مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2892

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾[1].

    تتطرق الباري عز وجل في هذه الآية الشريفة الى مفردتين هما البحر وكلمات الله تعالى كما تطرق إليهما في سورة أخرى عندما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ ۗ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
    [2]، وعلّ ﴿الْبَحْرُ﴾، في الآيتين هو مجموعة بحار الأرض، فإنها هي المعروفة لدينا عينيا وقرآنيا دون سواها من بحار، و ﴿مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾، لا تجاوب إلاّ ما في الأرض من بحار، حيث البحر المحيط في الكون يناسبه الشجر المحيط في الكون! فلا هو مطلق البحر في الكون، ولا بحر بعينه في الأرض، حيث اختلاف بحار الأرض ينافي تعريف ﴿الْبَحْرُ﴾، الاّ جنسه الشامل لكل بحر، ف‍ ﴿الْبَحْرُ﴾، إذا عوان بين البحرين لمطلق الكون أو خاص من الأرض.
    والمداد ما يمدّ به من مادة للمدّ أو قلم يمدّها، فهناك البحر مداد وما في الأرض من شجرة أقلام المداد.
    ثم ﴿لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾، هي الدالات لفظيا وعلميا وعينيا على الربوبية العليا كما ﴿كَلِمَاتُ اللهِ﴾، هي الدالات على الألوهية وهي أشمل من كلمات الربوبية، فالكلمة ما تدل على معنى في أيّة زاوية من الثلاثة، وإذا كانت نعمة الله لا تحصى وهي محدودة في الواقع لحدوثها ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
    [3]، فأحرى بكلمات الرب وكلمات الله سبحانه وتعالى ألاّ تحصى! ثم ﴿لَّوْ﴾، في آيتي مداد الكلمات تحيل أن يكون البحر مدادا لكلمات ربي وكلمات الله، و ﴿وَلَوْ﴾، الثانية في الأولى إحالة ثانية دون وقفة عليها، ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ ...﴾، في الثانية تعني استمرارية الاستحالة دون وقفة على السبعة الزائدة، الرامزة الى الكثرة الكثيرة، والقصد فيهما إلى استحالة مدّ الكلمات ككلّ بأي مداد، حيث إن مداد البحار والأشجار هي ايضا من الكلمات، أيا كان الكاتب، وبأية سرعة كانت الكتابة وأيان ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾.
    ﴿كَلِمَاتِ رَبِّي﴾، و ﴿كَلِمَاتُ اللهِ﴾، وهي كل دالة على الله، ليست هي ذات الله ولا من ذات الله، وإنما هي مخلوقات الله ولا بد وأنها حادثة محدودة، كما توحيه ﴿قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾، ولكنها ليست بالتي تعد أو تحصى، فضلا عن أن تكتب، إن كتابات الوحي وكافة التشريعات الإلهية، التي تحملها الأصوات والكتابات والمفهومات، هي من كلمات الرب، وحملتها الرسل والأئمة وسائر العلماء بالله، هم من كلمات الرب، وكافة الرحمات الإلهية رحمانية ورحيمية هي من كلمات الرب، ومجموعة الكائنات هي آيات الله وكلماته، فأين مداد البحار والأشجار من مدّ كلمات الله! فكلمات الرب هي الدالات على ربوبيته، وكلمات الله هي الدالات على ألوهيته في ذاته ورحماته رحمانية ورحيمية، ومن نعم أو نقم.
    ففيما ﴿... لَا تُحْصُوهَا﴾، فاستحالة الإحصاء والكتابة التي هي أصعب، في كلمات النعم والنقم! وأين أنت أيها الإنسان الهزيل الجاهل العاجز الذليل، والغوص في خضم ذلك البحر الملتطم، واليمّ المنسجم من كلمات الرب الله، إلاّ غرقا فيها عن سباحتك! قد يدرك الإنسان الغرور بما يسجّله من مكامن الكون، فتأخذه نشوة الظفر في ظهور علمي وفي القدرة فيحسب أنه على شيء! ولكنما الآيات الربانية والإلهية تواجههم بآفاقها المترامية، فإذا هم على خطوات من الشاطئ ولما يخوضوا البحر.
    وحتى لو كان البحر مدادا بيده ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ ...﴾، ﴿يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ مدادا! ف‍ «قد أخبرك أن كلام الله عزّ وجلّ ليس له آخر ولا غاية لا ينقطع ابدا» فيما نحصيه! كلمات الله بعد كل مداد تنتظر مدادا يمدها، ولن يمددها أي مداد، فطالما هو أيضا من كلمات الله إذا ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ ...﴾! فيا لنا من غباوة وعمى، وحماقة كبرى، نعيش كلمات الله، غارقين في خضمّها، ومارقين عن الذي تدل عليه وترشدنا إليه.


    [1] سورة الكهف، الآية: 109.
    [2] سورة لقمان، الآية: 27.
    [3] سورة النحل، الآية: 18.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...