قوة الجوارح وقوة الجوانح

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يازهراء
    مشرفة قسم المجتمع

    • 23-05-2010
    • 1999

    #1

    قوة الجوارح وقوة الجوانح


    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد

    الإنسان لا ينهض بجسدٍ قويّ وحده، ولا بروحٍ متحمسة وحدها
    ليس كل من امتلك جسدًا قويًا كان قادرًا على مواجهة الحياة، وليس كل من امتلك أمنياتٍ كبيرة كان قادرًا على تحقيقها.
    فكم من إنسانٍ كان قويَّ البدن، لكنه ضعيف أمام شهوته، عاجز أمام خوفه، مستسلم أمام أول عقبة!
    وكم من إنسانٍ لم يكن يملك القوة الجسدية الخارقة، لكنه امتلك قلبًا ثابتًا، وإرادةً صلبة، ويقينًا بالله، فوقف حيث تراجع الآخرون، وصبر حيث انهاروا، واستمر حيث استسلموا.
    ولهذا فإن الإنسان حين يريد أن يحمل مسؤولية، أو يطلب علمًا، أو يربي أبناءً، أو يواجه مرضًا، أو يبني مشروعًا، أو يسلك طريقًا إلى الله، يحتاج إلى نوعين من القوة:
    قوة الجوارح، وقوة الجوانح.
    قوة الجوارح أن يكون بدنه قادرًا على الحركة والتحمل والعمل.
    وقوة الجوانح أن تكون روحه قادرة على العزم والاستمرار والمقاومة.
    والإنسان الناجح هو الذي يجعل الجسد خادمًا للروح، والروح متصلة بالله.
    أولًا: القرآن لا يريد إنسانًا ضعيفًا مستسلمًا
    عندما أراد الله سبحانه أن يختار طالوت لقيادة بني إسرائيل، لم يذكر لهم المال والثروة والجاه، وإنما ذكر أمرين عظيمين:
    ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾
    البقرة: 247.
    تأملوا:
    العلم والجسم.
    وكأن القيادة تحتاج إلى عقلٍ يعرف، وجسدٍ يستطيع أن يتحمل.
    فليس المطلوب أن يكون الإنسان قويًا بدنيًا فقط، ولا عالمًا بلا قدرة على العمل، وإنما المطلوب أن تتكامل فيه القدرة والمعرفة.
    ولهذا قال الله تعالى:
    ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
    القصص: 26.
    لاحظوا التعبير القرآني:
    القوي... الأمين.
    لم يقل: الغني، ولا المشهور، ولا صاحب المكانة.
    بل جمع بين القوة والكفاءة وبين الأمانة والقيمة الأخلاقية.
    فالقوة وحدها لا تكفي.
    قد يكون الإنسان قويًا، لكنه يستخدم قوته في ظلم الآخرين.
    وقد يكون ذكيًا، لكنه يستخدم ذكاءه في الخداع.
    وقد تكون له إرادة قوية، لكنه يسير بها في طريق خاطئ.
    لذلك القوة الحقيقية في المنظور الإيماني ليست أن تستطيع فعل كل شيء، وإنما أن تستطيع فعل ما ينبغي فعله، وأن تستطيع ترك ما ينبغي تركه.
    ثانيًا: قوة الروح تبدأ من الإرادة
    هناك معارك لا تحتاج فيها إلى عضلات، وإنما تحتاج إلى قرار.
    معركة أن تقوم لصلاة الفجر وأنت متعب.
    معركة أن تضبط لسانك وأنت غاضب.
    معركة أن تكمل دراستك وأنت فاقد للحماس.
    معركة أن تربي أبناءك بالصبر وأنت مستنزف.
    معركة أن تترك معصيةً اعتدت عليها.
    معركة أن تنهض بعد الفشل بدل أن تقول: انتهيت.
    هذه كلها معارك جوانح قبل أن تكون معارك جوارح.
    ولهذا كان من أعظم ما يحتاجه الإنسان: أن يتعلم كيف يقود نفسه.
    وقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن المؤمن الحقيقي بقوله:
    «الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ، وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ، أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْرًا، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْسًا... شَكُورٌ صَبُورٌ... نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ، وَهُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ».
    وهذا النص يكشف لنا شيئًا عظيمًا:
    المؤمن ليس إنسانًا بلا مشاعر أو تعب.
    بل قد يحزن، ويتألم، ويتعب...
    لكن ألمه لا يسلبه قراره، وتعبه لا يجعله يتخلى عن طريقه.
    وهذه هي قوة الروح.
    ثالثًا: القوة ليست أن لا تتعب!
    وهذه فكرة مهمة جدًا.
    أحيانًا نظن أن الإنسان القوي هو الذي لا يقول: تعبت.
    وهذا غير صحيح.
    القوة ليست غياب التعب.
    القوة أن تتعب، ثم تعرف كيف تستعيد توازنك وتواصل الطريق.
    أن تبكي، ثم تمسح دموعك.
    أن تفشل، ثم تتعلم.
    أن تخاف، ثم لا تجعل الخوف يقودك.
    أن تمر بظرف صعب، ثم تقول:
    "سأفعل ما أستطيع، والله معي."
    فالقرآن لا يطلب منك أن تكون آلة لا تتعب، بل يعلمك كيف تتعامل مع ضعفك.
    قال تعالى:
    ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾
    النساء: 28.
    ولكن ضعف الإنسان ليس دعوة للاستسلام.
    بل دعوة لأن يعرف الإنسان مصدر قوته الحقيقي.
    أنا ضعيف بنفسي، قوي بالله.
    رابعًا: القوة الحقيقية ليست استقلالًا عن الله
    وهنا نصل إلى النقطة الأجمل.
    حين نقول: "كن قويًا"، لا نعني:
    أنا أستطيع كل شيء وحدي.
    بل المؤمن يقول:
    أنا أبذل قوتي، وأستمد القوة من الله.
    ولهذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير:
    «لا حول ولا قوة إلا بالله»
    «إِنَّا لَا نَمْلِكُ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَمْلِكُ إِلَّا مَا مَلَّكَنَا، فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا، وَمَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا».
    أي أن الإنسان يعمل ويجتهد ويتحمل المسؤولية، لكنه لا يغتر بقوته؛ لأنه يعلم أن كل قوة عنده هي من الله.
    وهذا هو الفرق بين القوي المتوكل والقوي المغرور.
    خامسًا: الجسد يحتاج إلى العناية لأنه أداة الروح
    من الخطأ أن يتعامل الإنسان مع جسده وكأنه لا قيمة له.
    الجسد أمانة.
    وبه نصلي، وبه نعمل، وبه نخدم أهلنا، وبه نطلب العلم، وبه نساعد المحتاج.
    ولهذا نجد في تراث أهل البيت عليهم السلام عناية واضحة بالصحة والقدرة.
    وفي دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام نقرأ:
    «وَامْنُنْ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ وَالْأَمْنِ وَالسَّلَامَةِ فِي دِينِي وَبَدَنِي، وَالْبَصِيرَةِ فِي قَلْبِي، وَالنَّفَاذِ فِي أُمُورِي... وَالْقُوَّةِ عَلَى مَا أَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ طَاعَتِكَ، وَالِاجْتِنَابِ لِمَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِكَ».
    انظروا إلى جمال الدعاء:
    الصحة في البدن، والبصيرة في القلب، والقوة على الطاعة.
    فهو لا يفصل بين الجسد والروح.
    الصحة تخدم الرسالة، والقلب يقود الجسد، والطاعة هي الغاية.
    لكن هل الإرادة تولد قوية؟ وكيف نبنيها؟ ومتى تظهر القوة الحقيقية؟ وهل القوة تعني القسوة؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يكون قويًا من غير أن يظلم أو يتسلط؟
    هذا ما سنكتشفه في الجزء الثاني...
    التعديل الأخير تم بواسطة يازهراء; الساعة يوم أمس, 07:21 PM.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...