لماذا سكتت مذحج عن دم هاني بن عروة؟
هذا التساؤل هو جزء من عدة تساؤلات حول التحولات السريعة التي جرت في الكوفة، فكيف انقلب المجتمع في الكوفة من الولاء للحسين (ع) الى جانب بني أمية.
وكيف صمتت مذحج عن دم زعيمها هاني بن عروة الذي قتله والي الكوفة ابن زياد ومثَّل بجثته، رغم أن المعروف عن العرب عدم السكوت عن ثأرهم خصوصا إذا كان القتيل من زعمائهم؟
وقبل أن أقدم تحليلا تاريخيا لما جرى، أقدم أولا عرضا لحقيقة تاريخية:
فقد كانت قبيلة مذحج من أقوى قبائل الكوفة وأكثرها عددا، وكان هاني بن عروة على الخصوص من أقوى الزعماء في الكوفة، قال المسعودي: ((وهو (أي هانئ) يومئذ يركب في اربعة آلاف دارع، وثمانية آلاف راجل، وإذا إجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع)) (1).
وقد كان لمقتل هاني بن عروة أثر كبير في جرأة أتباع بني أمية على قتل الحسين (ع) نفسه، فإن كانت السلطة تقتل شخصا يتبعه ثلاثون ألف شخص، ولا أحد منهم يحرك ساكنا، فماذا الذي يمنعهم من قتل الحسين (ع)؟
الدور الخياني المتبادل لشريح وعمرو بن الحجاج.
كان ابن زياد بعد أن استجلب هاني الى القصر، واستعرض وجهه بالعصى، وضربه على أنفه فكسره، ثم حبسه في أحد غرف القصر.
فجاءت مذحج وعليها عمرو بن الحجاج الزبيدي يطالبون بمعرفة مصير هاني، وهنا جرى تبادل للدور الخياني والخديعة الكبرى للجموع بين شريح القاضي، وبين عمرو بن الحجاج.
فابن الحجاج لم يكن يهمه مصير هاني، بل استغل فرصة التجمع لإعلان الولاء والطاعة للسلطة الأموية لدعم مركزه كزعيم للعشيرة بعد هاني، قال الشيخ المفيد (ره): ((وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل، فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم، ثم نادى: أنا عمرو بن الحجاج، وهذه فرسان مذحج ووجوهها، لم تخلع طاعة، ولم تفارق جماعة، وقد بلغهم أن صاحبهم قد قتل فأعظموا ذلك)) (2).
وهنا جاء دور الخائن الثاني والمخادع شريح القاضي الذي استخدم اسلوب التورية لفض الجماهير، حيث أمره ابن زياد بالدخول على هاني والنظر إليه، ثم إعلام قومه بأنه حي، قال الطبري: ((فلما خرجت (الكلام لشريح) إليهم قلت: إن الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم، أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه فأمرني أن ألقاكم وأن أعلمكم أنه حي، وأن الذي بلغكم من قتله كان باطلا)).
عاد دور إكمال مؤامرة فض الجماهير وتفريقها الى ابن الحجاج، الذي كان يبحث عن ذريعة لإسكات جماهير مذحج، قال الطبري في تكملة الخبر: ((فقال عمرو بن الحجاج وأصحابه: فأما إذا لم يقتل فالحمد لله، فانصرفوا)) (3).
والخلاصة: أن الرجل الثاني في مذحج عمرو بن الحجاج ورغم أن هاني ابن عمه وزوج اخته ورعة، إلا أن كان يريد التخلص من هاني فأعان ابن زياد عليه بتفريق مذحج.
علم هاني بالمؤامرة.
إن الجمع إذا تفرق يصعب جمعه مرة أخرى بنفس الحماسة والعدد، ولقد كان هاني على علم بما يجري في الخارج، لذلك حذَّر شريح القاضي أن يكون مساهما في تفريق جماهير مذحج المحيطة بالقصر. قال الطبري: ((وبلغ الخبر مذحج فأقبلوا فأطافوا بالدار وأمر عبيد الله بهانئ فألقي في بيت، وصيح المذحجيون، وأمر عبيد الله مهران أن يُدخل عليه شريحا، فخرج فأدخله عليه، ودخلت الشرط معه، فقال (هاني): يا شريح قد ترى ما يصنع بي. قال (شريح): أراك حيا! قال (هاني): وحي أنا مع ما ترى؟ أخبر قومي أنهم إن انصرفوا، قتلني)) (4). لكن شريح لم يخبر مذحج بتعرض هاني الى الضرب الشديد على وجهه وتبادل الدور مع ابن الحجاج لتفريق الجماهير.
اجراءات أمنية أخرى
ثم قامت السلطة بإجراءات أمنية كبيرة، شملت كل الكوفة ونواحيها، وهذا ما سأتحدث عنه في مقال قادم إن شاء الله.
الكاتب د عبد الهادي الطهمازي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1) مروج الذهب، ج3، ص59.
(2) الارشاد، ج2، ص50.
(3) تاريخ الطبري، ج4، ص275
هذا التساؤل هو جزء من عدة تساؤلات حول التحولات السريعة التي جرت في الكوفة، فكيف انقلب المجتمع في الكوفة من الولاء للحسين (ع) الى جانب بني أمية.
وكيف صمتت مذحج عن دم زعيمها هاني بن عروة الذي قتله والي الكوفة ابن زياد ومثَّل بجثته، رغم أن المعروف عن العرب عدم السكوت عن ثأرهم خصوصا إذا كان القتيل من زعمائهم؟
وقبل أن أقدم تحليلا تاريخيا لما جرى، أقدم أولا عرضا لحقيقة تاريخية:
فقد كانت قبيلة مذحج من أقوى قبائل الكوفة وأكثرها عددا، وكان هاني بن عروة على الخصوص من أقوى الزعماء في الكوفة، قال المسعودي: ((وهو (أي هانئ) يومئذ يركب في اربعة آلاف دارع، وثمانية آلاف راجل، وإذا إجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع)) (1).
وقد كان لمقتل هاني بن عروة أثر كبير في جرأة أتباع بني أمية على قتل الحسين (ع) نفسه، فإن كانت السلطة تقتل شخصا يتبعه ثلاثون ألف شخص، ولا أحد منهم يحرك ساكنا، فماذا الذي يمنعهم من قتل الحسين (ع)؟
الدور الخياني المتبادل لشريح وعمرو بن الحجاج.
كان ابن زياد بعد أن استجلب هاني الى القصر، واستعرض وجهه بالعصى، وضربه على أنفه فكسره، ثم حبسه في أحد غرف القصر.
فجاءت مذحج وعليها عمرو بن الحجاج الزبيدي يطالبون بمعرفة مصير هاني، وهنا جرى تبادل للدور الخياني والخديعة الكبرى للجموع بين شريح القاضي، وبين عمرو بن الحجاج.
فابن الحجاج لم يكن يهمه مصير هاني، بل استغل فرصة التجمع لإعلان الولاء والطاعة للسلطة الأموية لدعم مركزه كزعيم للعشيرة بعد هاني، قال الشيخ المفيد (ره): ((وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل، فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم، ثم نادى: أنا عمرو بن الحجاج، وهذه فرسان مذحج ووجوهها، لم تخلع طاعة، ولم تفارق جماعة، وقد بلغهم أن صاحبهم قد قتل فأعظموا ذلك)) (2).
وهنا جاء دور الخائن الثاني والمخادع شريح القاضي الذي استخدم اسلوب التورية لفض الجماهير، حيث أمره ابن زياد بالدخول على هاني والنظر إليه، ثم إعلام قومه بأنه حي، قال الطبري: ((فلما خرجت (الكلام لشريح) إليهم قلت: إن الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم، أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه فأمرني أن ألقاكم وأن أعلمكم أنه حي، وأن الذي بلغكم من قتله كان باطلا)).
عاد دور إكمال مؤامرة فض الجماهير وتفريقها الى ابن الحجاج، الذي كان يبحث عن ذريعة لإسكات جماهير مذحج، قال الطبري في تكملة الخبر: ((فقال عمرو بن الحجاج وأصحابه: فأما إذا لم يقتل فالحمد لله، فانصرفوا)) (3).
والخلاصة: أن الرجل الثاني في مذحج عمرو بن الحجاج ورغم أن هاني ابن عمه وزوج اخته ورعة، إلا أن كان يريد التخلص من هاني فأعان ابن زياد عليه بتفريق مذحج.
علم هاني بالمؤامرة.
إن الجمع إذا تفرق يصعب جمعه مرة أخرى بنفس الحماسة والعدد، ولقد كان هاني على علم بما يجري في الخارج، لذلك حذَّر شريح القاضي أن يكون مساهما في تفريق جماهير مذحج المحيطة بالقصر. قال الطبري: ((وبلغ الخبر مذحج فأقبلوا فأطافوا بالدار وأمر عبيد الله بهانئ فألقي في بيت، وصيح المذحجيون، وأمر عبيد الله مهران أن يُدخل عليه شريحا، فخرج فأدخله عليه، ودخلت الشرط معه، فقال (هاني): يا شريح قد ترى ما يصنع بي. قال (شريح): أراك حيا! قال (هاني): وحي أنا مع ما ترى؟ أخبر قومي أنهم إن انصرفوا، قتلني)) (4). لكن شريح لم يخبر مذحج بتعرض هاني الى الضرب الشديد على وجهه وتبادل الدور مع ابن الحجاج لتفريق الجماهير.
اجراءات أمنية أخرى
ثم قامت السلطة بإجراءات أمنية كبيرة، شملت كل الكوفة ونواحيها، وهذا ما سأتحدث عنه في مقال قادم إن شاء الله.
الكاتب د عبد الهادي الطهمازي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1) مروج الذهب، ج3، ص59.
(2) الارشاد، ج2، ص50.
(3) تاريخ الطبري، ج4، ص275


تعليق