عندما سافرَ الملكُ ناصرُ الدينِ شاه ــ شاهُ ايرانَ ــ الى خراسانَ، كانَ أهلُ كُلِّ مدينةٍ يَمُرُّ بها يَخرُجونَ لِاستِقبالِهِ عندما يَدخُلُ المدينةَ، ويُوَدِّعونَهُ ويُشَيِّعونَهُ عندما كانَ يَخرُجُ منها.
وعندما دَخلَ مدينةَ (سبزوارَ) خَرجَ أهلُ المدينةِ لِاسْتِقبالِهِ اِلّا رجلاً معروفاً، وهو الفيلسوفُ المُلَّا هادي السَّبزَواري، وكانَ ناصرُ الدينِ شاه يَتُوقُ الى رُؤيةِ الفيلسوفِ في هذا السفَرِ، والتحدُّثِ معه، فلمَّا لَم يَجِدْهُ بينَ المُستقَبِلينَ صَمَّمَ على أنْ يَذهبَ هو اِليه فقالوا للمَلِكِ: اِنَّ الحكيمَ لا يَرغَبُ في لِقاءِ الملكِ أو الوزير...
فقالَ ناصرُ الدينِ شاه:
اِنَّ الملكَ يَرغَبُ في لقاءِ الحكيم.
أُخبِرَ المُلَّا هادي بذلك، وتَحدَّدَ موعِدُ زيارةِ ناصرِالدينِ شاه، وذهبَ ناصرُالدينِ برِفقةِ أحدِ نُدَمائِهِ فلمّا دَخلَ على المُلاّ هادي، وَجَدَهُ يَعيشُ في منزلٍ بسيطٍ لا يَشتمِلُ اِلاّ على اَثاثٍ حقيرٍ، وأدواتٍ منزليةٍ بسيطة.
قالَ ناصرُالدينِ شاه: لِكُلِّ نِعمةٍ مِنَ النِّعَمِ شُكرٌ، فشُكرُ نِعمةِ العِلمِ هو التدريسُ والإرشادُ، وشُكرُ نِعمةِ المالِ الِاعانةُ ومُساعدةُ المُعْوَزِينَ، وشُكرُ نِعمةِ السُّلطانِ والمَلِكِ قَضاءُ حوائِجِ المُحتاجينَ، فاطْلُبْ مِنِّي ماشِئتَ أُنجِزْهُ لك.
فقالَ الحكيمُ المُلَّا هادي: ليس لَديَّ حاجةٌ ولا أُريدُ شيئاً.
ــ سَمِعتُ بأنَّكَ تَملِكُ أرضاً زراعيةً فاَخبِرْني حتى أَعْفِيَها منَ الضرائب.
ــ اِنَّ الضرائبَ المفروضةَ على مدينةِ سَبزَوارَ محدودةٌ، لا يُمكنُ اَنْ تَنقُصَ، فاذا خَفَّفتَ الضرائبَ المفروضةَ على أرضي أو أَعفيتَ أرضي منها، فستَدفَعُها أراضي اليتامى والاَراملِ، هذا بالإضافةِ الى أَنَّ مَخارِجَ الدولةِ كثيرةٌ ويجبُ أنْ تُؤَمَّنَ كلُّها، نحن ندفعُ هذه الضرائبَ عن طِيبِ نَفسٍ وعنِ اسْتِعدادٍ ورغبة.
فقالَ ناصرُالدينِ شاه: أُريدُ اَنْ أتناولَ طَعامَ الغَداءَ في هذا اليومِ معك، وأُريدُ أنْ آكُلَ مِنَ الغَذاءِ الذي تَأْكُلُهُ
كُلَّ يومٍ، فأَرجو أنْ تُحضِرَ الخِوان.
فأَمَرَ المُلاَّ هادي بأنْ يُحضِروا لهُ طعامَهُ، فلمّا أُحضِرَ كانَ طَبَقاً يَحوي أقراصاً منَ الخُبزِ، واِناءً مِنَ اللبَنِ، وقليلاً منَ المِلح.
قالَ المُلَّا هادي لناصرِ الدينِ شاه: مُدَّ يَدَكَ فاِنَّهُ طعامٌ حلالٌ، لِاَنَّهُ نتيجةَ تَعَبي، اِذْ أنَا الذي قُمتُ بزِراعتِه.
فَذاقَ منه ناصرُالدينِ شاه شيئاً، فوجدَهُ طَعاماً خَشِناً، لأنَّهُ لمْ يَتعوَّدْ على مِثلِهِ، فاعْتذَرَ عنْ تَناوُلِهِ اِلاّ اَنَّهُ أخذَ قليلاً منَ الخُبزِ معهُ تَبرُّكاً وتيَمُّناً به بعد بُرهةٍ خرجَ من بيتِ المُلَّا هادي، وكُلُّهُ حَيرةٌ وكُلُّهُ تَعَجُّب.
-----------------------------------
ريحانة الادب ج ٢, ص ١٥٧ ــ ١٥٨

تعليق