(حفظ الأجساد كرامة)

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي حسين الخباز
    مشرف الساحة الادبية

    • 20-09-2010
    • 9335

    #1

    (حفظ الأجساد كرامة)

    (حفظ الأجساد كرامة) شواهد من القرآن والتاريخ الإسلامي.

    كتب : فاطمة السعيدي
    في : 2026/10/03 إن التأمل في ظاهرة حفظ أجساد الأنبياء والأولياء من التحلل لا يكشف عن مجرد حدث خارق للعادة، بل يفتح نافذة على معان أعمق تتصل بمقام أولياء الله ومنزلتهم عنده سبحانه وتعالى. فحفظ الجسد في هذه الموارد وجهًا من وجوه التكريم الرباني، ودلالة على أن العلاقة بين الله وعباده المخلصين لا تنقطع بالموت، بل تبقى آثارها شاهدة على رفعة شأنهم وعظيم منزلتهم. ومن هنا حملتني الرغبة إلى تتبع الشواهد القرآنية والروائية التي تناولت هذه الظاهرة، للكشف عما تحمله من دلالات عقدية وروحية، والوقوف على بعض أسرار الكرامة الإلهية التي أحاطت بالأنبياء والصالحين.

    ومن أبرز الشواهد القرآنية على ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (سبأ: 14).
    وقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية أن النبي سليمان (عليه السلام)، لما قبضه الله، كان متكئًا على عصاه، فبقي قائمًا على تلك الحال زمنًا طويلًا، لا يعلم بموته إنس ولا جن، حتى بعث الله الأرضة فأخذت تأكل عصاه، فلما انكسرت خر إلى الأرض، فعند ذلك علموا بموته (1). تكشف هذه الحادثة عن مظهر من مظاهر العناية الإلهية لجسد نبي الله سليمان (عليه السلام)، إذ بقي محتفظًا بهيئته طوال تلك المدة ، حتى خفي أمر وفاته على الجن الذين كانوا يعملون بين يديه.
    ولا يقتصر هذا المعنى على الأنبياء ، فقد وردت في المصادر الإسلامية روايات كثيرة تشير إلى بقاء أجساد بعض المؤمنين والشهداء على حالها رغم مرور السنين الطويلة على وفاتهم. ومن أشهر تلك الروايات ما نقله جابر بن عبد الله الأنصاري في شأن شهداء أُحد حين أُخرجت أجسادهم بعد أربعين سنة بسبب إجراء الماء في موضع دفنهم، فوجدت أجسادهم لينة ، تتثنى أطرافها كأن الموت لم يمضِ عليها إلا زمن يسير (2). وفي رواية أخرى أنّ إحدى المساحي أصابت قدم أحد الشهداء فانبعث منها الدم، في مشهد يعبر عن بقاء الجسد على حالة من الطراوة والحفظ الاستثنائي.(3)
    وقد وردت هذه الروايات في عدد من المصادر التاريخية ووصلت حد التواتر ، ومن خلالها يمكن القول إن حفظ بعض الأجساد من التحلل ليس أمرًا مستبعدًا في المنظور الإسلامي، بل هو مظهر من مظاهر التكريم الإلهي الذي يمنحه الله تعالى لمن اصطفاهم بالإيمان الخالص والجهاد الصادق.
    وفي ضوء هذا الفهم يفسير ما ورد في المصادر التاريخية من بقاء أجساد شهداء كربلاء محفوظة، رغم بقائها ثلاثة أيام على أرض المعركة تحت حرارة الشمس الملتهبة قبل مواراتها الثرى. وحتى بعد حقبه من الزمن بقيت كما هي، والدليل على ذلك الروايات التي تذكر في هذا السياق ما نقل عن قبر الحر بن يزيد الرياحي، حيث ذكر أن شاه إسماعيل الصفوي أمر بفتح القبر لأخذ العصابة التي كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد شدها على رأس الحر، فوجد الجرح ينزف دمًا عند رفعها، ولم ينقطع النزف إلا بعد إعادة جزء من تلك العصابة إلى موضعها (4).
    ومن هنا يدور في خلدي تساؤل جدير بالتأمل: هل فكر جنود يزيد بالقوانين الطبيعية قبل حمل رؤوس شهداء الطف من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى دمشق في أيام الصيف القائظ؟ ومن المعلوم ان الأجساد البشرية تتأثر بطبيعتها بعوامل الزمن والحرارة، ولا سيما إذا بقيت معرضة لأشعة الشمس المباشرة مدة طويلة. ومع ذلك حفظت لنا المصادر التاريخية أخبار مسير الرؤوس الشريفة، دون تغيير أو تحلل وذلك يعد من مصاديق العناية الإلهية الخاصة، التي أحاطت بالإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه.
    وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى هذه الوقائع بوصفها شاهدًا من شواهد الكرامة الإلهية التي خص الله بها أولياءه، لتكون حجة على الناس، ودليلًا على سمو مقام أصحابها. ولم تقتصر هذه الكرامة على حفظ الجسد فحسب، بل تجاوزته إلى حفظ الرسالة التي حملها الإمام الحسين (عليه السلام) بدمه وموقفه؛ فالرأس الذي ارتفع على الرمح كان منبرًا ناطقًا بالحق، يوقظ الضمائر الغافلة ويهز وجدان الأمة بكلماته الخالدة.
    فالروايات التي تحدثت عن تلاوة رأس الإمام الحسين (عليه السلام) لقول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ تحمل دلالات تتجاوز حدود الكرامة الحسية إلى الإشارة إلى أن ما جرى في كربلاء هو من آيات الله الكبرى في التاريخ الإسلامي؛ إذ تحول الرأس المرفوع على الرمح إلى شاهد على ما وقع على آل بيت محمد (عليهم السلام)من ظلم، و راية للحق لا تنكسر، وصوت بقي صداه يتردد في: ضمير الأمة عبر القرون.

    وعليه، فإن ظاهرة حفظ الأجساد تندرج ضمن دائرة الكرامة الربانية التي يمنحها الله لبعض عباده المخلصين، لتبقى شاهدًا على رفعة مقامهم، ودليلًا على منزلتهم عند الله تعالى، وليظل أثرهم الروحي والرسالي حاضراً في وجدان الأمة جيلًا بعد جيل. ويبقى الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه من أبرز مصاديق هذه الحقيقة.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...