النضج النفسي: أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يازهراء
    مشرفة قسم المجتمع

    • 23-05-2010
    • 2003

    #1

    النضج النفسي: أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت


    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد

    النضج النفسي: أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت
    ليس النضج النفسي في مجمله سوى قدرة العقل على ضبط ميزان الكلام والصمت؛ فهو الفارق الدقيق بين نطقٍ يشيّد البصيرة، وصمتٍ يحمي الروح من ويلات اللغو وندم الانفعال. في منظور القرآن الكريم وسيرة أهلي البيت (عليهم السلام)، لم يُنظر إلى الكلام أو الصمت كحالة عابرة، بل كفلسفة وجودية وأداة لتربية النفس وبناء الحكمة.
    ​أولاً: القرآن الكريم وميزان الكلمة والصمت
    ​يضع القرآن الكريم الحجر الأساس للنضج النفسي عبر بيان ثقل الكلمة وأثرها التكويني، حيث يقول عزّ وجل:
    ​﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (سورة ق: 18)
    ​إن استحضار هذه الآية يمنح النفس يقظة دائمة، فتنتقل الكلمة من مجرد هواء يخرج من الحنجرة إلى مسؤلية أخلاقية ونفسية. وفي موضع آخر، يضرب القرآن القيمة الرصينة للصمت التعبّدي والوقار عند مواجهة جهل الآخرين:
    ​﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (سورة الفرقان: 63)
    ​فالصمت هنا ليس ضعفاً ولا عجزاً، بل هو خيار الإعراض الذكي الذي يحمي سلامة الصدر من استدراج الجدال الفارغ.
    ​ثانياً: سيرة وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)
    ​تتجلى في رؤى وسلوك أهل البيت (ع) ملامح هذه الفلسفة النفسية، حيث قدّموا إرشادات دقيقة ترسم حدود الكلام والصمت متى وكيف يكون كل منهما عين الحكمة:
    ​1. الصمت كوعاء للتفكير والوقار
    ​عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):
    ​«إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلاَمُ»
    ​ويرسم الإمام علي (ع) المسار النفسي الصحيح لإنتاج الكلمة قبل خروجها، موضحاً الفرق بين العاقل والأحمق:
    ​«لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ»
    ​فالناضج نفسياً يمرر الكلمة على مصفاة الفكر والتأمل قبل النطق بها، بينما ينطق الجاهل بدفع من الانفعال اللحظي.
    ​2. متى يكون الكلام واجباً؟
    ​النضج لا يعني الانكفاء الدائم؛ فكما أن الصمت في موضع اللغو حكمة، فإن الكلام في موضع الحق شجاعة.
    يقول الإمام علي (عليه السلام):
    ​«لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْكَلاَمِ عَنِ الْجَهْلِ»
    ​فمتى ما كان الكلام نصحاً، أو دفاعاً عن مظلوم، أو نشراً للخير، صار الصمت حينها عجزاً وسلبية.
    ​3. الصمت كباب لراحة النفس والسلامة
    ​عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):
    ​«الصَّمْتُ كَنْزٌ وَافِرٌ، وَزَيْنُ الْحَلِيمِ، وَسِتْرُ الْجَاهِلِ»
    ​وعن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام):
    ​«إِنَّ الصَّمْتَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِكْمَةِ، إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ، إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ»
    ​ثالثاً: معالم ميزان النضج (متى تتكلم ومتى تصمت؟)​

    الموقف المطلوب ...الغاية النفسية والإيمانية
    عند الغضب والاندفاع....الصمت ضبط النفس ومنع الندم والتسرع
    عند الجدال مع الجاهل ...الصمت صيانة الكرامة وحفظ سلامة الصدر
    عند شهادة الحق أو النصيحة....الكلام أداء الأمانة ونشر الفضيلة
    عند غياب المعرفة بالشيء....الصمت وقاية من القول بغير علم
    عند مواساة مكروب أو رفع ظلم...الكلام جبر القلوب وإقامة العدل​

    إن النضج النفسي يكمن في امتلاك زمام اللسان؛ فتكون أنت صاحبه والآمر عليه، لا أن يكون هو القائد لانفعالاتك. الصمت عند الحاجة وقار وتأمّل، والكلام عند موقعه طاقة ووعي، وبينهما تتجلى بصيرة الإنسان العارف بنفسه وربه.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...