بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾[1].
عندما تتعلّق إرادة الباري تعالى في إيجاد أمر ما في الخارج، يتحقّق هذا الأمر سواء كان بعض معدّاته موجودة أم لم يكن شيء منها موجود أصلاً، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الولي، لماذا؟ لأنّ أمر الله تعالى من عالم الملكوت، ولا يرى أي رادع أمام ما يريد إيجاده، ولا فرق من ناحية إعمال المشيئة والقدرة بين أن يكون بعض المعدّات متحقّقة في الخارج كما هو الحال في قضية النبي عيسى (عليه السلام)، أم غير متحقّقة أساساً كما في قصّة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، فالأمر لا يفرق لا بالنسبة إلى الله ولا بالنسبة إلى الولي، فكل منهما في مقام الإرادة والمشيئة عندما تتعلّق إرادته في ذاك الشيء سوف يتحقّق في الخارج، ولذا قرنت الآية المباركة بين هاتين القضيتين، وقابلت بين الآية التي تتحدّث عن تكوّن النبي عيسى (عليه السلام)، عندما جاء الملاك إلى مريم: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[2]، هبة الغلام لها وسيلة تكوينية من نكاح أم سفاح ولا أعرف ثالثة، ف ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، أي زمن وأيان؟ ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، بنكاح ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾، بسفاح؟ وترى ألم تكن هناك في خلدها وسيلة مستقبلة لهذه الهبة الربانية بهذه البشارة؟ كلا! حيث ﴿...لِأَهَبَ...﴾[3]، تقاطع كل وسيلة مستقبلة، وتصرف مثلث زمن الهبة الى الحال، وبواسطة رسول الرب! فلا وسيلة لأصل الهبة حيث تتحقق الآن إلا ماضية من نكاح أو سفاح وهي منتفية، فلا تعرف هي من ﴿...لِأَهَبَ...﴾، تغاضيا عن مقاربته معنى إلا البشارة بغلام زكي انعقد قبل البشارة وهي نافية لكل انعقاد ماض! ولمّا يخلد بخلدها أنها بشارة بخارقة ربانية دون أي لقاح من نكاح أم سفاح! اللهم إلا ما بشرته الملائكة بإجمال.
حيث استوحشت مريم (عليها السلام)، وقالت يا رب كيف أحمل ويصير لي ولد والحال أنّي لم أتزوج أحدا؟ ويزداد تعجبها رغم أن روعها يهدأ بعد أن تعلم أنه ملك إلهي مقدس ولكن أنى يمكن أن يهبها غلاما وهي عذراء لم يمسسها بشر ولا هي إنسانة فاجرة تستجيب للعمل الحرام؟!
قال كذلك الله يخلق ما يشاء، يعني أنّه تعالى خاطبها وقال لها إنّ هذا هو فعل الله وهكذا يفعل الله الأمور، فليس بحاجة في خلق الإنسان إلى زواج والتقاء، وعندما نريد أن نخلق لسنا بحاجة إلى رجل وامرأة، ولسنا بحاجة إلى أن تكون هناك حياة مشتركة بين الاثنين، فهذه الأمور هي للناس العاديين، أما أنا فأرفع من هذا الكلام ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[4]؛ عندما تتعلّق إرادة الباري ومشيئته في شيء يقول له كن فيكون؛ سواء كان هناك أمٌّ دون أب أمْ كان أب دون أمّ، فمجرّد إرادة الباري يتحقّق المراد مباشرة.
لذا فقد شبّه القرآن قصّة النبي عيسى بخلق آدم فقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[5]، لا فرق بين هذين الاثنين أبداً.
في قصّة آدم لم يكن هناك وجود لآدم، لكن تعلّقت إرادة الله تعالى وخلقه من التراب، وفي قصّة النبي عيسى (عليه السلام) لم يكن هناك أب ومع ذلك خلقه الله من بطن مريم دون أن يمسّها بشر ومن دون أن تتزوّج أساساً، ففي قصّة النبي عيسى نرى أنّه يوجد بعض العلل والمعدّات وهي نفس السيدة مريم، أما في قصّة آدم فلم يكن هناك شيء أصلاً، لم يكن هناك بشر، ومع ذلك أراد الله تعالى أن يفهمنا بأنّه لا فرق لديه حينما يريد شيئاً بين أن يكون هناك بعض المعدّات أم لا.
[1] سورة مريم، الآية: 20.
[2] سورة آل عمران، الآية: 47.
[3] سورة مريم، الآية: 19.
[4] سورة البقرة، الآية: 117.
[5] سورة آل عمران، الآية: 59.
