بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾[1].
إن هذه الأقصوصة تأخذ سمة الاستقلال والتداخل في آن واحد.
أما استقلالها فيتمثل في كون بطلها ذا شخصية يستقل النص برسمها في هذه السورة.
إنه بطل يضطلع بمهمة النبوة.
وأما تداخلها مع قصة زكريا فلأن البطل هنا (وهو المولود الذي وهبه الله لزكريا بناء على دعائه) قد جسّد البشارة التي استهلت القصة الأولى بها.
وأيا كان، فإن أقصوصة يحيى تطرح جملة من الدلالات، مرتبطة بالعمارة الفنية للسورة.
فقد طلب زكريا من الله أن يهبه غلاما رضيا، وها هو المولود لم يجسد الرضا من قبل الله تعالى بل جعله نبيا، أكثر من ذلك قد آتاه الله الحكم صبيا.
عن يزيد الكناسي، قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام: ((أكان عيسى بن مريم عليه السّلام - حين تكلّم في المهد - حجّة الله على أهل زمانه؟ فقال: «كان يومئذ نبيّا حجّة الله غير مرسل. أما تسمع لقوله، حين قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ...﴾. قلت: فكان يومئذ حجّة لله على زكريّا في تلك الحال، وهو في المهد؟ فقال: «كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلّم، فعبّر عنها، وكان نبيّا حجّة على من سمع كلامه في تلك الحال. ثمّ صمت، فلم يتكلّم حتّى مضت له سنتان. وكان زكريّا الحجّة لله عزّ وجلّ على الناس بعد صمت عيسى بسنتين. ثمّ مات زكريّا، فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة، وهو صبيّ صغير. أما تسمع لقوله عزّ وجلّ: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ...﴾، فلمّا بلغ عيسى عليه السّلام سبع سنين تكلّم بالنبوّة والرسالة حين أوحى الله تعالى إليه. فكان عيسى الحجّة على يحيى وعلى الناس أجمعين))[2].
وإذا أخذنا بالتفسير القائل بأن الحكم يقصد به مجرد الفهم والعقل للكتاب الذي أمر الله عن أن يأخذه بقوة، فحينئذ يظل مفهوم الرضا عند الله متجسدا بدوره في هذه الظاهرة، ففي الحالين ثمة ارتباط فيما بين لأقصوصة الأولى زكريا والأقصوصة الأخرى يحيى.
الدلالة الأخرى التي تحملها هذه الأقصوصة من حيث ارتباطها بعمارة السورة هي: مفهوم الرحمة التي استهلت بها السورة ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾. فها هي الرحمة ترسم هنا في قصة يحيى من خلال قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا..﴾[3].
الدلالة الثالثة التي تحملها أقصوصة يحيى هي مجموعة السمات التي تجسد من جانب مفهوم الرضا الذي التمسه زكريا من الله بالنسبة للوارث، ويجسد من جانب آخر رسما لسمات عامة تستهدف الآية توصيلها إلى المتلقي كي يفيد منها في تعديل سلوكه.
الدلالات هي: التقى، برّ الوالدين. التواضع، الطاعة، ثمّ: السلام الذي وهبه الله تعالى ليحيى (عليه السلام) يوم ولد، يوم يموت، يوم يبعث حيّا.
أما الدلالات أو السمات المتمثلة في التقى، والبرّ، والتواضع والطاعة، فإنها مفاهيم إذا كان ارتباطها بالشخصية المنتخبة من قبل الله تعالى وبالموقع الاجتماعي الذي تحتله أمرا لا مناص منه، فإن اكتسابها والتدريب عليها من قبل الشخصية المؤمنة يظل أمرا له ضرورته العبادية دون أدنى شك ما دمنا جميعا مطالبين بالالتزام بمبادئ الله، فالتقوى وهي الانتهاء عن كلّ النواهي التي منعنا الله من ممارستها تظل سمة المؤمن وموضع مطالبة بتحقيقها كما هو واضح.
كما أنّ برّ الوالدين يظل في مقدمة ما يشدد الله فيه حتى أنه تعالى أوجب بعد إطاعته: إطاعة الوالدين كما جعل مقابل ذلك عقوقهما بعد درجة الشرك.
وأما التواضع وعدم التطاول أو التكبر على الآخرين، فمن الوضوح بمكان كبير: طالما يظل التكبر سمة أهل النار، وطالما يظل التطاول على الخلق يستجرّ الشخصية إلى إلحاق الأذى لهم: من قتل أو ظلم ونحوهما.
وأما السمة الأخيرة وهي الطاعة فتعني: الالتزام بمبادئ الله تعالى فيما نطالب جميعا بتحقيقها. إذا، السمات المذكورة التي خلعها الله على شخصية يحيى تظل تستهدفنا أيضا، ونفيد منها في تعديل سلوكنا.
[1] سورة مريم، الآية: 12.
[2] الكافي، ج 1، ص 382.
[3] سورة مريم، الآية: 13.
