مارية العبدية... امرأة ناصرت الحسين بموقفها

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي حسين الخباز
    مشرف الساحة الادبية

    • 20-09-2010
    • 9349

    #1

    مارية العبدية... امرأة ناصرت الحسين بموقفها

    مارية العبدية... امرأة ناصرت الحسين بموقفها

    كتب : فاطمة السعيدي
    في : 2026/10/06 إن نصرة الإمام الحسين عليه السلام لا يحدها مكان ولا زمان، ولم تقتصر على الرجال دون النساء. فقد تعددت مواقف النساء في نصرة الحسين عليه السلام، منهن من حضرن أرض المعركة، ومنهن من قدمن الدعم المادي والمعنوي من بعيد، كما فعلت مارية العبدية التي لم تحضر كربلاء بجسدها، لكنها سجلت موقفًا خالدًا مع الحسين عليه السلام، حين دفعت بكلماتها ومواقفها رجالًا إلى حمل السلاح دفاعًا عن الحق.

    كانت مارية بنت منقذ العبدية امرأة ثرية موالية لأهل البيت عليهم السلام، من البصرة، من بني عبد القيس. وقد تمتعت أسرتها بمكانة مرموقة في المجتمع البصري، وكان مجلسها ملتقى لوجوه الشيعة وأشرافهم، يجتمعون في بيتها لتدارس الأوضاع السياسية السائدة.

    إن اتخاذ دار مارية مجلسًا للتباحث يثير تساؤلًا مهمًا: ما الذي دفع شيعة البصرة إلى اتخاذ بيت مارية مقرًّا لهم؟ والبصرة تضم العديد من قادة الشيعة وأنصار الإمام علي عليه السلام. لعل الجواب عن هذا التساؤل يعود لعدة عوامل، منها مكانتها الاجتماعية، وولاؤها المعروف لأهل البيت، وطبيعة نشاطها التجاري الذي يبعد الشبهة والشك عنها، وخصوصًا عند وجود والٍ في البصرة مثل عبيد الله بن زياد، الذي عُرف بحقده وكرهه لأمير المؤمنين وأنصاره. فالولاء لأهل البيت عليهم السلام قد يجر بصاحبه إلى السجن أو القتل في ذلك الوقت.

    إلا أن مارية دفعت ثمن ولائها مبكرًا. ففي معركة الجمل استُشهد زوجها وأبناؤها وهم يقاتلون إلى جانب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ورغم أن فقدهم كان مصابًا ثقيلًا، لم يغير ذلك موقفها، وزادها تمسكًا بالمبادئ التي استُشهدوا من أجلها. وجعلت مارية من بيتها منطلقًا لإعداد الأنصار وتهيئتهم لنصرة الحسين.
    يُروى أنها خاطبت من في مجلسها بعدما بلغها خبر رسائل الإمام الحسين عليه السلام إلى أهل البصرة، فقالت: «سمعت أن الحسين بن بنت نبيكم يستنصركم وأنتم لا تنصرونه». ثم أخذت تستنهض الهمم وتحث الرجال على تلبية النداء، وسخرت أموالها في خدمة الرسالة التي آمنت بها، فأسهمت في إعانة الراغبين بالالتحاق بالإمام الحسين عليه السلام، وزودتهم بما يحتاجون إليه وما يعينهم على السفر.

    ومن مجلسها خرج رجال كتب الله لهم الخلود في سجل كربلاء، ففي بيتها اجتمعت مجموعة من الموالين، بينهم يزيد بن نبيط وأولاده العشرة، فتشاوروا في أمر الخروج إلى الإمام الحسين عليه السلام، رغم العيون والجواسيس الذين نشرهم عبيد الله بن زياد على الطرق والمسالك. دعاهم يزيد بن نبيط إلى الخروج معه، وقال: «أيكم يخرج معي متقدمًا؟» فانتدب له اثنان من أولاده، عبد الله وعبيد الله، فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة:

    «إني قد أزمعت على الخروج، وأنا خارج، فمن يخرج معي؟ فقالوا له: إنا نخاف من أصحاب ابن زياد. فقال: إني والله أن لو قد استوت أخفافها بالجدد لهان عليّ طلب من طلبني».

    وصحبه خادمه عامر وسيف بن مالك والأدهم بن أمية، فوافوا الحسين بمكة. وقد تمكن يزيد بن نبيط من لقاء الإمام الحسين، ودار بينهما حديث:
    «وبلغ الحسين مجيئه، فجعل يطلبه... وجلس في رحله ينتظره، وجاء البصري فوجده في رحله جالسًا، فقال: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا. فسلم عليه وجلس إليه، فخبره بالذي جاء له، فدعا له بخير، ثم أقبل معه حتى أتى كربلاء، فقاتل معه، فقُتل هو وابناه».

    بلحاظ النصين السابقين، يُحتمل أن ليزيد بن نبيط كانت مهام، إذ أُلقيت على عاتقه مهمة نقل أخبار الاجتماع في بيت مارية، ونقل رسائل الولاء والطاعة للإمام الحسين. وإن انتظار سيد الشهداء يزيدَ بن نبيط لم يكن اعتباطًا، إنما يقع ضمن الحراك الذي قاده سيد الشهداء لتهيئة الأجواء والظروف السياسية والاجتماعية الملائمة لتغيير واقع أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعالجة الانحراف الأموي.

    فتواجد القيادات الشيعية في دار مارية العبدية كان يمثل الميدان السياسي والتثقيفي للإمام الحسين، فما بين إرسال يزيد بن نبيط بعد ذلك الاجتماع وما بين انتظار الإمام الحسين لابن نبيط، لا يُستبعد أنه يشير إلى إنجاز الأخير لمهمة في غاية الأهمية والسرية قد طلبها الإمام الحسين عليه السلام من قادة شيعة البصرة، وأُنيط أمر تبليغ إنجازها إلى ابن نبيط.

    لقد أدت مارية دورًا عظيمًا في حث قومها على نصرة إمام زمانهم، فكانت مثالًا للمرأة المؤمنة التي جمعت بين الوعي والشجاعة والبذل، وأسهمت في صناعة رجالٍ اختاروا الوقوف مع الحق في أحلك الظروف، لتؤكد أن المرء قد يلج الخلود بمواقفه في أي أرض كان وفي أي زمان.

    ✦ كتابات في الميزان ✦
    تستعرض الكاتبة دور السيدة مارية العبدية في دعم النهضة الحسينية، من خلال مجلسها وأموالها وحث الموالين على النصرة. وتقرأ اجتماع الأنصار في بيتها وخروج يزيد بن نبيط بوصفهما مؤشرين إلى نشاط سياسي وتثقيفي، مع طرح احتمال وجود مهمة سرية. ويبرز المقال أثر المرأة في صناعة الموقف، حتى حين لا تحضر ميدان المعركة.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...