لم يكن (يأجوج و مأجوج) هي التتر أو غيرها من الامم المهاجمة في طول التأريخ، فأين هذا السدّ المشيّد بالحديد ومن صفته أنه يحبس أمّة كبيرة منذ الوف من السنين من أن تهجم على سائر أقطار الأرض ولا مخرج لهم إلى سائر الدنيا دون السدّ المضروب دونهم، وقد ارتبطت اليوم بقاع الأرض بعضها ببعض بالخطوط البريّة والبحريّة والجوّيّة وليس يحجز حاجز طبيعيّ كجبل أو بحر، أو صناعيّ كسدّ أو سور أو خندق امّة من امّة، فأيّ معن لصد قوم عن الدنيا بسدّ بين جبلين بأيّ وصف وُصف وعلى أي نحو فُرض؟
    ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾، بحذف تاء الاستفعال اشعاراً بنفي القدرة الضّعيفة فضلا عن القويّة ﴿أَن يَظْهَرُوهُ﴾، لملاسته وغاية ارتفاعه، ولعلّهم كانوا كالبهائم لم يتفطّنوا صنعة الدّرج أو جمع التّراب خلف السّدّ بحيث يستوى التّراب مع السّدّ فإنّهم مع كثرتهم لو تفطّنوا به سهل عليهم ذلك وكان الجبلان محيطين بهم من اطرافهم أو منتهيين الى البحر بحيث لا يمكنهم العبور من نواحيهما وكان ارتفاع الجبلين كالسّدّ في الملاسة والارتفاع من غير سفحٍ ولم يعلموا صنعة النّقب أو لا يمكنهم لأنّ ذا القرنين حضر الارض حتّى بلغ الماء فبنى السّدّ ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، لصلابته.
    إنّ الإتقان من الأصول الأخلاقية للعمل، على الرغم من أنّ عمل بعض المسلمين مخالفٌ لهذا الأمر الديني، ولكن ينبغي معرفة أنه في الثقافة الدينية، تم التأكيد كثيرًا على هذا الأمر.
    فإنّ جميع مخلوقات الله تعالى، هي من الأمثلة البارزة على العمل المتقن، كما وضع سبحانه هذا الإتقان على مرأى من عباده، فالآية الكريمة أعلاه، تشير إلى أنّ هذا العبد الصالح قد قام ببناء السد وفقا لطلب بعض الناس، حيث استفاد من قطع الحديد الكبيرة، وحتى يلتحم الحديد أذابه بالنار، ولهذا أصبح عمر السد طويلا، كما ألبسه طبقة من النحاس حتى لا يصدأ.
    نعم بهذه الطريقة، قام ببناء سد قوي جدًا، وعمله هذا يجب أن يكون قدوة للمؤمنين عند العمل.
    وهو من الأمور التي شجع عليها الإسلام، ففي الروايات نجد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): ((إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه))
    [2].
    وأخيراً، أصبح هذا السد بقدر من القوة والإحكام بحيث: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ...
    [3].
    لقد كان عمل ذي القرنين عظيماً ومهماً، وكان له وفقا لمنطق المستكبرين ونهجهم أن يتباهى به أو يمن به، إلا أنه قال بأدب كامل: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ...﴾، لأن أخلاقه كانت أخلاقاً إلهية.
    فأراد أن يقول: إذا كنت أملك العلم والمعرفة وأستطيع بواسطتها أن أخطو خطوات مهمة، فإن كل ذلك إنما كان من قبل الخالق جل وعلا، وإذا كنت أملك قابلية الكلام والحديث المؤثر فذلك أيضاً من الخالق جل وعلا، وإذا كانت مثل هذه الوسائل والأفكار في اختياري فإن ذلك من بركة الله ورحمته الواسعة.
    أراد ذو القرنين أن يقول: إنني لا أملك شيئاً من عندي كي أفتخر به، ولم أعمل عملاً مهماً كي أمُنَّ على عباد الله.


    [1] سورة الكهف، الآية: 97.
    [2] ميزان الحكمة، ج 2، ص 2131.
    [3] سورة الكهف، الآية: 98.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...