بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
تحدثنا في الجزء الأول عن أن الإنسان يحتاج إلى قوتين:
قوة الجوارح التي تعينه على العمل والتحمل، وقوة الجوانح التي تمنحه الإرادة والثبات.
لكن السؤال الأهم:
كيف أبني هذه القوة؟
وهل الإرادة شيء يولد معنا، أم يمكن أن نتعلمه وندرب أنفسنا عليه؟
سادسًا: الإرادة لا تولد كبيرة... بل تُدرَّب
وهذه قاعدة تربوية مهمة جدًا:
لا أحد يولد بإرادة فولاذية.
الإرادة تنمو بالممارسة.
حين تقول لنفسك:
سأبدأ وأكمل.
ثم تفعل.
وحين تقول:
سأترك هذا الأمر لله.
ثم تتركه.
وحين تتعب وتقول:
سأرتاح قليلًا، لكنني لن أستسلم.
ثم تعود.
كل مرة تفعل فيها ذلك، أنت تبني عضلة داخلية اسمها:
الإرادة.
ولهذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إِنَّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ الْقَلِيلَ عَلَى الْيَقِينِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ».
فليست القضية أن تبدأ بقوة هائلة ثم تتوقف.
القضية أن تبني في نفسك استمرارية.
قليل دائم...
يصنع إنسانًا مختلفًا.
سابعًا: القوة الحقيقية تظهر عندما تأتي الظروف الصعبة
في الظروف السهلة، يستطيع الجميع أن يقول:
أنا قوي.
لكن من أنت عندما تتعقد الأمور؟
من أنت عندما لا تسير الحياة كما تريد؟
من أنت عندما تتأخر النتائج؟
من أنت عندما لا يشكرك أحد؟
من أنت عندما تتعب ولا يرى أحد تعبك؟
هنا تظهر قوة الجوانح.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
الأنفال: 46.
لاحظوا العلاقة العجيبة:
النزاع → الفشل → ذهاب القوة.
ثم:
الصبر → معية الله.
فقد يخسر الإنسان قوته قبل أن يخسر المعركة، عندما يفقد صبره وإرادته.
ثامنًا: لا تنتظر أن تشعر بالقوة حتى تبدأ
من أكبر الأخطاء أن يقول الإنسان:
"عندما أشعر بالحماس سأبدأ."
لا.
أحيانًا تبدأ أولًا، ثم يأتي الحماس بعد ذلك.
تقوم من فراشك وأنت لا تريد.
تفتح كتابك وأنت لا تشعر بالرغبة.
تبدأ الرياضة وأنت كسول.
تعتذر وأنت مجروح.
تسامح وأنت قادر على الانتقام.
تغلق باب المعصية وأنت تشتهيها.
هذه اللحظات الصغيرة هي التي تصنع الإنسان القوي.
فالإنسان لا يبني إرادته عندما تكون الأمور سهلة.
إنما يبنيها عندما يقول لنفسه: أستطيع أن أطيع الحق حتى عندما لا تشتهي نفسي ذلك.
تاسعًا: حتى المجتمع يحتاج إلى أصحاب القوة
القوة ليست قضية فردية فقط.
نحن بحاجة إلى أم قوية في تربيتها.
وأب قوي في مسؤوليته.
وشاب قوي أمام الشهوات.
وفتاة قوية أمام ضغط المجتمع.
وطالب قوي أمام الكسل.
وعالم قوي أمام التنازل عن الحق.
ومؤمن قوي أمام اليأس.
ولهذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ».
أي إن الإنسان الصالح لا يعيش قوته لنفسه فقط؛ بل يمكن أن يكون سببًا في تقوية الآخرين.
فربما كلمة منك تجعل إنسانًا ينهض.
وربما موقف منك يمنح إنسانًا شجاعة.
وربما صبرك أمام أبنائك يعلمهم الصبر أكثر من ألف محاضرة.
عاشرًا: القوة الحقيقية ليست قسوة
وهنا يجب أن نفرق.
القوة ليست صراخًا.
وليست تسلطًا.
وليست أن تكسر الآخرين.
وليست أن لا تعتذر.
وليست أن تقول: "أنا هكذا ولا يهمني أحد."
هذه ليست قوة.
هذه أحيانًا صورة من صور الضعف.
القوي حقًا هو الذي يستطيع أن يضبط غضبه.
يستطيع أن يقول "لا".
ويستطيع أن يقول "نعم".
يستطيع أن يعترف بخطئه.
يستطيع أن يعتذر.
يستطيع أن يترك شيئًا يحبه إذا كان يغضب الله.
يستطيع أن يصبر حين يكون الانفجار أسهل.
ولهذا رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام في وصف المؤمن:
«إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمٍ وَلَا بَاطِلٍ، وَإِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ، وَإِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ».
هذه هي القوة التي نريدها:
قوة لا تظلم.
إذن... كيف أبني قوة الجوارح والجوانح؟
ابدأ بخمس خطوات:
1. قوِّ بدنك
نم بشكل كافٍ، تحرك، مارس الرياضة، تناول طعامًا نافعًا، ولا تجعل جسدك مهملًا.
2. قوِّ إرادتك
كل يوم اختر شيئًا صغيرًا لا ترغب به، وافعلْه لأنك قررت ذلك.
3. قوِّ قلبك باليقين
لا تجعل نتيجة اليوم هي التي تحدد نظرتك إلى المستقبل.
4. درّب نفسك على الصبر
لا تستجب فورًا لكل غضب، ولا لكل رغبة، ولا لكل إحباط.
5. اربط قوتك بالله
قل:
"يا رب، أنا أبذل ما أستطيع، فأمددني بقوتك."
فالقوة التي تنفصل عن الله قد تتحول إلى غرور.
أما القوة التي تتصل بالله، فتصبح طاعةً ومسؤوليةً ورحمة.
وأجمل ما في الأمر...
أن الإنسان لا يحتاج أن يصبح خارقًا حتى يكون قويًا.
يكفي أن يصبح اليوم أقوى قليلًا من الأمس.
أن يكون أكثر صبرًا.
أكثر انضباطًا.
أكثر قدرة على ضبط نفسه.
أكثر تحملًا للمسؤولية.
أكثر عناية ببدنه.
أكثر ثباتًا عند الشدائد.
أكثر يقينًا بالله.
فلا تقل:
"أنا ضعيف."
قل:
"أنا في طريق بناء القوة."
ولا تقل:
"إرادتي ضعيفة."
قل:
"إرادتي عضلة، وسأدرّبها."
ولا تقل:
"لا أستطيع."
قل:
"سأبذل وسعي، وما عجزت عنه أستعين فيه بالله."
فقد لا تستطيع تغيير العالم اليوم...
لكن تستطيع أن تغيّر استجابتك له.
وتستطيع أن تجعل جسدك أقوى، وقلبك أثبت، وعقلك أوعى، وإرادتك أصلب.
وحين تتكامل هذه القوى، يصبح الإنسان قادرًا على حمل الرسالة التي يريدها الله منه.
قوة في الجوارح... وقوة في الجوانح... وقبل كل ذلك: قلبٌ متصل بالله.
وهنا فقط تتحول القوة من مجرد قدرةٍ على الفعل...
إلى قدرةٍ على فعل الصواب.
والخلاصة التي تستحق أن تبقى في القلب:
ليس القوي من يستطيع أن يفعل كل ما يريد،
بل القوي من يستطيع أن يفعل ما ينبغي،
وأن يترك ما لا ينبغي،
وأن يستمر في الطريق عندما تتعب الجوارح،
لأن الجوانح ما زالت تقول:
"إنَّ اللهَ معي... فلن أستسلم."
