بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿كهيعص﴾[1].
من أجمل أسماء السور القرآنية هي سورة مريم، وليس في القرآن امرأة اخرى وحتى أفضل منها كفاطمة (عليها السلام) تسمت باسمها سورة أو يؤتى باسمها في آية، ومريم آتية في أربع وثلاثين آية وخامسة هي «سورة مريم»! أترى ذلك لفضلها على نساء العالمين؟ وفاطمة أفضل منها حسب النصوص الإسلامية وذكر الاسم في القرآن لا يدل على فضيلة، فزيد يذكر في القرآن ولا يذكر الاكثرية الساحقة من النبيين، ولا أحد من خلفاء الرسول المعصومين ولا من صحبه الكرام المنتجبين! ورغم أن القرآن ليس من دأبه ذكر النساء بأسمائهم حفاظا عليهن حتى في أسماءهن، نراه يدأب في ذكر مريم مرات عدّة ليس إلا ذودا عنها ما مسته اليهود والنصارى من كرامتها ونسبتها الى غير اللائق بحرمتها، فكان من الواجب الرسالي في الوحي الأخير ذكرها في مذكرات شأنها بعصمتها وطهارتها، كما وفي سائر القرآن مذكرات لعصم المرسلين حيث تعرضت في محرفات من كتابات الوحي لما لا يليق بساحة الرسالة ولا الايمان بل ولا أي إنسان! وآي الذكر الحكيم عاصمة عصم الوحي، كما هي عاصمة الرسالة والوحي.
﴿كهيعص﴾، إنها الفريدة في الحروف المقطعة القرآنية في العدد التركيبي، ففي الشورى ﴿حم* عسق﴾ خمسة في تركيبين اثنين، وهنا خمسة في تركيب واحد، ثم لا خمسة في سائر القرآن، والمتبع من قراءتها هي المتواترة في كتب القرآن «كاف - ها - يا - عين - صاد» دون سائر القراءات.
ولا بد هنا من رباط بينها ومغزى السورة، كما في سائر الحروف المقطعة مهما كانت هنالك إشارات أخرى لا تحويها السورة، فإنها مفاتيح كنوز القرآن وبرقيات رمزية إلى نبي القرآن! روايات من الفريقين تدلنا أنها حروف من أسماء الله على اختلافها في «ما هي تلك الأسماء» وهذه الأسماء المرموز بها لا تختص بهذه السورة، فقد تأتي بألفاظها أو معانيها في السور كلها!
ويروى عن القائم المهدي (عجل الله فرجه الشريف) أنه سئل عن تأويلها فقال: ((هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عبده زكريّا عليها، ثم قصّها على محمّد صلّى الله عليه وآله))[2].
وذلك أن زكريّا سأل ربّه أن يعلّمه أسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرائيل فعلّمه إياها.
فكان إذا ذكر محمدا وعليّا وفاطمة والحسن (عليهم السلام) سرّي عن همّه وانجلى كربه، وإذا ذكر الحسين (عليه السلام) خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة [أي انقطاع النفس من شدة الحزن].
فقال ذات يوم: إلهي ما بالي إذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟
فأنبأه تعالى عن قصّته، فقال: ﴿كهيعص﴾، فالكاف اسم كربلاء، والهاء: هلاك العترة، والياء: يزيد وهو ظالم الحسين (عليه السلام)، والعين: عطشه، والصاد: صبره، فلمّا سمع بذلك زكريّا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام، ومنع فيها الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب، وكانت ندبته: إلهي أتفجع خير خلقك بولده؟ أتنزل بلوى هذه الرزيّة بفنائه؟ إلهي أتلبس عليّا وفاطمة (عليهما السلام) ثياب هذه المصيبة؟ إلهي أتحل كرب هذه الفجيعة بساحتهما؟ ثم كان يقول: إلهي ارزقني ولدا تقرّبه عيني عند الكبر، وأجعله وارثا ووصيّا، واجعل محلّه منّي محلّ الحسين (عليه السلام). فإذا رزقتنيه فافتنيّ بحبّه ثم افجعني به كما تفجع محمدا (صلّى الله عليه وآله) حبيبك بولده.
فرزقه الله يحيى، وفجعه به، وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين كذلك.
فهي إشارات الى رزية عاشوراء وليس بذلك البعيد، لمكان المشابهة التامة بين الحسين (عليه السلام) ويحيى، و ﴿كهيعص﴾، هي ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾[3]، وقد تعنيهما هذه الخمس فيما تعنيه من إشارات، ما وصلتنا منها إلا هذه وتلك.
وقيل هو اسم من أسمائه تعالى، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في دعائه: يا كهيعص. كما روي أن هذه أسماء الله مقطّعة، أو من أسماء النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، أو هي رموز بينة وبين ربّه سبحانه لا يعرفها إلاّ الراسخون في العلم.
[1] سورة مريم، الآية: 1.
[2] دلائل الإمامة، ص 506.
[3] سورة مريم، الآية: 2.
