الرفوف (14) نظرية الصفائح في الجيولوجيا
كتب : ابن الخباز
في : 2026/10/04 أرسلت إلينا الأستاذة العلوية بشرى الحاج يوسف، في بدايات عام 2006، مقالاً عن نظرية الصفائح التكتونية، التي تبلورت بصورتها الحديثة خلال ستينيات القرن الماضي. وقد أسهمت هذه النظرية في تفسير ظواهر جيولوجية عديدة، منها تشكل السلاسل الجبلية والأحواض المحيطية وأقواس الجزر، وتوزيع مناطق الزلازل والبراكين.
وتناول الباحث الجيولوجي أحمد سرداح الزبيدي هذه النظرية في محاولة لقراءة بعض الآيات القرآنية في ضوء المعرفة الجيولوجية. وبدأ تأمله بقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: 4]، متسائلاً عن إمكان الربط بين «القطع المتجاورات» والصفائح التي يتكون منها الغلاف الصخري للأرض.
توضح النظرية أن الغلاف الصخري ينقسم إلى صفائح كبيرة وأخرى أصغر، تختلف في أبعادها وسمكها، وتتحرك ببطء بالنسبة إلى بعضها. ويضم هذا الغلاف القشرة الأرضية والجزء العلوي الصلب من الوشاح. وقد تحتوي الصفيحة الواحدة على أجزاء قارية ومحيطية معاً؛ لذلك لا يصح تقسيم الصفائح دائماً إلى قارية خالصة ومحيطية خالصة. كذلك فإن القشرة المحيطية أعلى كثافة في المتوسط من القشرة القارية، خلافاً لما ورد في المقال الأصلي.
وتتنوع حركة الصفائح عند حدودها؛ فقد تتقارب أو تتباعد أو تنزلق بمحاذاة بعضها. وتساعد هذه الحركات على تفسير بناء الجبال وتكوّن قشرة محيطية جديدة، وحدوث كثير من الزلازل والنشاط البركاني، مع اختلاف النتائج بحسب طبيعة الحدود والصفائح المتفاعلة.
ويقع تحت الغلاف الصخري نطاق أكثر قابلية للتشوه والجريان البطيء، يعرف بالغلاف الموري أو «الأسثينوسفير». وهو ليس بحراً من الصهارة السائلة تطفو فوقه الصفائح؛ فصخوره صلبة في معظمها، لكنها تستطيع التشوه والجريان على مدى أزمنة طويلة بفعل الحرارة والضغط.
كما ينبغي التمييز بين تقسيم الأرض بحسب تركيبها إلى قشرة ووشاح ولب، وتقسيمها بحسب خواصها الميكانيكية. فالوشاح السفلي، الذي يُشار إليه في بعض التقسيمات بالميسوسفير، لا يمتد إلى مركز الأرض؛ إذ يقع تحته اللب، وله بنية وخصائص مختلفة.
وانتقل الباحث في تأمله إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88]، مقترحاً قراءتها في ضوء حركة الصفائح وما تحمله من جبال.
وهذا الربط يمثل اجتهاداً في التأمل، يحتاج إلى التمييز بين الدلالة التفسيرية للآية والمعلومة العلمية المستقلة. فحركة الجبال مع الصفائح تُدرس بالأدلة الجيولوجية، أما تحديد مراد الآية فيحتاج إلى النظر في سياقها وأقوال المفسرين، ولا يكفي التشابه اللفظي للجزم بأن النص يتحدث عن الظاهرة نفسها.
وينطبق هذا التحفظ أيضاً على عبارة «قطع متجاورات»؛ فسياق آية الرعد يتحدث عن الأرض والزروع والنخيل واختلاف الثمار مع وحدة الماء. وقد ورد في التفسير فهمها على أنها أراضٍ متجاورة تختلف في خصائصها وخصوبتها. ولذلك فإن ربطها بالصفائح التكتونية يظل قراءة مقترحة، لا تفسيراً وحيداً أو نتيجة علمية يثبتها النص مباشرة.
وحملت «صدى الروضتين» المقالة إلى مختصين في علوم الجيولوجيا، وكان من الذين أجابونا الدكتور إياد مشكور. وقد ركز تعقيبه، بحسب ما نقلناه حينها، على ضرورة الحذر من ربط الآيات بالنظريات العلمية ربطاً قطعياً، لأن المعرفة العلمية قابلة للمراجعة والتطوير، مع تقديره لمحاولة الباحث وعدم رؤيته تعارضاً بين ما طرحه والآية.
وتستحق هذه الملاحظة الوقوف عندها، مع توضيح أن «النظرية العلمية» لا تعني مجرد تخمين؛ فنظرية الصفائح التكتونية إطار تفسيري واسع تدعمه أدلة متعددة، وإن بقيت تفاصيله وآلياته مجالاً للبحث. والحذر المطلوب يتعلق بالجزم بتفسير الآية على أساسه، لا بالتقليل من مكانته العلمية.
لقد بقيت هذه المقالة في الذاكرة لأنها فتحت باباً للحوار بين التأمل القرآني والمعرفة الجيولوجية. ولعل قيمة الحوار تكمن في احترام أدوات كل مجال: نقرأ القرآن بتدبر ووعي بسياقه، وندرس الأرض بالملاحظة والقياس، ونميز بين إمكان الاستئناس بالمعلومة وبين القطع بأن الآية تقصدها.
✦ كتابات في الميزان ✦
توثق الحلقة نقاشاً مبكراً حول توظيف الجيولوجيا في التأمل القرآني.
وتبرز أهميتها في عرض رأي الباحث وتعقيب المختص، مع التمييز بين التفسير والاستئناس العلمي.
وتحتاج القراءة إلى دقة في وصف طبقات الأرض وحركة الصفائح، بعيداً عن الجزم بالمطابقة بين الآيات والنظرية.
كتب : ابن الخباز
في : 2026/10/04 أرسلت إلينا الأستاذة العلوية بشرى الحاج يوسف، في بدايات عام 2006، مقالاً عن نظرية الصفائح التكتونية، التي تبلورت بصورتها الحديثة خلال ستينيات القرن الماضي. وقد أسهمت هذه النظرية في تفسير ظواهر جيولوجية عديدة، منها تشكل السلاسل الجبلية والأحواض المحيطية وأقواس الجزر، وتوزيع مناطق الزلازل والبراكين.
وتناول الباحث الجيولوجي أحمد سرداح الزبيدي هذه النظرية في محاولة لقراءة بعض الآيات القرآنية في ضوء المعرفة الجيولوجية. وبدأ تأمله بقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: 4]، متسائلاً عن إمكان الربط بين «القطع المتجاورات» والصفائح التي يتكون منها الغلاف الصخري للأرض.
توضح النظرية أن الغلاف الصخري ينقسم إلى صفائح كبيرة وأخرى أصغر، تختلف في أبعادها وسمكها، وتتحرك ببطء بالنسبة إلى بعضها. ويضم هذا الغلاف القشرة الأرضية والجزء العلوي الصلب من الوشاح. وقد تحتوي الصفيحة الواحدة على أجزاء قارية ومحيطية معاً؛ لذلك لا يصح تقسيم الصفائح دائماً إلى قارية خالصة ومحيطية خالصة. كذلك فإن القشرة المحيطية أعلى كثافة في المتوسط من القشرة القارية، خلافاً لما ورد في المقال الأصلي.
وتتنوع حركة الصفائح عند حدودها؛ فقد تتقارب أو تتباعد أو تنزلق بمحاذاة بعضها. وتساعد هذه الحركات على تفسير بناء الجبال وتكوّن قشرة محيطية جديدة، وحدوث كثير من الزلازل والنشاط البركاني، مع اختلاف النتائج بحسب طبيعة الحدود والصفائح المتفاعلة.
ويقع تحت الغلاف الصخري نطاق أكثر قابلية للتشوه والجريان البطيء، يعرف بالغلاف الموري أو «الأسثينوسفير». وهو ليس بحراً من الصهارة السائلة تطفو فوقه الصفائح؛ فصخوره صلبة في معظمها، لكنها تستطيع التشوه والجريان على مدى أزمنة طويلة بفعل الحرارة والضغط.
كما ينبغي التمييز بين تقسيم الأرض بحسب تركيبها إلى قشرة ووشاح ولب، وتقسيمها بحسب خواصها الميكانيكية. فالوشاح السفلي، الذي يُشار إليه في بعض التقسيمات بالميسوسفير، لا يمتد إلى مركز الأرض؛ إذ يقع تحته اللب، وله بنية وخصائص مختلفة.
وانتقل الباحث في تأمله إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88]، مقترحاً قراءتها في ضوء حركة الصفائح وما تحمله من جبال.
وهذا الربط يمثل اجتهاداً في التأمل، يحتاج إلى التمييز بين الدلالة التفسيرية للآية والمعلومة العلمية المستقلة. فحركة الجبال مع الصفائح تُدرس بالأدلة الجيولوجية، أما تحديد مراد الآية فيحتاج إلى النظر في سياقها وأقوال المفسرين، ولا يكفي التشابه اللفظي للجزم بأن النص يتحدث عن الظاهرة نفسها.
وينطبق هذا التحفظ أيضاً على عبارة «قطع متجاورات»؛ فسياق آية الرعد يتحدث عن الأرض والزروع والنخيل واختلاف الثمار مع وحدة الماء. وقد ورد في التفسير فهمها على أنها أراضٍ متجاورة تختلف في خصائصها وخصوبتها. ولذلك فإن ربطها بالصفائح التكتونية يظل قراءة مقترحة، لا تفسيراً وحيداً أو نتيجة علمية يثبتها النص مباشرة.
وحملت «صدى الروضتين» المقالة إلى مختصين في علوم الجيولوجيا، وكان من الذين أجابونا الدكتور إياد مشكور. وقد ركز تعقيبه، بحسب ما نقلناه حينها، على ضرورة الحذر من ربط الآيات بالنظريات العلمية ربطاً قطعياً، لأن المعرفة العلمية قابلة للمراجعة والتطوير، مع تقديره لمحاولة الباحث وعدم رؤيته تعارضاً بين ما طرحه والآية.
وتستحق هذه الملاحظة الوقوف عندها، مع توضيح أن «النظرية العلمية» لا تعني مجرد تخمين؛ فنظرية الصفائح التكتونية إطار تفسيري واسع تدعمه أدلة متعددة، وإن بقيت تفاصيله وآلياته مجالاً للبحث. والحذر المطلوب يتعلق بالجزم بتفسير الآية على أساسه، لا بالتقليل من مكانته العلمية.
لقد بقيت هذه المقالة في الذاكرة لأنها فتحت باباً للحوار بين التأمل القرآني والمعرفة الجيولوجية. ولعل قيمة الحوار تكمن في احترام أدوات كل مجال: نقرأ القرآن بتدبر ووعي بسياقه، وندرس الأرض بالملاحظة والقياس، ونميز بين إمكان الاستئناس بالمعلومة وبين القطع بأن الآية تقصدها.
✦ كتابات في الميزان ✦
توثق الحلقة نقاشاً مبكراً حول توظيف الجيولوجيا في التأمل القرآني.
وتبرز أهميتها في عرض رأي الباحث وتعقيب المختص، مع التمييز بين التفسير والاستئناس العلمي.
وتحتاج القراءة إلى دقة في وصف طبقات الأرض وحركة الصفائح، بعيداً عن الجزم بالمطابقة بين الآيات والنظرية.
