دور الشعائر الحسينية في الاصلاح الاقتصادي

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي حسين الخباز
    مشرف الساحة الادبية

    • 20-09-2010
    • 9318

    #1

    دور الشعائر الحسينية في الاصلاح الاقتصادي

    دور الشعائر الحسينية في الاصلاح الاقتصادي

    كتب : حوراء بطيخ
    في : 2026/09/24 ولعل من أكثر الجوانب التي لم تنل حظها من البحث عند الحديث عن الشعائر الحسينية، هو بعدها الاقتصادي. فغالباً ما يُنظر إلى الاقتصاد بوصفه المال والإنفاق وحجم المصروفات، بينما الاقتصاد في حقيقته هو إدارة الموارد، وتنظيم الطاقات، وبناء ثقافة الإنفاق والإنتاج والتكافل. ومن هذه الزاوية، فإن الشعائر الحسينية لا تمثل عبئاً اقتصادياً كما يحاول بعضهم أن يصورها، بل تقدم نموذجاً فريداً لما يمكن تسميته بالاقتصاد المجتمعي القائم على القيم.
    ففي موسم الأربعين، تتحرك ملايين البشر، وتُقدَّم ملايين الوجبات، وتُوفَّر وسائل النقل والإيواء والعلاج والخدمات المختلفة، دون أن تكون هذه المنظومة الضخمة قائمة على شركات استثمارية أو عقود تجارية أو مؤسسات ربحية، وإنما تقوم في معظمها على المبادرة الشعبية، والإيمان، والعمل التطوعي. وهذه الظاهرة ليست حدثاً عابراً، بل مدرسة عملية يتعلم فيها المجتمع كيف يدير موارده بنفسه، وكيف يوظف المال في خدمة الإنسان، لا في استعباده.
    إن الذي يتأمل في تجربة المواكب الحسينية يجد أنها لا تربي الإنسان على البذل فقط، وإنما تربيه على حسن إدارة المال أيضاً. فصاحب الموكب، والمتبرع، والمتطوع، جميعهم يمارسون عملية تخطيط للموارد، وتحديد للأولويات، وترشيد للإنفاق، والعمل بروح الفريق، وتحمل المسؤولية. وهذه كلها مهارات اقتصادية لا تُكتسب بالمحاضرات النظرية، وإنما بالممارسة المستمرة.
    ولذلك فإن الشعائر لا تصنع مجتمعاً كريماً فحسب، بل تصنع مجتمعاً يمتلك خبرة متراكمة في إدارة الأزمات. وما شهدناه في العراق خلال السنوات الماضية يقدم شاهداً واضحاً على ذلك؛ فحين تعرض البلد لخطر الإرهاب، وحين احتاجت جبهات القتال إلى الإمداد والدعم، وحين نزحت آلاف العوائل من مدنها، لم يبدأ المجتمع من الصفر، وإنما استثمر الخبرة التنظيمية التي راكمها عبر سنوات طويلة من خدمة الزائرين. فالمواكب التي كانت تدير خدمة ملايين الزائرين، استطاعت أن تتحول في زمن الأزمة إلى مراكز للإغاثة والإسناد، وأن توفر الغذاء والدواء والإيواء والخدمات اللوجستية بسرعة وكفاءة، لأن ثقافة الخدمة كانت قد ترسخت في المجتمع قبل ذلك بسنوات.
    وهذا يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن الأثر الاقتصادي للشعائر لا يقاس بما يُنفق فيها، وإنما بما تُنتجه من إنسان قادر على إدارة المال، وتوظيف الموارد، وتحمل المسؤولية، والتكافل مع الآخرين. فالاقتصاد الحقيقي لا يبدأ من الأسواق، بل يبدأ من بناء الإنسان.
    لكن، إذا كانت الشعائر قد استطاعت عبر القرون أن تحافظ على مشروع الإصلاح، وأن تبني الإنسان، وتغرس القيم، وتصنع مجتمعاً متماسكاً، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الخطر الذي يهددها؟
    لقد كان الخطر في الماضي واضحاً وصريحاً؛ المنع، والسجن، والإعدام، والملاحقة. وكانت الأنظمة المستبدة تعتقد أن القضاء على الشعائر هو الطريق إلى القضاء على القضية الحسينية. غير أن التجربة أثبتت أن الشعائر استطاعت أن تنتصر على هذا اللون من المواجهة، وأن تخرج من تحت ركام القمع أكثر حضوراً وانتشاراً.
    أما اليوم، فإن التحدي لم يعد يأتي من خارج الشعائر، وإنما من داخلها.
    إن الرأسمالية الحديثة لا تحارب القيم بالضرورة، بل كثيراً ما تعيد إنتاجها بعد أن تفرغها من معناها. فهي قادرة على تحويل الفكرة إلى سلعة، والرمز إلى علامة تجارية، والرسالة إلى مشهد استعراضي، حتى يبقى الشكل حاضراً بينما يغيب الجوهر.
    وهنا تكمن خطورة المرحلة.
    فالخطر الحقيقي ليس في كثرة المواكب، ولا في كثرة المجالس، ولا في اتساع الشعائر، وإنما في أن تتحول الشعيرة من وسيلة للإصلاح إلى وسيلة للتفاخر، ومن مدرسة لبناء الإنسان إلى ساحة للتنافس الاجتماعي، ومن رسالة تحمل قيم الحسين إلى عرض يبحث عن التصفيق والإعجاب والصورة الإعلامية.
    عندما يصبح الاهتمام بالشكل أكبر من الاهتمام بالمضمون، وعندما تصبح المنافسة في حجم الإنفاق لا في عمق الأثر، وعندما يقاس نجاح الشعيرة بعدد الكاميرات وعدد المتابعين، لا بعدد النفوس التي تغيرت، فإننا نكون قد دخلنا – من حيث لا نشعر – في منطق الرأسمالية، الذي يحول كل شيء إلى مادة للاستهلاك.
    وهنا تعود أسئلة السيد أحمد الصافي لتفرض نفسها من جديد: هل ما زالت الشعائر تحقق مشروع الإصلاح الذي خرج من أجله الإمام الحسين عليه السلام؟ أم أننا بدأنا نفقد هذا المشروع تحت ضغط المظاهر؟
    إن المحافظة على الشعائر لا تعني المحافظة على شكلها فقط، وإنما المحافظة على رسالتها. فالشعيرة التي تفقد بعدها الإصلاحي، وتنفصل عن بناء الإنسان، وتغيب عنها قيم الإخلاص والتضحية، تتحول مع الزمن إلى عادة اجتماعية، وربما تبقى حية في ظاهرها، لكنها تكون قد فقدت روحها.
    ولهذا فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على توريث أبنائنا حب الحسين عليه السلام، وإنما تتجاوز ذلك إلى توريثهم فلسفة الحسين، وأهداف الحسين، وروح الحسين التي قامت على الإصلاح، لا على الاستعراض.
    إن الدول التي تمتلك ثروات طبيعية ناضبة، كالنفط والغاز، تنشئ ما يسمى بصناديق الأجيال، لأنها تدرك أن هذه الثروات ليست ملكاً للجيل الحاضر وحده، وإنما هي حق للأجيال القادمة أيضاً. فتعمل على حفظها واستثمارها، لكي لا يستهلكها جيل واحد ويترك من بعده الفراغ.
    والشعائر الحسينية ليست أقل قيمة من تلك الثروات، بل هي الثروة الحضارية والروحية للأمة. وإذا كان النفط يمكن أن ينضب، فإن القيم أيضاً يمكن أن تنضب إذا أسيء استهلاكها، وإذا فقدت معناها، وإذا تحولت إلى مجرد مظاهر خاوية.
    لذلك، فإن الواجب لا يقتصر على نقل الشعائر إلى أبنائنا، بل على نقل الشعائر الأصيلة؛ الشعائر التي تبني الإنسان، وتوقظ الضمير، وتربي على الإيثار، وتحفظ مشروع الإصلاح. أما الشعائر التي تحكمها ثقافة السوق، وتغذيها الرغبة في الظهور، ويغيب عنها المعنى لتحضر الصورة، فهي لا تورث جيلاً يحمل رسالة الحسين، بل تورث جيلاً يحمل شكل الشعيرة دون روحها.
    إن الإمام الحسين عليه السلام لم يورث الأمة طقساً، وإنما ورثها مشروع إصلاح. والشعائر لم تكن في يوم من الأيام غاية مستقلة، وإنما كانت الجسر الذي يعبر عليه هذا المشروع من جيل إلى جيل. وإذا أردنا أن نكون أوفياء لكربلاء، فإن وفاءنا الحقيقي لا يكون بكثرة ما نقيم من شعائر فحسب، وإنما بكيفية المحافظة على أصالتها، لتبقى مدرسة للإصلاح، لا سوقاً للمظاهر، وجسراً تعبر عليه القيم، لا منصة تعبر عليها الأضواء.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...