بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[1].
﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾، لقاء الله عز وجل في الآخرة هو الهدف الأسمى للعباد المكرمون الذين عرفوا الحق فانتظروا هذا اللقاء بشغف منقطع النظير لأنهم عرفوا أن الطريق لذلك هو العمل الصالح، فإنّ ما يمضي قدما بالإنسان في مسيرة القرب إلى الله هو العمل الصالح، والعمل الصالح هو العمل الذي فيه مرضاة الله، وهو حرث الآخرة كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((الْعَمَلَ الصَّالِحُ حَرْثُ الْآخِرَة))[2].
ويُطلَق العمل الصالح في المصطلح القرآنيّ على العمل الطيّب والصالح في نفسه، الذي يقوم به الفرد بنيّة التقرّب إلى الله ونيل رضاه، فمثل هذا العمل هو الذي يرتقي بالإنسان، ويتسلّق به سُلَّم الكمال، ويسمّى هذا العمل في الثقافة الإسلاميّة والقرآنيّة [عبادة].
ولا تُطلق العبادة على الصلاة والصيام والحجّ وما شابهها فقط، بل إنَّ كلّ عمل صالح وحَسَن في ذاته ويُفعل بنيّة نيل رضا الله، سيكون عبادة كما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال: ((مِن أشدّ ما فرض الله على خلقه ذِكرُ الله كثيرًا، ثمَّ قال: لا أعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، وإن كان منه، ولكنّ ذكر الله عند ما أحلّ وحرّم، فإن كان طاعة عمل بها، وإن كان معصية تركها))[3].
وهذا المعنى هو المراد من العبادة في الآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[4]. إنّ الهدف المرسوم للإنسان هو القرب من الله، وما يرفع الإنسان إلى مقام القرب هو أعماله الصالحة، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[5].
إنّ الإيمان الكامل هو الذي يكون القلب معه لله وحده دون سواه، فتكون جميع تحرّكات هذا الإنسان إلهيّة، وعندها يصبح في أعلى درجات الاستعداد لاستقبال ألطاف الحقّ ومواهبه السنيّة، والوسيلة الفضلى لهذا الإيمان هي العمل الصالح، فما هذا العمل؟
والجواب:
*أعمال نفسية مثل تناول الطعام، وشرب الماء، وأفعال من هذا القبيل، فهي أفعال لا يلتفت الإنسان في أدائها إلى ما سواه، ويضع نفسه فقط في الحسبان.
*أعمال مع الآخرين ومخلوقات الله تعالى مثل: التعامل مع العائلة والأقارب، التعامل مع الأصدقاء، التعامل مع مختلف طبقات الناس داخل المجتمع، والتعامل مع الأعداء، بل وحتّى التعامل مع الحيوانات ومع الأرض والطبيعة والبيئة وما شابه ذلك.
*أعمال تربطنا بالله تعالى مثل: أداء الصلاة التي نؤدّيها تعظيمًا لله وعبادة له.
ويمكن لأيّ فعل أو حركة تصدر عن الإنسان أن تكون محلّ تقرّب وسموّ، فيصدق على هذا الفعل مفهوم العبادة الحقّة، ويدخل في دائرة الأعمال المقرّبة من الله، والتي يكون محورها الله عزّ وجلّ وحده، وتصدر من الإنسان ابتغاء مرضاته.
يُعتبر الإيمانُ بالله عزّ وجلّ والعملُ الصالح شرطين لنيل كمال الإنسان وسعادته، واقترن ذكرهما وجرى التركيز على تلازمهما في الكثير من الآيات القرآنيّة، والعديد من الروايات الشريفة. منها: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾[6].
وهذا، إن دلَّ على شيء، فإنَّه يدلّ على ارتباط الإيمان بالله بالعمل الصالح، بل إنَّ العمل الصالح من لوازم الإيمان كما أسلفنا سابقًا،
وفي الأحاديث ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((الإيمان عمل كلّه، والقول بعض ذلك العمل، بفرض من الله بيّنه في كتابه))[7].
ولكن كيف يؤدّي القيام بالأعمال الصالحة إلى توطيد إيمان الإنسان؟
إنّ قيمة كلّ الأعمال الصالحة تكمن في ارتباطها بالله تعالى، وقد يتوجّه الإنسان إلى هذه الروح بشكل تامّ وعن قصد ومعرفة، وقد يكون توجّهه ضعيفًا وعن شبه معرفة.
من هنا، فإنّ روح العمل الصالح هي التوجّه إلى الله، وهي التي تؤدّي إلى زيادة إيماننا بالله.
[1] سورة الكهف، الآية: 110.
[2] الكافي، ج 5، ص 57.
[3] بحار الأنوار، ج 66، ص 405.
[4] سورة الذاريات، الآية: 56.
[5] سورة فاطر، الآية: 10.
[6] سورة الرعد، الآية: 29.
[7] الكافي، ج 2، ص 39.
