بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
من أدقّ الآفات التي قد تصيب الإنسان من غير أن يشعر: أن يعتاد الضيق حتى يصبح الضيق عنده هو الحالة الطبيعية، فلا يعود يسأل: هل يمكن أن أرى هذه الحياة بطريقة أوسع؟
الإنسان قد يعتاد ضيق أفقه
في البداية يكون ضيق الأفق حالة عابرة.
مشكلة تحدث، موقف يؤلم، شخص يخذله، أمر لا يجري كما يريد… فيتركّز نظره على هذا الشيء حتى يبدو له كأنه كل الحياة.
ثم يتكرر الأمر.
فيبدأ العقل بالتعود على طريقة معينة في النظر:
يرى ما ينقصه أكثر مما يراه مما عنده.
يرى المشكلة أكثر مما يرى الإمكان.
يرى الباب المغلق ولا يلتفت إلى الأبواب الأخرى.
يرى تأخر الإجابة ولا يرى النعم الموجودة الآن.
يرى عيوب الناس ولا يرى جوانب الخير فيهم.
يرى يومه المثقل ولا يرى كم من النعم يحملها هذا اليوم.
وهنا المشكلة ليست في العين، وإنما في زاوية الرؤية.
فالإنسان قد يعيش وسط عشرات النعم، لكن وعيه محصور في نعمة واحدة لم يحصل عليها.
وقد يكون محاطًا بأشخاص يحبونه، لكنه مشغول بمن لم يقدّر محبته.
وقد يكون سليمًا معافى، يأكل ويشرب وينام ويستطيع الحركة والكلام والتفكير، لكن قلبه مشغول بشيء واحد لم يكتمل.
وهكذا لا تُسلب النعمة منه، وإنما يُسلب شعوره بها.
ومن هنا يأتي ضيق الصدر المعنوي
ضيق الصدر المعنوي ليس أن يكون الإنسان حزينًا يومًا أو متعبًا نفسيًا؛ فهذه طبيعة بشرية.
إنما الخطر أن يتحول الضيق إلى طريقة ثابتة في استقبال الحياة.
كل شيء يصبح ثقيلًا.
الكلمة تُفسَّر بأسوأ معنى.
الموقف الصغير يكبر.
الاختلاف يصبح إساءة.
التأخر يصبح حرمانًا.
الابتلاء يصبح علامة على أن الحياة ضده.
خطأ واحد يطغى على عشرات الأمور الجميلة.
وكأن النفس تقول:
«لن أرى إلا ما يؤلمني.»
ومع الوقت يصبح الإنسان لا يحتاج إلى سبب كبير حتى يضيق؛ لأن داخله أصبح مهيأً لرؤية الضيق.
والأخطر: أن تضيق زاوية التفكير
أحيانًا لا تكون المشكلة في الحدث نفسه، بل في التفسير الوحيد الذي أعطيناه للحدث.
مثلاً:
حدث أمر لم يعجبني.
العقل الضيق يقول:
انتهى الأمر، لا فائدة، لن يتغير شيء.
أما العقل الأوسع فيقول:
لم يعجبني ما حدث، لكن ماذا يمكنني أن أفعل الآن؟ ماذا يمكن أن أتعلم؟ هل هناك احتمال آخر لم أره؟
الأول يرى نقطة واحدة.
والثاني يرى المشهد كله.
ولهذا قد يكون شخصان في الظروف نفسها تمامًا، لكن أحدهما يعيش في سعة والآخر يعيش في اختناق؛ لأن الفرق أحيانًا ليس في مقدار ما يملكان، بل في مقدار ما يبصران.
ثم يأتي ضيق البصيرة
وهذا أعمق.
قد يرى الإنسان الأشياء بعينيه لكنه لا يرى معانيها.
يرى البيت، ولا يرى نعمة السكن.
يرى الأسرة، ولا يرى نعمة الأنس.
يرى الطعام، ولا يرى نعمة الرزق.
يرى صحته، ولا يرى نعمة العافية.
يرى أبناءه ومشاغلهم، ولا يرى أن وجودهم نفسه نعمة عظيمة.
يرى أن يومه مليء بالمسؤوليات، ولا يرى أن الله أعطاه القدرة على القيام بها.
وهنا نتذكر قول الله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
إبراهيم: 34
لاحظي التعبير القرآني: لا تُحصوها.
ليس فقط أن نعم الله كثيرة؛ بل إن الإنسان عاجز أصلًا عن الإحاطة بها.
فكم نعمة نستخدمها كل لحظة ولا نشعر بها؟
نعمة التنفس.
نعمة السمع.
نعمة القدرة على الحركة.
نعمة العقل.
نعمة الأمن.
نعمة وجود من نحب.
نعمة أن نستطيع أن نعود إلى الله بعد الخطأ.
نعمة أن هناك في حياتنا أشياء لم نفقدها أصلًا، ولذلك لم نتعلم تقديرها.
الاعتياد أخطر من الحرمان أحيانًا
لأن الإنسان إذا حُرم شيئًا يعرف أنه محروم منه.
أما النعمة التي اعتادها، فقد تتحول في نظره من نعمة إلى شيء عادي.
فيستيقظ صباحًا فلا يقول: الحمد لله أنني استيقظت.
يرى أبناءه فلا يشعر أن وجودهم هبة.
يجلس في بيته فلا ينتبه إلى نعمة البيت.
يشرب الماء فلا يستشعر أنه رزق.
تأتيه فرصة فيعتادها.
يُحَبّ فيعتاد الحب.
تُفتح له أبواب فيعتاد الفتح.
حتى تصبح النعم الكثيرة خلفية صامتة لحياته، بينما يأخذ النقص مساحة الشاشة كاملة!
وهذا يحتاج إلى يقظة.
لأن كثرة النعم لا تعني بالضرورة كثرة الشعور بها.
لذلك من أجمل أعمال القلب: توسيع زاوية النظر
عندما يضيق صدرك من أمر ما، لا تسأل فقط:
«لماذا حدث لي هذا؟»
اسأل:
«ماذا يوجد في حياتي الآن ولم أنتبه إليه؟»
وعندما تقول:
«لماذا لا أملك هذا؟»
اسأل:
«ماذا أملك وقد أصبح في عيني شيئًا عاديًا؟»
وعندما تقول:
«كل شيء متعب.»
اسأل:
«هل كل شيء فعلًا؟ أم أن شيئًا واحدًا متعبني فغطّى على بقية الأشياء؟»
هذا السؤال وحده قد يغيّر زاوية النظر كلها.
وأجمل ما في السعة أنها لا تحتاج دائمًا إلى تغيير الظروف
قد لا تستطيع تغيير المشكلة فورًا.
لكن تستطيع أن تمنع المشكلة من أن تحتل كامل مجال رؤيتك.
يمكن أن يكون عندك همّ، ومع ذلك عندك نعم.
يمكن أن تبكي، ومع ذلك تكون ممتنًا.
يمكن أن تتعب، ومع ذلك ترى الخير.
يمكن أن تتمنى شيئًا لم تحصل عليه، ومع ذلك لا تعمى عن الأشياء التي حصلت عليها.
السعة ليست أن تخلو حياتك من الألم؛
السعة أن لا تسمح للألم أن يختصر لك الحياة كلها.
وهذه، في نظري، من أجمل صور البصيرة:
أن ترى الجرح، لكن لا تنسى الجسد كله.
أن ترى المشكلة، لكن لا تنسى النعم.
أن ترى ما فقدت، لكن لا تنسى ما بقي.
أن ترى ما لم يأتِ، لكن لا تغفل عما أتاك.
أن ترى بابًا أُغلق، لكن لا تفترض أن الله أغلق الحياة كلها.
فالإنسان الواسع ليس إنسانًا لا يتألم، وإنما هو إنسان لا يسمح لألمه أن يصنع له عدسة يرى العالم كله من خلالها.
وأحيانًا يكون أعظم تغيير نحتاجه في حياتنا ليس أن تتغير الحياة حولنا، وإنما أن تتسع النافذة التي ننظر منها إلى الحياة.
