الكنجينة (81): نظرية المسرح الحسيني

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/09/17 حين سعت العتبة العباسية المقدسة إلى إقامة المؤتمر الأكاديمي التأسيسي الأول للمسرح الحسيني، كانت تحمل جذوة الفعل المسرحي الحسيني المبدع، مستندةً إلى مرتكزين مهمين:
الأول: احتواء الإرث المبارك لهذه المدينة المقدسة من الأعمال المسرحية الحسينية التي انبثقت منذ بدايات القرن العشرين، إلى جانب التشابيه الحسينية التي تخرّج منها أساتذة كربلائيون كبار من الكتّاب والمخرجين وبناة المسرح الرصين.
والثاني: غدُ المسرح الحسيني الكربلائي ومستقبله، وهو ينمو ويتطور بوجود طاقات مبدعة من خريجي الأكاديميات والمعاهد المسرحية، ومواكب حسينية تبحث عن الخطوة الأسمى لإبقاء الشعلة الحسينية مؤثرةً في الوجدان الإنساني.
وبمجرد رؤيتي للكتاب، استحضرت التشخيص الدقيق لسماحة السيد أحمد الصافي، الذي يرى أن في الشعائر الحسينية زوايا متعددة من الإبداع، منها الثقافي والفني والفكري، وأن المسرح عمومًا يمكنه الإفادة من هذه الشعائر؛ لوجود علاقة بينهما. وأعتقد أن رجال المسرح وأهل الاختصاص عندنا سيقدمون نظريات وأفكارًا تؤسس للمسرح الحسيني، وتوظفه وفق الأطر العلمية التي يعملون عليها لإنتاج مسرح شعائري يحمل السمة الحسينية.
تنتشر الظواهر المسرحية في مختلف ملامح الحياة، بما يرسخ مفهوم الإبداع المؤثر الذي يمثل الهوية الإنسانية والإيمانية، ويجعلنا نقف أمام العديد من المساعي التنظيرية الرامية إلى بلورة المفهوم الأمثل لنظرية المسرح الحسيني.
ويمثل إصدار إعلام العتبة العباسية المقدسة كتاب «نظرية المسرح الحسيني»، للشاعر والكاتب المسرحي رضا كاظم الخفاجي، محاولة جادة لتبنّي نظرية فاعلة. وقد ركز الباحث على ارتباط المسرح بالدين في نشأته الإغريقية الأولى. ويطرح هذا الرأي وجهة مختلفة عن آراء أخرى ترى أن المسرح مصري النشأة، وأن ارتباطه الديني ظهر في مصر قبل الإغريق.
لكن الأهم أن الباحث يرى أن الظاهرة المسرحية في العراق اقترنت بالطقس العاشورائي، في وقت يتحدث فيه بعض النقاد عن وجود تعارض نفسي وذهني بين الثقافة العربية والفن المسرحي. غير أن الإسلام يحمل في تاريخه أبعادًا ملحمية واسعة، وتُعد عاشوراء أرضية مناسبة للفعل المسرحي بما تنطوي عليه من عمق جوهري ومفهوم للصراع يدفع الإنسان إلى الارتقاء بقيمة الرمز الفاعل.
وفي مفهوم الخفاجي، لا بد للمسرح الحسيني من أن ينطلق من معتقد رسالي تسنده الرؤية الإبداعية، مع تهذيب التوظيف وتحديد الغاية والأهداف. فهو يتعامل مع نظرة واقعية واعية، سعيًا إلى إنجاز مؤهل لتقديم النموذج المقدس.
وهذا ما أخاف المرتكز السلطوي في عهود سابقة، وما يثير اليوم مخاوف بعض الرافضين لتسمية «المسرح الحسيني»، وسعيهم إلى إيجاد مسميات أخرى. وبما أن التاريخ الإسلامي الرسمي، وفق رؤية الكاتب، لا يمثل دائمًا قيمة الانتماء المنشودة، فقد أصبح من حق المبدعين اعتماد نهج فني نموذجي متكامل، يطرحون من خلاله القضية الحسينية، مستثمرين مساحة الحرية المتاحة سعيًا إلى التغيير.
وأجد أن الميزة الحقيقية لهذا الكتاب تتمثل في اعتماده على رؤى كاتب مسرحي وأديب، يبحث عن مساحات الارتقاء الفكري عبر التأثير الفاعل، في زمن تماهت فيه التقنيات الإخراجية لصناعة البديل التعبيري بأنماط أسلوبية متعددة، همّشت أحيانًا لغة النص.
وبعيدًا عن القولبة الأسلوبية، يكون السعي أكثر إنتاجًا؛ فما الضير، مثلًا، في استخدام لغة متوثبة وابتكارية تعمل في مساحات اللامتوقع، ما دامت تبحث عن تأثير يصبّ في مصلحة المعنى؟ فهذا من شأنه المحافظة على روح التنامي، والنظر إلى الأمور النفسية ضمن حدودها، من دون تعميمها قسرًا.
فليس كل سهل ممتنع يصلح للعمل المسرحي، وليست كل شحنة عاطفية قادرة على إنتاج شعرية تحفز مكامن الفعل الدرامي. لكن الملاحظ في جهد الشاعر المبدع رضا الخفاجي أنه يبحث عن القدرة على التأثير الوجداني بعيدًا عن الإثارة العاطفية الساذجة، بهدف تحقيق الإبداع والإمتاع والإدهاش، وإيصال الأفكار إلى الجمهور بوضوح.
ولا شك في أنه يؤمن بأن الغموض الفني قد يكون نوعًا من الوضوح الذي يبحث عن التعالق الروحي مع المتلقي، وعن ذلك الأثر الذي يبقى معلقًا في الذاكرة؛ لأنه يعوّل على الجانب الفني الخلّاق.
وما يريد الباحث الوصول إليه هو أن بعض المحاولات التي اتخذت من الموضوعة الحسينية مرتعًا لإبراز غايات سياسية ورؤى مؤدلجة، لا تشكل قيمة جادة من قيم التمثيل المسرحي أو مما نسميه الظاهرة المسرحية القائمة على التجاوب بين الممثل والجمهور.
ولا يعترض الباحث على المعاصرة، وإنما يعترض على ادعائها؛ لأنه يرى أن الهدف الأسمى هو التجاوز من أجل التفجير الإيجابي للطاقات. فالحدث التاريخي، إذا صَدَق معناه، تحوّل إلى واقع حي.
وتسعى بعض المنهجيات التدوينية إلى التركيز على منهج بريخت الشائع في «عرض المألوف بطريقة غير مألوفة»، لكن ينبغي عدم تجاهل متممات المنهج البريختي، ومنها إزالة مناطق الإيهام، وكسر الوهم المسرحي، وإيقاف الحدث بواسطة الراوي؛ لجعل المادة التاريخية وسيلةً للتعلّم والتفكير.
وقد كشف الباحث رضا الخفاجي عن الكثير من التشوهات الناتجة عن جمود الفعل التأويلي لدى بعضهم، مما يقود إلى أعمال عادية خالية من الإيحاء، وتسقط في مساحات غير مستساغة فنيًا.
كما فقدت بعض الكتابات نسيجها الدرامي بسبب انحراف زاوية الرؤية عمدًا لتحقيق مآرب خاصة؛ إذ تحاول خلخلة الحدث التاريخي، فتعترف بوقوعه، لكنها تعيد صياغته وفق منظورها السياسي، وتؤوله بوصفه تعبيرًا عن صراعات طبقية وسياسية.
أما رضا الخفاجي فيرى أن القضية الحسينية هي الجوهر، وأن مزايا أي أسلوب مسرحي لا بد أن تنصهر في عملية خلق عوالم تأثيرية.
❖ كتابات في الميزان ❖
يقرأ المقال كتاب «نظرية المسرح الحسيني» بوصفه محاولة لتأسيس رؤية فنية تستفيد من عاشوراء من دون اختزالها في إثارة عاطفية مباشرة. ويبرز أهمية الجمع بين قدسية الموضوع وحرية الأدوات المسرحية، مع رفض التوظيف السياسي الذي يغيّر جوهر الواقعة التاريخية. كما يلفت إلى حاجة المسرح الحسيني إلى وعي نقدي يحفظ رسالته ويمنحه لغة معاصرة قادرة على الوصول إلى الجمهور.

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/09/17 حين سعت العتبة العباسية المقدسة إلى إقامة المؤتمر الأكاديمي التأسيسي الأول للمسرح الحسيني، كانت تحمل جذوة الفعل المسرحي الحسيني المبدع، مستندةً إلى مرتكزين مهمين:
الأول: احتواء الإرث المبارك لهذه المدينة المقدسة من الأعمال المسرحية الحسينية التي انبثقت منذ بدايات القرن العشرين، إلى جانب التشابيه الحسينية التي تخرّج منها أساتذة كربلائيون كبار من الكتّاب والمخرجين وبناة المسرح الرصين.
والثاني: غدُ المسرح الحسيني الكربلائي ومستقبله، وهو ينمو ويتطور بوجود طاقات مبدعة من خريجي الأكاديميات والمعاهد المسرحية، ومواكب حسينية تبحث عن الخطوة الأسمى لإبقاء الشعلة الحسينية مؤثرةً في الوجدان الإنساني.
وبمجرد رؤيتي للكتاب، استحضرت التشخيص الدقيق لسماحة السيد أحمد الصافي، الذي يرى أن في الشعائر الحسينية زوايا متعددة من الإبداع، منها الثقافي والفني والفكري، وأن المسرح عمومًا يمكنه الإفادة من هذه الشعائر؛ لوجود علاقة بينهما. وأعتقد أن رجال المسرح وأهل الاختصاص عندنا سيقدمون نظريات وأفكارًا تؤسس للمسرح الحسيني، وتوظفه وفق الأطر العلمية التي يعملون عليها لإنتاج مسرح شعائري يحمل السمة الحسينية.
تنتشر الظواهر المسرحية في مختلف ملامح الحياة، بما يرسخ مفهوم الإبداع المؤثر الذي يمثل الهوية الإنسانية والإيمانية، ويجعلنا نقف أمام العديد من المساعي التنظيرية الرامية إلى بلورة المفهوم الأمثل لنظرية المسرح الحسيني.
ويمثل إصدار إعلام العتبة العباسية المقدسة كتاب «نظرية المسرح الحسيني»، للشاعر والكاتب المسرحي رضا كاظم الخفاجي، محاولة جادة لتبنّي نظرية فاعلة. وقد ركز الباحث على ارتباط المسرح بالدين في نشأته الإغريقية الأولى. ويطرح هذا الرأي وجهة مختلفة عن آراء أخرى ترى أن المسرح مصري النشأة، وأن ارتباطه الديني ظهر في مصر قبل الإغريق.
لكن الأهم أن الباحث يرى أن الظاهرة المسرحية في العراق اقترنت بالطقس العاشورائي، في وقت يتحدث فيه بعض النقاد عن وجود تعارض نفسي وذهني بين الثقافة العربية والفن المسرحي. غير أن الإسلام يحمل في تاريخه أبعادًا ملحمية واسعة، وتُعد عاشوراء أرضية مناسبة للفعل المسرحي بما تنطوي عليه من عمق جوهري ومفهوم للصراع يدفع الإنسان إلى الارتقاء بقيمة الرمز الفاعل.
وفي مفهوم الخفاجي، لا بد للمسرح الحسيني من أن ينطلق من معتقد رسالي تسنده الرؤية الإبداعية، مع تهذيب التوظيف وتحديد الغاية والأهداف. فهو يتعامل مع نظرة واقعية واعية، سعيًا إلى إنجاز مؤهل لتقديم النموذج المقدس.
وهذا ما أخاف المرتكز السلطوي في عهود سابقة، وما يثير اليوم مخاوف بعض الرافضين لتسمية «المسرح الحسيني»، وسعيهم إلى إيجاد مسميات أخرى. وبما أن التاريخ الإسلامي الرسمي، وفق رؤية الكاتب، لا يمثل دائمًا قيمة الانتماء المنشودة، فقد أصبح من حق المبدعين اعتماد نهج فني نموذجي متكامل، يطرحون من خلاله القضية الحسينية، مستثمرين مساحة الحرية المتاحة سعيًا إلى التغيير.
وأجد أن الميزة الحقيقية لهذا الكتاب تتمثل في اعتماده على رؤى كاتب مسرحي وأديب، يبحث عن مساحات الارتقاء الفكري عبر التأثير الفاعل، في زمن تماهت فيه التقنيات الإخراجية لصناعة البديل التعبيري بأنماط أسلوبية متعددة، همّشت أحيانًا لغة النص.
وبعيدًا عن القولبة الأسلوبية، يكون السعي أكثر إنتاجًا؛ فما الضير، مثلًا، في استخدام لغة متوثبة وابتكارية تعمل في مساحات اللامتوقع، ما دامت تبحث عن تأثير يصبّ في مصلحة المعنى؟ فهذا من شأنه المحافظة على روح التنامي، والنظر إلى الأمور النفسية ضمن حدودها، من دون تعميمها قسرًا.
فليس كل سهل ممتنع يصلح للعمل المسرحي، وليست كل شحنة عاطفية قادرة على إنتاج شعرية تحفز مكامن الفعل الدرامي. لكن الملاحظ في جهد الشاعر المبدع رضا الخفاجي أنه يبحث عن القدرة على التأثير الوجداني بعيدًا عن الإثارة العاطفية الساذجة، بهدف تحقيق الإبداع والإمتاع والإدهاش، وإيصال الأفكار إلى الجمهور بوضوح.
ولا شك في أنه يؤمن بأن الغموض الفني قد يكون نوعًا من الوضوح الذي يبحث عن التعالق الروحي مع المتلقي، وعن ذلك الأثر الذي يبقى معلقًا في الذاكرة؛ لأنه يعوّل على الجانب الفني الخلّاق.
وما يريد الباحث الوصول إليه هو أن بعض المحاولات التي اتخذت من الموضوعة الحسينية مرتعًا لإبراز غايات سياسية ورؤى مؤدلجة، لا تشكل قيمة جادة من قيم التمثيل المسرحي أو مما نسميه الظاهرة المسرحية القائمة على التجاوب بين الممثل والجمهور.
ولا يعترض الباحث على المعاصرة، وإنما يعترض على ادعائها؛ لأنه يرى أن الهدف الأسمى هو التجاوز من أجل التفجير الإيجابي للطاقات. فالحدث التاريخي، إذا صَدَق معناه، تحوّل إلى واقع حي.
وتسعى بعض المنهجيات التدوينية إلى التركيز على منهج بريخت الشائع في «عرض المألوف بطريقة غير مألوفة»، لكن ينبغي عدم تجاهل متممات المنهج البريختي، ومنها إزالة مناطق الإيهام، وكسر الوهم المسرحي، وإيقاف الحدث بواسطة الراوي؛ لجعل المادة التاريخية وسيلةً للتعلّم والتفكير.
وقد كشف الباحث رضا الخفاجي عن الكثير من التشوهات الناتجة عن جمود الفعل التأويلي لدى بعضهم، مما يقود إلى أعمال عادية خالية من الإيحاء، وتسقط في مساحات غير مستساغة فنيًا.
كما فقدت بعض الكتابات نسيجها الدرامي بسبب انحراف زاوية الرؤية عمدًا لتحقيق مآرب خاصة؛ إذ تحاول خلخلة الحدث التاريخي، فتعترف بوقوعه، لكنها تعيد صياغته وفق منظورها السياسي، وتؤوله بوصفه تعبيرًا عن صراعات طبقية وسياسية.
أما رضا الخفاجي فيرى أن القضية الحسينية هي الجوهر، وأن مزايا أي أسلوب مسرحي لا بد أن تنصهر في عملية خلق عوالم تأثيرية.
❖ كتابات في الميزان ❖
يقرأ المقال كتاب «نظرية المسرح الحسيني» بوصفه محاولة لتأسيس رؤية فنية تستفيد من عاشوراء من دون اختزالها في إثارة عاطفية مباشرة. ويبرز أهمية الجمع بين قدسية الموضوع وحرية الأدوات المسرحية، مع رفض التوظيف السياسي الذي يغيّر جوهر الواقعة التاريخية. كما يلفت إلى حاجة المسرح الحسيني إلى وعي نقدي يحفظ رسالته ويمنحه لغة معاصرة قادرة على الوصول إلى الجمهور.
