مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2899

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾[1].

    كعادتها السور التي تعتمد على السرد القصصي وبالأخص سورتنا هذه تبدأ بعنصر قصصي يتضمن عدة أقاصيص تحوم حول فكرة خاصة ترتبط بعز خارق للعادة وهو «الإنجاب»، يواكب ذلك حشد من الأفكار المتصلة بالدعاء، وبرحمة الله تعالى، حيث تنسحب هذه الأفكار على مجموعة القصص من جانب، كما تنسحب على مجموع السورة من جانب آخر بنحو يكشف عن جمالية مدهشة بالنسبة إلى عمارة السورة وبنائها الهندسي المحكم.
    لقد بدأت القصة الأولى برسم شخصية النبي العابد المنقطع الى الله تعالى زكريا (عليه السلام) حيث جاءت البداية القصصية من وسط الوقائع وليس من أولها.
    والوسط القصصي الذي بدأته القصة هو ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، أي أن الله تعالى برحمته قد استجاب لدعاء زكريا.
    والقارئ لم يقف بعد على الحاجات التي توسل بها زكريا إلى الله تعالى، بل أشارت القصة إلى رحمته تعالى فحسب بالنسبة الى زكريا (عليه السلام)، أما الخلفيات أو الأحداث السابقة على هذه الرحمة فأمر لم تكشف القصة عنه بعد.
    وهذا يعني أنّ هذا الاستهلال بالوقائع من وسطها ينطوي على أهمية خطرة تستهدف القصة توصيلها الى القارئ ألا وهي الرحمة الإلهية.
    ولذلك بدأت القصة بالحديث عن رحمة الله قبل أن تبدأ بالحديث عن دعاء زكريا الذي ترتب عليه إبراز مفهوم رحمته تعالى متمثلة في إجابة طلب زكريا.
    بعد هذه البداية ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، ترتد القصة إلى بداية الحدث أو الموقف وهو ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾
    [2]، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾[3].
    إذا بداية الحدث هي: إن زكريا نادى ربه بشكل خفيّ فيما بينه وبين نفسه قائلا بأنه قد ضعف لسبب من كبر السن، واستحباب كون الدعاء خفيا وجهته واضحة فإن من المتانة والرزانة ألا يظهر الإنسان كل ما في جوفه الا لخالقه الذي إن لم يستجب له لا يفضحه.
    والإشارة إلى كبر السن جاءت بلغة صورية وليس بلغة مباشرة أي من خلال عنصر الصورة الفنية: اشتعال الرأس شيبا.
    والواقع أن هذه الصورة (الاشتعال) تظل من الصور المدهشة المثيرة حقا، فعملية الاشتعال لا تتضمن مجرد العلاقة بين اللون للشعر واللون المواكب للاشتعال، طالما نعرف أن الاشتعال يأخذ أكثر من لون يمتزج بين الحمرة والبياض والسواد وهو ما يطبع الشعر في سياق بشرة الرأس والوجه [بالنسبة إلى الألوان الثلاثة المشار إليها]. فنجد أن رصد العلاقة بين عملية الاشتعال والشيب من خلال عنصر اللون قد تجاوزته الصورة الفنية الى رصد آخر يتضمن دلالة العملية نفسها بما يواكبها من عمليات نفسية يستجيب لها الشخص في نظرته إلى غزارة الشيب، وربما تنطوي عليه عملية الشيب من دلالة ترتبط بالحركة الفيزيقية له، فالاشتعال يرتبط بهدير أو بحركة صوتية ذات دلالة من حيث العنف والقوة والفاعلية والرهبة التي تنطوي عليها عملية الاشتعال، حيث تنسحب هذه الحركات على طبيعة الاستجابة النفسية لصاحبها مما تحمله على الاهتمام بها وجعله مركزا لتفكيره، وهو ما لاحظناه فعلا من خلال الطريقة التي تحدث بها زكريا (عليه السلام) مع الله تعالى، ونعني بها: دعاءه المصحوب بشيء من التفصيل لظاهرة كبر السن مثل قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾، ثم قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، حيث جمع (من خلال هذه اللغة) بين ضعف القوى البدنية من جانب [وهو وهن العظم] وبين الرمز المؤشر الى كون العمر قد بلغ مرحلته الأخيرة من جانب آخر [وهو اشتعال الرأس شيبا]، ثم أضاف إلى ذلك شيئا ثالثا هو قوله: ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.
    إن تتويج العمليات النفسية التي صدر عنها زكريا [عبر اهتمامه الملحوظ بكبر السن] تتويجها، بأن الله طالما استجاب لدعائه في مواقف سابقة، هذا التتويج أو التعقيب يعبر بوضوح عن مدى اهتمامه بهذا الجانب، وهو [هم] أو [اهتمام عبادي] دون أدنى شك وليس مجرد رغبة فردية.


    [1] سورة مريم، الآية: 2.
    [2] سورة مريم، الآية: 3.
    [3] سورة مريم، الآية: 4.


    ​
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...