بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾[1].
من أجمل البراهين الساطعة القاطعة على القدرة الخارقة الإلهية، وعلى صدق رسالة النبي عيسى (عليه السلام) لهؤلاء الذين لا تكفيهم آيات مضت في الرسالة الموسوية ﴿...وَرَحْمَةً مِّنَّا...﴾، عليك خاصة وعلى الناس عامة، فهو إذا آية ورحمة، مهما كان عليك حملا وزحمة، فانه من الألطاف الخفية الالهية على صعوباته.
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ...﴾، فأجابها هذا المدعى للرسالة عن الله تعالى بأن الأمر كما تقولين إن المرأة لا تحمل بدون لقاح زوج أو سفاح، ولكن الحمل بالأعجاز كأصل الخلقة بالابتداع هيّن على الله، فإن قيل ما الداعي لفعل مثل هذا الأعجاز وهناك طريق طبيعي نظير الطرق التي كان عنها أنبياء الله الباقون الذين تولدوا عن طريق الحمل والزواج؟ فأجاب عن ذلك هذا الرسول بأن الله يريد بفعله هذا أن يجعله آية للناس واعجازا يتجلى للبشرية فيثبت ايمان المؤمن أكثر ويؤمن من لم يكن مؤمنا، وليكون رحمة للعالمين بنبوّته وطريقته وهدايته وكان ما ذكرته لك امرا محققا في علم الله ثابتا في قدره، وجبرئيل لم يحاول في كلامه هذا أن يجلب مرضاتها بل ليسبقها بالمطلب حتى لا تفاجأ بما لم تعهد وبنفخة نفخها في جيبها حملت واستبان بها حملها في آنات وظهر على جسمها؟
﴿...وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾، كائنا محتوما تعلّق به قضاء الله في الأزل، وقدّر وسطر في اللوح.
أو كان أمرا حقيقا بأن يقضى ويفعل، لكونه آية ورحمة.
وفي هذه الآيات دلالة على جواز إظهار المعجزات لغير الأنبياء، لأنّ من المعلوم أنّ مريم ليست بنبيّة، وأنّ رؤية الملك على صورة البشر، وبشارة الملك إيّاها، وولادتها من غير وطء، إلى غير ذلك من الآيات الّتي أتاها الله بها، من أكبر المعجزات.
ومن لم يجوّز إظهار المعجزات على غير الأنبياء، اختلفت أقوالهم في ذلك، منهم من قال: إنّها معجزات لزكريّا. وقال الآخر: إنّها معجزات لعيسى على وجه الإرهاص والتأسيس لنبوّته.
فالأمر المقضي لا يتحول بإباء ولا دعاء! فاستعدّي لهذه الآية الرحمة مهما بلغت بك الصعوبة! هنالك ينتهي الحوار بينهما حيث استسلمت لحكم ربها في هذه الهبة الزكية، ونرى في آل عمران حوارا بينهما وبين الله والملائكة، فما هو التلاحم بينهما؟: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى...* وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ...* قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ...﴾[2].
تستوحش من هذا البشارة الملائكية، وحق لها إذ لا ترى لنفسها ضجيعا، ولم تعرض بخلدها حتى الآن قصة الزواج، وهي عارفة أن البشارة محققة لمستقبل قريب لا تلائمه الولادة كالعادة: أن تتزوج وتلد من فوره! وهل ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، هم ﴿رُوحَنَا﴾، جمعا في واحد؟ وهي هنا تحاور ربها في استعجابها أن يكون لها ولد وهناك الحوار مع ﴿رُوحَنَا﴾! إنها عرض لبشارتها بالملائكة قبل أن يتمثل لها ﴿رُوحَنَا﴾، بشرا سويا، تعبيدا لطريقها الى هذه المفاجآت والهزات، فأصبحت على خبرة إجمالية عن هذه الكلمة البشرى، سائلة ربها ﴿... أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ...﴾، فطويت الحوار هنا طيا وهي بانتظار كيف تتحقق البشرى، ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾[3]، لا للبشرى إذ تقدمت بالملائكة وإنما لتحقيق البشرى: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾، ولكنها ذعرت إذ فوجئت بما لم تحسب له حسابا أن البشارة تتحقق ببشر سوي، فحق لها أن تحتار مترددة هل إنه الذي يحقق البشرى، وما اطمأنت له حتى ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ...﴾[4]، بما سبقت لك فيه البشرى، فاطمأنت لحدّ ما، ولكنها بعد متحيرة ولكي تطمئن ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، فلما سمعت نفس الصيغة الماضية من الملائكة في بشراها ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ...﴾، انهت الحوار وأصبحت كأنها في قرار! مستسلمة لتحقيق البشرى.
[1] سورة مريم، الآية: 21.
[2] سورة آل عمران، الآيات: 45 – 46.
[3] سورة مريم، الآية: 17.
[4] سورة مريم، الآية: 19.
