سأعطيكم سرًّا من أسرار الشيعة
كتب : افياء الحسيني
في : 2026/09/21 إن قضية الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قضية معقدة إذا تأملنا تفاصيلها الفكرية بدقة؛ فهي تضم مجموعة كبيرة من المفاهيم والتفسيرات والمبادئ. ولذلك، لو طرحنا السؤال نفسه على مجموعة من الأساتذة بشأن أي محور مهدوي مبارك، فسنجد تنوعًا كبيرًا في الإجابات؛ لأن كل واحد منهم سيتجه نحو رؤية فكرية معينة، تبعًا لمستواه الإدراكي، مع وجود بعض الثوابت التي يمكن أن تجمع الآراء في إطار فكري واحد يتفق عليه الجميع.
يؤمن الجميع بوجود الغيبة، استنادًا إلى العبارة الشائعة في الأحاديث النبوية المروية في مصادر المسلمين بمختلف مذاهبهم، والتي تأتي بصيغة: «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث ـ أو يخرج ـ رجلًا من أهل بيتي ـ أو من ولدي». والمقصود به الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وقد اتفقوا، من منظور الوعد الإلهي، على ظهور الإمام المهدي وإقامة العدل، لكن الناس اختلفوا في قضية وجوده وانتظاره وظهوره، كما اختلفوا في شخصيته: هل هو من أبناء الإمام الحسن (عليه السلام) أم من أبناء الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وهل اسمه الوارد في الحديث مطابق لاسم النبي، وفق عبارة: «اسمه يطابق اسمي»، أم إن المطابقة تشمل اسمه واسم أبيه، ليكون اسمه محمدًا واسم أبيه عبد الله؟ وهل هو غائب أم سيولد في آخر الزمان؟
وبمعنى آخر، لم ينكروا إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) المسبق بظهوره، لكنهم سوّفوا كثيرًا من مفردات هذه القضية، وتلاعبوا ببعض تفاصيلها، وأضافوا إليها ما يغير معالم دلالتها.
أما الثقافة المهدوية عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، فتقوم على الإيمان بوجود الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وغيبته، وانتظار ظهوره. والانتظار، في هذا السياق، لا يعني انتظار شخص غير موجود، بل انتظار ظهور الإمام الموجود والغائب عن الأنظار، وفق المعتقد الإمامي.
ومن هنا تبرز أهمية قراءة دور المؤمن في مرحلة الغيبة الكبرى؛ إذ لا ينبغي أن يتحول الانتظار إلى حالة من السكون أو الانعزال عن المجتمع. فالانتظار، في مفهومه الإيجابي، يرتبط بالنصرة والاستعداد والإصلاح. ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحقق قدرًا من الاستعداد العقائدي والأخلاقي والاجتماعي، ليكون جزءًا من المشروع الذي يمهّد للعدل الموعود.
وهكذا تتحول العقيدة المهدوية إلى آلية معرفية وأخلاقية تحرّك الإنسان نحو الإصلاح وإقامة العدل ومواجهة الظلم، بدلًا من أن تكون مجرد فكرة عن حدث بعيد يُنتظر وقوعه.
ومن هذه الفكرة كان الأهل يعلموننا، ونحن صغار، أن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يحب الكاذبين، ولا يحب السارقين، ولا يحب من يخون. وهكذا أصبح الإمام المهدي عندنا يمثل التجسيد الرسالي للقرآن الناطق.
وما زال الشيعي، إلى يومنا هذا، يربط مصيره الفردي والإنساني بوجود الإمام، بل يربط بعض القضايا والظواهر الكونية بدلالات الظهور المبارك.
ينظر أنصار الفكر المهدوي إلى الصراعات العالمية بوصفها جزءًا من حركة التاريخ التي ستفضي، في نهاية المطاف، إلى ظهور الإمام المهدي وإقامة دولة العدل. فالقضية لا تُقاس بواقعيتها الاستباقية فحسب، بل تُقاس أيضًا بأثرها النفسي والمعنوي.
ويتحرك العقل الجمعي ليربط كل ظاهرة سياسية وكل صراع معاصر بعلامات الظهور. وهنا يُطرح السؤال: هل القضية بهذه البساطة التي يراها العقل الشيعي، أم إنها ستصطدم بتفسيرات وروايات أخرى لا تسمح للشيعي بأن يحكم الجميع وفق حكمه، أو أن يرى العالم ما يراه ويؤمن بما يؤمن به؟
إن المسألة تحتاج إلى صبر وتصابر وإيمان.
وسأعطيكم سرًّا من أسرار الشيعة: إن الشيعي لا يهمه عدد من يؤمن أو ينكر، وهو أساسًا لا يحتاج إلى موافقة المنكر ليؤمن بوجود الإمام وغيبته كما يريد. ولو بقي وحده في الكون، لرفع شعار نصرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
أما قضية مطابقة الوقائع المعاصرة على علامات الظهور، فهي تتناسب طرديًا مع المستوى الإيماني لكل شيعي. ويرى بعضهم أن التباين في الإيمان والتصديق بهذه المطابقات قد يؤدي إلى أخطاء معرفية وعقدية، في حين أن الإيمان الشيعي لا يتوقف على صحة هذه المطابقات أو عدم صحتها؛ لأنه إيمان غيبي أكثر مما هو إيمان مرتبط بالوقائع الآنية.
إن عالمية المشروع المهدوي لا تعني أنه مشروع سياسي شرقي أو غربي، بل هو، وفق الرؤية الدينية، مشروع يتجاوز الاصطفافات الجغرافية والمصالح القومية الضيقة، ويجعل العدالة الإنسانية غايته الأساسية.
❖ كتابات في الميزان ❖
يقدّم المقال رؤية وجدانية وفكرية للعقيدة المهدوية، موضحًا أن الانتظار في الوعي الشيعي ليس حالة سلبية، بل مسؤولية أخلاقية وعملية تقوم على الإصلاح والاستعداد ومواجهة الظلم. ويركّز على ثبات الإيمان بالإمام المهدي بعيدًا عن اختلاف التأويلات ومحاولات مطابقة الأحداث المعاصرة بعلامات الظهور. كما يؤكد أن المشروع المهدوي مشروع عدالة إنسانية يتجاوز الحدود والاصطفافات السياسية.
كتب : افياء الحسيني
في : 2026/09/21 إن قضية الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قضية معقدة إذا تأملنا تفاصيلها الفكرية بدقة؛ فهي تضم مجموعة كبيرة من المفاهيم والتفسيرات والمبادئ. ولذلك، لو طرحنا السؤال نفسه على مجموعة من الأساتذة بشأن أي محور مهدوي مبارك، فسنجد تنوعًا كبيرًا في الإجابات؛ لأن كل واحد منهم سيتجه نحو رؤية فكرية معينة، تبعًا لمستواه الإدراكي، مع وجود بعض الثوابت التي يمكن أن تجمع الآراء في إطار فكري واحد يتفق عليه الجميع.
يؤمن الجميع بوجود الغيبة، استنادًا إلى العبارة الشائعة في الأحاديث النبوية المروية في مصادر المسلمين بمختلف مذاهبهم، والتي تأتي بصيغة: «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث ـ أو يخرج ـ رجلًا من أهل بيتي ـ أو من ولدي». والمقصود به الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وقد اتفقوا، من منظور الوعد الإلهي، على ظهور الإمام المهدي وإقامة العدل، لكن الناس اختلفوا في قضية وجوده وانتظاره وظهوره، كما اختلفوا في شخصيته: هل هو من أبناء الإمام الحسن (عليه السلام) أم من أبناء الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وهل اسمه الوارد في الحديث مطابق لاسم النبي، وفق عبارة: «اسمه يطابق اسمي»، أم إن المطابقة تشمل اسمه واسم أبيه، ليكون اسمه محمدًا واسم أبيه عبد الله؟ وهل هو غائب أم سيولد في آخر الزمان؟
وبمعنى آخر، لم ينكروا إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) المسبق بظهوره، لكنهم سوّفوا كثيرًا من مفردات هذه القضية، وتلاعبوا ببعض تفاصيلها، وأضافوا إليها ما يغير معالم دلالتها.
أما الثقافة المهدوية عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، فتقوم على الإيمان بوجود الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وغيبته، وانتظار ظهوره. والانتظار، في هذا السياق، لا يعني انتظار شخص غير موجود، بل انتظار ظهور الإمام الموجود والغائب عن الأنظار، وفق المعتقد الإمامي.
ومن هنا تبرز أهمية قراءة دور المؤمن في مرحلة الغيبة الكبرى؛ إذ لا ينبغي أن يتحول الانتظار إلى حالة من السكون أو الانعزال عن المجتمع. فالانتظار، في مفهومه الإيجابي، يرتبط بالنصرة والاستعداد والإصلاح. ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحقق قدرًا من الاستعداد العقائدي والأخلاقي والاجتماعي، ليكون جزءًا من المشروع الذي يمهّد للعدل الموعود.
وهكذا تتحول العقيدة المهدوية إلى آلية معرفية وأخلاقية تحرّك الإنسان نحو الإصلاح وإقامة العدل ومواجهة الظلم، بدلًا من أن تكون مجرد فكرة عن حدث بعيد يُنتظر وقوعه.
ومن هذه الفكرة كان الأهل يعلموننا، ونحن صغار، أن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يحب الكاذبين، ولا يحب السارقين، ولا يحب من يخون. وهكذا أصبح الإمام المهدي عندنا يمثل التجسيد الرسالي للقرآن الناطق.
وما زال الشيعي، إلى يومنا هذا، يربط مصيره الفردي والإنساني بوجود الإمام، بل يربط بعض القضايا والظواهر الكونية بدلالات الظهور المبارك.
ينظر أنصار الفكر المهدوي إلى الصراعات العالمية بوصفها جزءًا من حركة التاريخ التي ستفضي، في نهاية المطاف، إلى ظهور الإمام المهدي وإقامة دولة العدل. فالقضية لا تُقاس بواقعيتها الاستباقية فحسب، بل تُقاس أيضًا بأثرها النفسي والمعنوي.
ويتحرك العقل الجمعي ليربط كل ظاهرة سياسية وكل صراع معاصر بعلامات الظهور. وهنا يُطرح السؤال: هل القضية بهذه البساطة التي يراها العقل الشيعي، أم إنها ستصطدم بتفسيرات وروايات أخرى لا تسمح للشيعي بأن يحكم الجميع وفق حكمه، أو أن يرى العالم ما يراه ويؤمن بما يؤمن به؟
إن المسألة تحتاج إلى صبر وتصابر وإيمان.
وسأعطيكم سرًّا من أسرار الشيعة: إن الشيعي لا يهمه عدد من يؤمن أو ينكر، وهو أساسًا لا يحتاج إلى موافقة المنكر ليؤمن بوجود الإمام وغيبته كما يريد. ولو بقي وحده في الكون، لرفع شعار نصرة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
أما قضية مطابقة الوقائع المعاصرة على علامات الظهور، فهي تتناسب طرديًا مع المستوى الإيماني لكل شيعي. ويرى بعضهم أن التباين في الإيمان والتصديق بهذه المطابقات قد يؤدي إلى أخطاء معرفية وعقدية، في حين أن الإيمان الشيعي لا يتوقف على صحة هذه المطابقات أو عدم صحتها؛ لأنه إيمان غيبي أكثر مما هو إيمان مرتبط بالوقائع الآنية.
إن عالمية المشروع المهدوي لا تعني أنه مشروع سياسي شرقي أو غربي، بل هو، وفق الرؤية الدينية، مشروع يتجاوز الاصطفافات الجغرافية والمصالح القومية الضيقة، ويجعل العدالة الإنسانية غايته الأساسية.
❖ كتابات في الميزان ❖
يقدّم المقال رؤية وجدانية وفكرية للعقيدة المهدوية، موضحًا أن الانتظار في الوعي الشيعي ليس حالة سلبية، بل مسؤولية أخلاقية وعملية تقوم على الإصلاح والاستعداد ومواجهة الظلم. ويركّز على ثبات الإيمان بالإمام المهدي بعيدًا عن اختلاف التأويلات ومحاولات مطابقة الأحداث المعاصرة بعلامات الظهور. كما يؤكد أن المشروع المهدوي مشروع عدالة إنسانية يتجاوز الحدود والاصطفافات السياسية.

تعليق