سعيد بن جبير ناطق عن القرآن
كتب : محاسن غني النداف
في : 2026/10/06 حين تحمل القرآن في قلبك، فهذا يعني أنك تحمل مشعل ثورة؛ لأن منهج القرآن هو منهج الثائرين في وجه الظلم والجهل، وشعاره: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81).
من أديم تاريخ مشحون بالمواقف والصور، يصطحب الزمان صورًا لمشاهد تعكس الصراع الأزلي بين النور والظلمة. فالليل يسري ليلاقي الفجر، وهذا ثابت تكويني لا محيص عنه.
ولكن المؤسف في الأمر هو أن المُشاهد لتلك الصور يستغرق في ضياء النور وعتمة الظلمة، مأخوذًا بالمؤثرات العاطفية والحسية للمشهد، فلا يعود يلتفت إلى المضامين المدركية الكامنة وراء هذا المشهد وتلك الصورة، فيُضيّع على نفسه نعمة الاستقاء من نبع هذا المعين.
فمثلًا، في مشهد المجادلة التي دارت بين الصحابي الجليل سعيد بن جبير والطاغية الحجاج الثقفي، والتي كانت ولا تزال مثار إعجاب أرباب السير والمؤرخين، نرى فيه مشهدًا يرسم لنا ملامح وقوف جريء ومشرّف، يزهو بعزة المؤمنين التي وعدهم الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).
في قبالة طاغية جبار مثل الحجاج بن يوسف الثقفي، المعروف بقسوته الصارخة في تعذيب المعارضين، وخصوصًا أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
وكالعادة، فإن التركيز على مفردات الجدال سرق منا الانتفاع من لُب القضية، وهو: كيف جمع سعيد بن جبير بين بسالة الموقف وبلاغة الخطاب؟
وعودًا على بدء، نقول إن هذا هو شأن ربيب القرآن، إذ إنه كان ممن تعلموا الحديث على يد حبر الأمة عبد الله بن عباس، والأهم أنه كان من خلّص تلاميذ الإمام زين العابدين عليه السلام، فصار من كبار القراء والمفسرين والفقهاء في عصره.
وهذا يعني أن علومه كانت ممزوجة بحجية المعرفة بأهل البيت عليهم السلام، مما منحه رصيدًا لا ينضب من عنفوان المواجهة.
وكأن لسان حاله: «أولسنا على الحق؟ إذًا لا نبالي، أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا».
فالمتكلم لم يكن سعيد بن جبير، بل دينه وإيمانه وعقيدته الراسخة بأنه على الحق وأن خصمه على باطل. فجاءت أجوبته مفعمة بالدليل القاطع والحجة البينة.
مثلًا، عندما قال الحجاج: «بل أنت شقي بن كسير»، أجابه سعيد: «أمي كانت أعلم باسمي منك»؛ فهو، وإن كان ردًّا قصيرًا، إلا أنه مفحم لخصمه ومبطل لكلامه.
وعندما هدده الحجاج بالنار، قال: «لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا»؛ وفيه استدلال عقلي قوي مع إيجاز بليغ.
وعندما سُئل عن أهل الجنة والنار، أجاب بما يدل على الحكمة وعدم الخوض فيما لا يعلمه: «لو دخلتها، فرأيت أهلها لعرفت».
ولعل الجزء الأخير من الحوار هو الأكثر فاعلية في ترجمة الأثر القرآني في بناء شخصية الفرد المسلم، بناءً قوامه الإيمان بالله سبحانه والتسليم لأمره وحده.
فحين أمر به الحجاج ليقتلوه، طلب سعيد بن جبير أن يوجهوه إلى القبلة، وقال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض».
فقال الحجاج، لعنه الله: «شدوا به لغير القبلة».
قال سعيد: «فأينما تولوا فثم وجه الله».
قال: «كبوه لوجهه».
قال: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم».
قال: «اذبحوه».
قال: «إني أشهد وأحاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة».
ثم دعا سعيد وقال: «اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي». فذُبح على النطع.
وقيل إن الحجاج لم يلبث بعده طويلًا، وقيل عاش بعده خمس عشرة ليلة.
فهذا هو حال من يتخذ القرآن منهج حياة.
وقد ورد في سيرته أن الحجاج، المناصب العداء لأهل البيت، كان يمنح سعيد بن جبير المال ليشتري ولاءه، فينفقه على الفقراء، وهو يقول: «هذه من بركات الحسن والحسين عليهما السلام».
فكان، رضوان الله تعالى عليه، نعم المجاهد، الموالي لأهل البيت عليهم السلام، الناطق عن القرآن الكريم.
أما الحجاج، لعنة الله عليه، فسيظل عبرة لكل مكابر معاند للحق وأهل الحق.
✦ كتابات في الميزان ✦
تقرأ محاسن غني النداف موقف سعيد بن جبير أمام الحجاج من خلال أثر القرآن في بناء الثبات وبلاغة الحجة. وتدعو إلى تجاوز التأثر العاطفي بالحوار نحو تأمل الأساس المعرفي والإيماني الذي تستند إليه أجوبته. ويقدم النص نصرة الحق والتسليم لله بوصفهما محورين لفهم شجاعته في مواجهة الطغيان.
كتب : محاسن غني النداف
في : 2026/10/06 حين تحمل القرآن في قلبك، فهذا يعني أنك تحمل مشعل ثورة؛ لأن منهج القرآن هو منهج الثائرين في وجه الظلم والجهل، وشعاره: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81).
من أديم تاريخ مشحون بالمواقف والصور، يصطحب الزمان صورًا لمشاهد تعكس الصراع الأزلي بين النور والظلمة. فالليل يسري ليلاقي الفجر، وهذا ثابت تكويني لا محيص عنه.
ولكن المؤسف في الأمر هو أن المُشاهد لتلك الصور يستغرق في ضياء النور وعتمة الظلمة، مأخوذًا بالمؤثرات العاطفية والحسية للمشهد، فلا يعود يلتفت إلى المضامين المدركية الكامنة وراء هذا المشهد وتلك الصورة، فيُضيّع على نفسه نعمة الاستقاء من نبع هذا المعين.
فمثلًا، في مشهد المجادلة التي دارت بين الصحابي الجليل سعيد بن جبير والطاغية الحجاج الثقفي، والتي كانت ولا تزال مثار إعجاب أرباب السير والمؤرخين، نرى فيه مشهدًا يرسم لنا ملامح وقوف جريء ومشرّف، يزهو بعزة المؤمنين التي وعدهم الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).
في قبالة طاغية جبار مثل الحجاج بن يوسف الثقفي، المعروف بقسوته الصارخة في تعذيب المعارضين، وخصوصًا أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
وكالعادة، فإن التركيز على مفردات الجدال سرق منا الانتفاع من لُب القضية، وهو: كيف جمع سعيد بن جبير بين بسالة الموقف وبلاغة الخطاب؟
وعودًا على بدء، نقول إن هذا هو شأن ربيب القرآن، إذ إنه كان ممن تعلموا الحديث على يد حبر الأمة عبد الله بن عباس، والأهم أنه كان من خلّص تلاميذ الإمام زين العابدين عليه السلام، فصار من كبار القراء والمفسرين والفقهاء في عصره.
وهذا يعني أن علومه كانت ممزوجة بحجية المعرفة بأهل البيت عليهم السلام، مما منحه رصيدًا لا ينضب من عنفوان المواجهة.
وكأن لسان حاله: «أولسنا على الحق؟ إذًا لا نبالي، أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا».
فالمتكلم لم يكن سعيد بن جبير، بل دينه وإيمانه وعقيدته الراسخة بأنه على الحق وأن خصمه على باطل. فجاءت أجوبته مفعمة بالدليل القاطع والحجة البينة.
مثلًا، عندما قال الحجاج: «بل أنت شقي بن كسير»، أجابه سعيد: «أمي كانت أعلم باسمي منك»؛ فهو، وإن كان ردًّا قصيرًا، إلا أنه مفحم لخصمه ومبطل لكلامه.
وعندما هدده الحجاج بالنار، قال: «لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا»؛ وفيه استدلال عقلي قوي مع إيجاز بليغ.
وعندما سُئل عن أهل الجنة والنار، أجاب بما يدل على الحكمة وعدم الخوض فيما لا يعلمه: «لو دخلتها، فرأيت أهلها لعرفت».
ولعل الجزء الأخير من الحوار هو الأكثر فاعلية في ترجمة الأثر القرآني في بناء شخصية الفرد المسلم، بناءً قوامه الإيمان بالله سبحانه والتسليم لأمره وحده.
فحين أمر به الحجاج ليقتلوه، طلب سعيد بن جبير أن يوجهوه إلى القبلة، وقال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض».
فقال الحجاج، لعنه الله: «شدوا به لغير القبلة».
قال سعيد: «فأينما تولوا فثم وجه الله».
قال: «كبوه لوجهه».
قال: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم».
قال: «اذبحوه».
قال: «إني أشهد وأحاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة».
ثم دعا سعيد وقال: «اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي». فذُبح على النطع.
وقيل إن الحجاج لم يلبث بعده طويلًا، وقيل عاش بعده خمس عشرة ليلة.
فهذا هو حال من يتخذ القرآن منهج حياة.
وقد ورد في سيرته أن الحجاج، المناصب العداء لأهل البيت، كان يمنح سعيد بن جبير المال ليشتري ولاءه، فينفقه على الفقراء، وهو يقول: «هذه من بركات الحسن والحسين عليهما السلام».
فكان، رضوان الله تعالى عليه، نعم المجاهد، الموالي لأهل البيت عليهم السلام، الناطق عن القرآن الكريم.
أما الحجاج، لعنة الله عليه، فسيظل عبرة لكل مكابر معاند للحق وأهل الحق.
✦ كتابات في الميزان ✦
تقرأ محاسن غني النداف موقف سعيد بن جبير أمام الحجاج من خلال أثر القرآن في بناء الثبات وبلاغة الحجة. وتدعو إلى تجاوز التأثر العاطفي بالحوار نحو تأمل الأساس المعرفي والإيماني الذي تستند إليه أجوبته. ويقدم النص نصرة الحق والتسليم لله بوصفهما محورين لفهم شجاعته في مواجهة الطغيان.
