النسيء... حين يعاد ترتيب المبادئ

كتب : علي كاظم الطائي
في : 2026/09/24 قال تعالى:
( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) سورة التوبة، الآية 37.
ظاهر هذه الآية الكريمة يشير إلى مصطلح النسيء، وهو عادة كانت معروفة عند العرب في الجاهلية، تقوم على تأخير أو تقديم أحد الأشهر الحرم، بحيث يُستبدل شهرٌ حرام بآخر وفقًا لظروفهم، ولا سيما إذا أرادوا القتال أو مواصلة نشاطهم التجاري، مع المحافظة على عدد الأشهر الحرم أربعة كما هو مقرر.
لقد كان المجتمع العربي قبل الإسلام يعترف بحرمة الأشهر الحرم، لكنه لم يكن مستعداً دائماً لتحمل ما تفرضه تلك الحرمة من التزامات، وحين اصطدمت مصالحه الاقتصادية والسياسية والعسكرية بهذه الأحكام، لم يترك العمل بها علناً، بل لجأ إلى تغيير مواقعها في التقويم السنوي ، ليحافظ على صورة الالتزام، وفي الوقت نفسه يحقق ما يريد، ليبقي على قداسة الإسم والتنصل عن المضمون في التفاف واضح يبلي مصالحهم.
ومن الناحية الرمزية يمكن ملاحظة أن هذه الظاهرة لا ترتبط بزمن معين، بل تمثل نمطاً متكرراً في سلوك الإنسان. فليس من الضروري أن يُنكر الإنسان مبادئه حتى يبتعد عنها، بل يكفي أن يعيد تأويلها بما يجعلها أكثر انسجاماً مع رغباته. وعندئذٍ لا يصبح الدين هو الذي يوجّه المصالح، بل تتحول المصالح إلى المعيار الذي يُعاد على أساسه فهم الدين ، وبذلك تكون أخطر صور الانحراف ليست المواجهة الصريحة مع الحق، وإنما المحافظة على شكله مع تفريغه من مضمونه. فحين تتحول القداسة إلى عنوان دون أن تتجسد في سلوك، يصبح الإنسان مطمئناً إلى صورة التزامه، وهو يبتعد تدريجياً عن جوهر الرسالة.
إن النسيء ليس مجرد حادثة تاريخية انتهت بانقضاء زمن أصحابها، بل هو تحذير دائم من أن يتحول الإيمان إلى إطار شكلي، تُحفظ فيه العناوين، بينما يتم تأجيل الأحكام أو تكيفها وفق الأهواء، فالمشكلة ليست في تغيير الزمن، وإنما في تقديم الإرادة البشرية على المبدأ السماوي.
ولعل الرسالة الأعمق التي تحملها الآية أن الإيمان لا يُقاس بمدى تعظيم الإنسان للمقدسات في خطابه، بل بقدرته على الخضوع لها عندما تتعارض مع رغباته، فالمؤمن لا يعيد ترتيب المبادئ لتناسب حياته، وإنما يعيد تشكيل حياته لتنسجم مع المبادئ. وهنا يكمن الفارق بين قداسةٍ تلهج بها على الألسن، وقداسةٍ تستقر في الضمير وتنعكس في السلوك.

كتب : علي كاظم الطائي
في : 2026/09/24 قال تعالى:
( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) سورة التوبة، الآية 37.
ظاهر هذه الآية الكريمة يشير إلى مصطلح النسيء، وهو عادة كانت معروفة عند العرب في الجاهلية، تقوم على تأخير أو تقديم أحد الأشهر الحرم، بحيث يُستبدل شهرٌ حرام بآخر وفقًا لظروفهم، ولا سيما إذا أرادوا القتال أو مواصلة نشاطهم التجاري، مع المحافظة على عدد الأشهر الحرم أربعة كما هو مقرر.
لقد كان المجتمع العربي قبل الإسلام يعترف بحرمة الأشهر الحرم، لكنه لم يكن مستعداً دائماً لتحمل ما تفرضه تلك الحرمة من التزامات، وحين اصطدمت مصالحه الاقتصادية والسياسية والعسكرية بهذه الأحكام، لم يترك العمل بها علناً، بل لجأ إلى تغيير مواقعها في التقويم السنوي ، ليحافظ على صورة الالتزام، وفي الوقت نفسه يحقق ما يريد، ليبقي على قداسة الإسم والتنصل عن المضمون في التفاف واضح يبلي مصالحهم.
ومن الناحية الرمزية يمكن ملاحظة أن هذه الظاهرة لا ترتبط بزمن معين، بل تمثل نمطاً متكرراً في سلوك الإنسان. فليس من الضروري أن يُنكر الإنسان مبادئه حتى يبتعد عنها، بل يكفي أن يعيد تأويلها بما يجعلها أكثر انسجاماً مع رغباته. وعندئذٍ لا يصبح الدين هو الذي يوجّه المصالح، بل تتحول المصالح إلى المعيار الذي يُعاد على أساسه فهم الدين ، وبذلك تكون أخطر صور الانحراف ليست المواجهة الصريحة مع الحق، وإنما المحافظة على شكله مع تفريغه من مضمونه. فحين تتحول القداسة إلى عنوان دون أن تتجسد في سلوك، يصبح الإنسان مطمئناً إلى صورة التزامه، وهو يبتعد تدريجياً عن جوهر الرسالة.
إن النسيء ليس مجرد حادثة تاريخية انتهت بانقضاء زمن أصحابها، بل هو تحذير دائم من أن يتحول الإيمان إلى إطار شكلي، تُحفظ فيه العناوين، بينما يتم تأجيل الأحكام أو تكيفها وفق الأهواء، فالمشكلة ليست في تغيير الزمن، وإنما في تقديم الإرادة البشرية على المبدأ السماوي.
ولعل الرسالة الأعمق التي تحملها الآية أن الإيمان لا يُقاس بمدى تعظيم الإنسان للمقدسات في خطابه، بل بقدرته على الخضوع لها عندما تتعارض مع رغباته، فالمؤمن لا يعيد ترتيب المبادئ لتناسب حياته، وإنما يعيد تشكيل حياته لتنسجم مع المبادئ. وهنا يكمن الفارق بين قداسةٍ تلهج بها على الألسن، وقداسةٍ تستقر في الضمير وتنعكس في السلوك.
