إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الحرب الناعمة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الحرب الناعمة

    التهديدات الثلاثة وحركة تطورها
    تعريف التهديدات الثلاثة:
    1ـ التهديد الصلب:

    التهديد الصلب عبارة عن: استعمال القوة العسكرية لفرض الإرادة وتأمين المصالح. الهدف في هذا النوع من التهديد، احتلال الأرض. ويعتمد التهديد الصلب بشكل أساسي على الأساليب الفيزيائية والعينية. ويمتاز هذا التهديد بخصوصيات أبرزها: السلوك الخشن، محاولة إسقاط الأنظمة بشكل علني، محو العدو، الاحتلال، التقسيم وضم الأرض. يعود ظهور هذا التهديد وتطوره التاريخي إلى مرحلة الاستعمار القديم حيث كانت المحاولات لفرض الإرادة والهيمنة وتأمين المصالح من خلال اللجوء إلى الجيوش والقتل واحتلال الأرض وضمها (إيجاد المستعمرات.

    2ـ التهديد نصف الصلب:
    التهديد نصف الصلب عبارة عن: استعمال القوة عن طريق النفوذ إلى النظام السياسي الأمني لبلد ما بهدف فرض الإرادة وتأمين المصالح.

    11
    أما الهدف في هذا النوع من التهديد، فهو احتلال الحكومة والمؤسسات الحكومية. ويعتمد التهديد نصف الصلب على استعمال النظام الأمني ـ المعلوماتي والنفوذ في الحكومات. وأما الأساليب المستخدمة فهي تركيب من الأدوات الصلبة والناعمة حسب الحاجة. ظهر هذا التهديد في مرحلة الاستعمار الجديد حيث يتم اللجوء إلى السلطة الأمنية لتسلّم النظام والحكومة في البلد من دون اللجوء إلى القوة العسكرية. وعن هذا الطريق يمكن فرض الإرادة وتأمين المصالح.

    3ـ التهديد الناعم:
    التهديد الناعم عبارة عن: استعمال القوة الناعمة عن طريق التأثير على العقائد، والقيم الأساسية للبلد وذلك لفرض الإرادة وتأمين المصالح. وأما الهدف في هذا النوع من التهديد فهو تغيير الهوية الثقافية وتشويه صورة النظام السياسي في الأذهان. يعتمد التهديد الناعم على الأساليب الناعمة وهي من حيث الماهية انتزاعية، غير محسوسة وتدريجية. ويشتمل هذا النوع من التهديد، على المجالات الاجتماعية المختلفة. يعود ظهور هذا التهديد إلى مرحلة الاستعمار ما بعد الحديث أو العولمة الثقافية. أما نتائج التهديد الناعم فعبارة عن: تغيير الهوية والنماذج المقبولة في أحد الأنظمة السياسية في كافة المجالات. التهديد الناعم، مجموعة من

    12
    الإجراءات المخطط لها، التي تؤدي إلى تغيير الاعتقادات والقيم الأساسية، وتبديل الهوية الوطنية وتشويه النظام السياسي الموجود حيث يؤدي الأمر في النهاية إلى العصيان المدني1. وقد تحدث الإمام القائد الخامنئي في العقدين الأخيرين فاستعمل عبارات مختلفة كالهجوم الثقافي والغزو الثقافي والعمليات النفسية والحرب الناعمة باعتبارها العناوين الأساسية الموجهة ضد نظام الجمهورية الإسلامية. وعَرّف الحرب الناعمة في العام الحالي2 بأنها عبارة عن إيجاد الترديد في قلوب وأذهان الناس. ويمكن الاستفادة مما تقدم للخلوص إلى النتيجة التالية وهي أن التهديد الناعم والحرب الناعمة تشتملان على "الغزو الثقافي" و"العمليات النفسية" وعلى أمور أخرى سواها فهي أعم منهما. وعلى هذا الأساس فالتهديد الناعم هو عمل عمدي مخطط له، وأما مجالاته الأساسية فهي الثقافي، والسياسي والاجتماعي، والهدف الأساس للقائمين على الحرب الناعمة التأثير على اعتقادات، وأفكار، وقيم ودوافع المستهدفين. ولا يقتصر نشاط الحرب الناعمة على الناس، بل يتعدى ذلك لتصل إلى رجال الدولة والنخب. وفي النهاية يعمل القائمون على الحرب الناعمة على التأثير في سلوك وعمل المستهدفين في المدى الطويل.

    13
    إن معرفة التهديدات الصلبة، ونصف الصلبة والناعمة ومعرفة مجالاتها ومصاديقها، تحتاج إلى دراسة سير تطور هذه التهديدات على المستوى التاريخي. وبعبارة أخرى تحتاج إلى دراسة أساليب السلطة وفرض الإرادة. ويمكن لحاظ ثلاثة مقاطع تاريخية تتعلق بفرض الإرادة وتأمين المصالح والأهداف الأساسية للأنظمة السلطوية في العالم.

    وأما المقاطع الثلاثة فعبارة عن الاستعمار القديم (مرحلة التهديدات الصلبة) والاستعمار الجديد (مرحلة التهديد نصف الصلب) والاستعمار ما وراء الجديد (مرحلة التهديد الناعم).
    ويستخدم في كل مرحلة من هذه المراحل أدوات وأساليب مختلفة. ولكل واحدة منها خصائصها وأهدافها التي تميزها عن غيرها.

    حركة تطور التهديدات الثلاثة:
    يعتقد بعض المحققين بعد دارستهم حركة تطور أنواع التهديدات من الناحية التاريخية، أن معرفة التهديد ومجالاته ومصاديقه، تحتاج إلى دراسة حركة تطور السلطة تاريخياً. واعتبروا أن فرض الإرادة وتأمين المصالح والأهداف الحياتية للأنظمة السلطوية في العالم، يتم من خلال ثلاثة مقاطع تاريخية الاستعمار القديم (مرحلة التهديدات الصلبة)، الاستعمار الحديث (مرحلة التهديدات نصف الصلبة) والاستعمار

    14
    ما بعد الحديث (مرحلة التهديدات الناعمة). ويستعمل في كل مرحلة أدوات وأساليب متنوعة مع أهداف ومصالح أنظمة السلطة.

    1ـ مرحلة الاستعمار القديم ـ التهديد الصلب:
    يمكن اعتبار مرحلة الاستعمار القديم، مرحلة "ظهور التهديد الصلب". وتتمكن السلطة من تأمين مصالحها والوصول إلى أهدافها في هذه المرحلة عن طريق الجيوش العسكرية واستقرار الحكام التابعين للإمبراطوريات. وتترك الأنظمة السلطوية آثارها على التحولات السياسية والثقافية والاقتصادية من خلال تخطي الحدود الجغرافية واحتلال الأراضي. وإذا كانت هذه الأعمال تترك آثاراً مخربة فإنها تترك آثاراً مدنية أيضاً. كانت هذه المرحلة بارزة الظهور قبل مرحلة الإصلاح الغربي، واستمرت بأشكال متعددة حتى أواسط القرن العشرين الميلادي. وتمتاز هذه المرحلة بشكل أساسي بخاصية الاستفادة من القوة والسلطة العسكرية، والجيوش واحتلال الأراضي بهدف فرض الآراء السياسية.

    وإذا كان الأسلوب العسكري والاحتلال هو الأسلوب الأكثر رواجاً منذ أوائل القرن السادس عشر وحتى النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، فإن لهذا الأسلوب نماذج ومصاديق تاريخية متعددة. وقد عمل المستعمرون الأوروبيون في القرن السادس عشر على احتلال الممرات البحرية والخطوط التجارية واحتلال الأراضي فأوجدوا المستعمرات. وكانوا يلجأون بعد احتلال الأراضي إلى جعلها ملكاً خاصاً لِمَلكهم أو

    15
    مَلِكتهم ويفرضون على السكان الأصليين مختلف أنواع الضرائب التي كان من جملتها ضرائب الحق في السكن. وقد استعمل الأوروبيون أهالي المستعمرات وجندوهم للقضاء على المعارضين في المستعمرات الأخرى.

    تمكن البريطانيون في مصر من الوصول لأهدافهم من خلال تجنيد الهنود. واستفاد الفرنسيون في سوريا من جنود جاؤوا ببعضهم من زنجبار وآخرين من الدول العربية في شمال أفريقيا بالأخص من المغرب. وفي هذه الإطار يمكن الإشارة إلى نماذج متعددة من أبرزها هجوم الاسكندر المقدوني على إيران والهند ومصر وآسيا الوسطى (من 334 قبل الميلاد وحتى القرن الثاني الميلادي)، هجوم المغول على الصين وإيران وروسيا والشام و... واستقرارهم لمدة طويلة في هذه المناطق (612 ـ 700هـ.ق)، هجوم تيمور الفوركاني على إيران وآسيا الوسطى وما بين النهرين والهند (القرنان التاسع الهجري القمري)، هجوم العثمانيين على أوروبا وأفريقيا واحتلال قسم من هذه القارة (القرون 14 و 15 الميلاديان)... وكذلك حملة نابليون أوائل القرن التاسع عشر وفتوحات هتلر في الحرب العالمية الثانية (1939 إلى 1944) حيث تعتبر هذه النماذج وغيرها من أبرز مصاديق فتح البلدان والتوسع في الأراضي من خلال القوة الصلبة.

    الحقيقة أن الحاكم في هذه المرحلة هو الرؤية القائمة على أساس الاحتلال والتسلط على الأراضي والأجواء الجغرافية. وتقوم هذه الرؤية

    16
    على فكرة أنه كلما كان النفوذ في المحيط الجغرافي أكبر، كان الحصول على مصادر القوة أكبر أيضاً على المستوى العالمي. والحقيقة أن الوصول الى السلطة العالمية على الكرة الأرضية في مرحلة الاستعمار القديم، يجعل احتلال الأراضي والنفوذ إلى أجزاء من الكرة الأرضية أمراً ضرورياً. وبالتالي لا يمكن اجتناب اللجوء إلى القوة العسكرية وتأثيراتها لاحتلال الأرض والأجواء الجغرافية. فالهدف في هذه المرحلة هو الجغرافيا والأرض (العوامل الجيوبوليتيكية الثابتة). وهذه العوامل تخفي في طياتها التنافس، وتوسيع دائرة النفوذ، والسيطرة على الأماكن الحياتية والاستراتيجية وفرض الإرادة السياسية. صحيح أنه يجري الاهتمام هنا بالبعد السياسي للأراضي إلا أن المصادر الاقتصادية تحوز على أهمية خاصة.

    يعتبر راتزل المنظر لمرحلة الجيوبوليتيك الكلاسيكي؛ أن الوصول إلى السلطة يتطلب تأمين طاقة النمو. وطاقة النمو من وجهة نظره عبارة عن الفضاء الجغرافي والمصادر الاقتصادية. ويقول إن الدولة القوية يجب عليها، وبالإضافة إلى احتلال الأرض والمناطق والأماكن ذات الأهمية السياسية والاستراتيجية، الالتفات إلى المصادر الاقتصادية الموجودة. كان البناء الاقتصادي للمستعمرات قبل هجوم الإمبراطوريات وحضور القوة المستعمرة في مرحلة الاستعمار القديم، يتناسب مع الظروف المحيطة حيث كان التجاذب بين الشعوب المختلفة يتم على أساس نظام طبيعي وعادل. عملت الدول المتسلطة في أولى الخطوات

    17
    التي بدأتها بحشد الجيوش، والإغارة على الثروات والذخائر القيمة التي تشكل الداعم الأساس لاقتصاد المجتمعات المستعمرة.

    ثم شكلت عملية نهب تلك الثروات والذخائر وتخزينها في خزائن الملوك والبنوك الخاصة، العوامل الأساسية للتفوق المالي للأوروبيين في القرن السادس عشر حيث استعانت بهذه القوة لاحتلال الدول الأخرى.

    2ـ مرحلة الاستعمار الجديد ـ التهديد نصف الصلب
    إن فرض الإرادة عن طريق التهديد الصلب، واستجرار الجيوش العسكرية وحضور القائمين على السلطة بشكل مباشر في الأماكن المحتلة يحتاج إلى أموال طائلة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية وجود احتمال التراجع والسقوط من خلال الصحوة التدريجية للشعوب وظهور حركات للمواجهة مما يؤدي إلى زوال سلطة المستعمر. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة جعلت فرض الإرادة أكثر تعقيداً وجعلت استخدام السلطة يتم من خلال أساليب خفية حيث اللجوء إلى القوة الأمنية. بدأت القوى الاستعمارية في أوروبا ومنذ القرن الخامس عشر وبهدف احتلال الأرض والتسلط على العالم، اللجوء إلى أساليب مختلفة تتمكن من خلالها من فرض إرادتها والحفاظ على مصالحها وذلك من خلال استعمال القوة بشكل غير مباشر.

    اعتمدت الأنظمة السلطوية بعد قرون مديدة من الحضور المباشر في المستعمرات أسلوب الاستعمار الخفي. كان ذلك منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي وحتى أواخر القرن

    18
    العشرين، إذ ظهر أن الأسلوب القديم في الحضور المباشر أضحى غير مفيد. يتم هذا الأسلوب من خلال اللجوء إلى النظام الأمني المعلوماتي وإعطاء استقلال ظاهري للمستعمرات، فكان الاستعمار غير المباشر والذي تجلى في حكومات مأجورة ظهرت تارة على صورة حكومات ملكية وتارة أخرى على صورة حكومات عسكرية برلمانية في الظاهر. في هذه المرحلة تتابع الدول نفوذها إلى الأنظمة السياسية من خلال الاستعانة بالقوة السياسية الأمنية. وبهذا الشكل تتمكن من تأمين مصالحها وفرض إرادتها.

    هناك الكثير من النماذج التي يمكن الإشارة إليها والتي تبين استخدام السلطة السياسية الأمنية في القرون الأخيرة بالأخص في القرنين السادس عشر والسابع عشر، حيث لجأت بريطانيا العظمى إليه، وبعد ذلك كانت مرحلة الحرب الباردة بين القوتين العالميتين. وتشير نظرة سريعة إلى الموقع الحساس والاستراتيجي للشرق الأوسط، إلى أن الأنظمة السلطوية عملت بشكل جاد على إدارة الدول من خلال النفوذ إلى الأنظمة وزرع الأنظمة مع ما تتمتع به هذه الدول من استقلال ظاهري. إلا أن الدول المستعمرة تمكنت من فرض إرادتها السياسية من خلال الأنظمة التي تؤمن لها ما تريد. لقد عملت الدول الاستعمارية في هذه المنطقة على الحؤول دون وجود أنظمة ديمقراطية ولو بالظاهر وذلك لتأمين التسلط على المصادر والمنابع الاقتصادية الغنية بالأخص بالنفط. هذا من جهة ومن جهة ثانية كان ذلك هروباً من وجود حالة تضامن

    19
    ومقاومة تؤرق أحلامهم. لعل من أبرز الأنظمة الملكية التي أوجدها المستعمرون البريطانيون وبعد ذلك الأمريكيون في الشرق الأوسط، النظام الملكي السعودي والنظام البهلوي.

    ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين وعلى أثر الحرب الباردة والتنافس المتصاعد بين أمريكا والاتحاد السوفياتي السابق، بدأ الغرب يروج لأفكار جديدة ويتحدث عن ضرورة وجود ديمقراطيات وذلك للقول إن الشرق لا يمكنه إيجاد تلك الديمقراطيات المنشودة. وهذا ما يؤدي ولو بشكل معين إلى جذب الأفكار العامة. إن هذه التمثيلات الظاهرية، أخفت في طياتها توجهاً لضبط الميول القومية والاستقلالية للشعوب وبالتالي توجيهها نحو وجهة خاصة تؤدي في النهاية إلى حفظ دائرة نفوذ الغرب. بشكل عام إن عمل أنظمة السلطة في إيجاد الديمقراطيات الموجهة تشتمل على مجموعة من الجهود المبذولة لوصول مرشحين خاصين الى السلطة، وجذب المخالفين وبالتالي سلب السلطة والمشروعية عنهم. وبعبارة أخرى تسعى الأنظمة السلطوية ومن خلال الاستعانة بالأنظمة الأمنية والعوامل السياسية إلى ترك بصماتها الخاصة على الرموز السياسية وتلجأ في بعض الأحيان إلى التطميع والتهديد من خلال تغيير سلوك المعارضين الذين وصلوا إلى السلطة. من جملة ما يمكن الإشارة إليه من أعمال تلجأ إليها الأجهزة الأمنية بالأخص (CIA) في هذا الإطار. دفع مبالغ طائلة للانتخابات، تأسيس الأحزاب

    20
    والتجمعات واللجان والاتحادات و... وذلك بهدف التأثير على السلطة السياسية والقوة التنفيذية....

    3ـ مرحلة الاستعمار ما وراء الحديث - التهديد الناعم
    أدركت الأنظمة السلطوية أن أساليب وأدوات السلطة في مرحلة الاستعمار الحديث فقدت الفعالية الضرورية وأن الشعوب أضحت لا تتحمل الحكومات التابعة، فعملت على إيجاد أساليب حديثة ومعقدة لفرض إرادتها وتأمين مصالحها وبالتالي تحقيق أهدافها الاستعمارية من خلال الاستعانة بالأساليب الجديدة والتحولات القائمة في الأنظمة الدولية. التهديد الناعم هو فرض الإرادة وتأمين مصالح نظام السلطة من طريق التأثير الكامل على الأفكار والنماذج السلوكية للبلد. وإذا وجد هذا النوع من التهديد، يصبح البلد والشعب مستهدفاً في كافة جوانبه الاجتماعية. ويتأكد الاحتلال الكامل من خلال التأثير في الأفكار والنماذج السلوكية للبلد. وتتم السيطرة على أبعاد النظام الاجتماعي الثلاثة وهي السياسة والاقتصاد والثقافة ويتم تكريس الأفكار والنماذج السلوكية التي يريدها المتسلطون. في هذا النوع لا تتم الاستعانة بالأسلوب العسكري المباشر وغير المباشر، بل تتحقق أهداف المستعمر من خلال أساليب غير محسوسة من دون اللجوء إلى ردات الفعل الفيزيائية. أما أسلوب وسياسة المتسلطين في هذه المرحلة فهي إخضاع الشعوب والنخب واتباعهم النماذج السلوكية الأخرى من

    21
    دون استعمال للقوة. وفي التهديد الناعم لا يتكبد المستعمر في الوصول إلى أهدافه تكاليف كبيرة بل يقود الآخرين نحو ما يريد بشكل غير مباشر ومن خلال الإقناع. لعل من أبرز مكوِّنات التهديد الناعم إيجاد التشكيك في المبادئ الفكرية والمعرفية للنظام السياسي، وتغيير القيم والمعتقدات الدينية والثورية عند الأمة، وإيجاد التغيير في النماذج السلوكية للمجتمع وظهور الأزمات السياسية أي الهوية، والمقبولية، والمشروعية ، والإدارة والفعالية و... أما التغييرات الحاصلة في التهديد الناعم فهي تدريجية، غير قابلة للإدراك، وغير محسوسة وناعمة. الهدف الأساس للتهديد الناعم احتلال القلوب والأذهان والمجالات الإدراكية والعاطفية للشعب. وأما أبرز وسائل هذا التهديد فهي الوسائل الإعلامية الحديثة، والصناعات والمنتجات الثقافية. وفي الظروف الحالية فإن أبرز أساليب التهديد الناعم الحرب النفسية، برمجة الوعي والدبلوماسية العامة.

    بشكل مختصر يمكن الإشارة إلى مجموعة من المؤلفات التي تشكل المكوِّنات الأساسية للتهديدات الثلاثة:
    1ـ التهديد الصلب من حيث الماهية هو النزاع المباشر، الصلب والعيني بشكل كامل. أما التهديد الناعم من حيث الماهية فهو نزاع غير مباشر، ناعم، غير مرئي وذهني. أما التهديد نصف الصلب من حيث الماهية فهو أكثر عينية من التهديد الناعم وأكثر صلابة منه.

    22
    2ـ المصادر الأساسية للتهديد الصلب، هي التعارض بين مصالح اللاعبين والخلافات الحدودية والجيويوليتيكية. أما مصادر التهديد نصف الصلب فهي التعارض في الفكر السياسي وشكل الحكومة. ومصادر التهديد الناعم تعود إلى التعارض الإيديولوجي.

    3ـ فيما يتعلق بالعوامل واللاعبين الأساسيين في التهديدات الصلبة فيمكن الإشارة إلى القوات المسلحة، والنظام والسلطة، بينما في التهديد نصف الصلب يشار إلى الأحزاب والمجموعات السياسية والمعارضة الداخلية والحركات التي تعمل لإسقاط النظام. أما اللاعب الأساسي في التهديد الناعم، فهي المراكز الفكرية ومراكز الدراسات التي تتولى مسؤولية التنظير للحرب الناعمة.

    4ـ الأهداف الأساسية للتهديد الصلب، هي تمام الأراضي، والقدرة الدفاعية - الأمنية، والمؤسسات والبنى التحتية والأسلحة الفعالة للبلد. أما الأهداف الأساسية للتهديد نصف الصلب، فهي الثقة العامة، والانسجام السياسي، وفعالية الدولة والمشاركة السياسية. والأهداف في التهديد الناعم عبارة عن العقائد والقيم الأساسية، والأفكار العامة، وطريقة الحياة، والهوية الوطنية والانسجام الاجتماعي.

    5ـ من أبرز أساليب التهديد الناعم: الحرب النفسية برمجة الوعي والدبلوماسية العامة. وأما أساليب التهديد نصف الصلب فعبارة عن الثورات المخملية والملونة، والعصيان، والتحكم والقناعة، وجذب معارضي الحكومة والتخطيط لعمليات خاصة وخفية. وأما أساليب

    23
    التهديد الصلب فعبارة عن الهجوم الواسع بهدف احتلال بلد آخر، والهجوم العسكري بهدف القضاء على البنى التحتية الحياتية للبلد واتخاذ إجراءات من قبيل الاغتيال بواسطة دعم المجموعات المعارضة المسلحة.

    6ـ على مستوى نتائج وشواخص التهديد الناعم، يمكن الإشارة إلى تغيير الاعتقادات والأفكار والسلوك والهوية الوطنية وفي الخلاصة إيجاد نوع من الاستحالة الثقافية. أما عن نتائج وشواخص التهديد ونصف الصلب فيشار إلى التقليل من الثقة بالحكومة، وإضعاف المشاركة المشروعية والانسجام السياسي. أما نتائج وشواخص التهديد الصلب فعبارة عن انتزاع المالكية للأرض، وتدمير المراكز الحساسة. واضطراب توازن القوى وتضعيف القوات المسلحة.

    7ـ من أبرز أدوات التهديد الناعم: المنتجات والصنائع الثقافية، ووسائل الإعلام الجمعية في الفضاءين الحقيقي والمجازي. أما أدوات التهديد نصف الصلب. فهي التجسس وضد التجسس، والتجهيزات الفنية والمصادر الإنسانية والمعلوماتية الهامة. وأما أدوات التهديد الصلب:فهي التجهيزات العسكرية والمجموعات المعارضة المسلحة.

    8ـ الهدف من التهديد الصلب التغيير عن طريق الاحتلال. وأما الهدف في التهديد نصف الصلب فهو تغيير السلوك عن طريق التأثير في الحاكمية وفي الدولة المستقرة. والهدف من التهديد الناعم تغيير الاعتقادات والأفكار عن طريق التأثير على أذهان الناس وقلوبهم3.

    24

  • #2
    قراءة في الأمن الثقافي - السياسي
    مقدمة
    شعر الإنسان بحاجته الى الأمن منذ أن قرر الخروج من الكهوف والغابات ليعيش على شكل تجمعات وجماعات. ومع ظهور تلك التجمعات والقبائل المختلفة برز النقاش حول السبل الآيلة الى تحقيق الأمن القومي الذي يعد من الأهداف والمصالح والقيم الأساسية والثابتة للمجتمعات، مما حدا بالحكومات الوطنية للتفكير دائماً في استقرار أمنها القومي لحفظ أنظمتها وتطورها، لأنه في ظل انعدام الأمن لا يمكن تنفيذ أي برامج من شأنها رفع المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي داخل البلاد. وهنا تبرز الحاجة الى المعرفة والتعامل بالطرق الملائمة لدفع التهديدات التي تطال ذلك الأمن، وهو أمر عسير ما لم يترافق مع القوة. وعلى هذا الأساس فإن دور القوة في الميادين السياسية للدول وعلى وجه التحديد العلاقات الدولية هو دور حساس ورئيس الى الحد الذي ذهب فيه بعض المفكرين الى اعتبار ذلك الدور في الميادين السياسية مشابهاً لدور المال في الأسواق التجارية.


    27

    سمح امتزاج الثقافة والأمن ودورهما الحيوي في الهيكليات والتشكيلات، والاستراتيجيات، والتهديدات السياسية والأمنية والاقتصادية وكذلك التحولات الثقافية وانعكاساتها على وضع السياسات والإنتاج وسائر الميادين الحياتية الاجتماعية للبشر، بتقديم رؤية جديدة للبحث في الموضوعات التي تتنأول أمن الدول. بيد أن الأمن الثقافي ـ السياسي من أبرز وجوه الأمن القومي لأي بلد ومن أهم طبقاته الداخلية غير المرئية التي يتشكل منها، على الرغم من وجود مكونات وعناصر أخرى لذلك الأمن القومي.

    ينشأ الأمن الثقافي ـ السياسي من شعور الحاجة الفردية والاجتماعية، والحاجة الى الاطمئنان لدوام الهوية الثقافية والظروف والمسارات الثقافية ـ الاجتماعية في تلك البيئة. ومن وجهة نظر أمنية منهجية، تُفسر الثقافة على انها مكون من مكونات القوة الوطنية أو أنها نظام فرعي داخل النظام الأساسي. وبناء عليه، يأتي الأمن الثقافي بمعنى أمن جزء من مجموع بناء الكل. بيد أنه من وجهة نظر كلية، تتناول مجالات الأبحاث الثقافية الموضوعات التالية:
    أولاً: بناء الأمة (الشعب)،
    ثانياً:
    بناء الثقافة،
    وثالثاً: بناء الدولة. وتشتمل الثقافة في هذا البحث على دور واسع، وعمل خاص، أشمل بكثير من نطاق كونها مكوناً من مكونات القوة.

    يواجه تجذير قيم الثورة الإسلامية اليوم، ونشر ثقافتها، والحفاظ


    28

    على انجازاتها وحفظ نظام الجمهورية الإسلامية، منحى من التهديدات الثقافية ـ السياسية أطلق عليها الإمام الخامنئي قائد الثورة الإسلامية مد ظله العالي عنوان الاستحالة (أي التحول الكلي) السياسية ـ الثقافية.

    نُظِمتْ هذه المقالة في ثلاثة أقسام. فقد شُرِحَ في القسم الأول موضوع الأمن الثقافي ـ السياسي، وتناول القسم الثاني التهديدات الثقافية ـ السياسية، واختص القسم الثالث بالحديث عن القوة الثقافية ـ السياسية. ولكن مع الأسف لا توجد مصادر ومراجع ملائمة باللغة الفارسية في هذا المضمار مع أن موضوع الأمن الثقافي ـ السياسي من أعقد وأهم مستويات الأمن القومي للبلد وعلى وجه التحديد الجمهورية الإسلامية في إيران. وأما المصادر الأجنبية فقد تناولته في ثبات الفكر الليبرالي وأسسه الفكرية على نحو محدود آخذة بعين الاعتبار أسس الفكر الإنساني الموجود على وجه دائم في العلوم الإنسانية الغربية، وهو ما يبدو أنه نموذج غير ملائم للمجتمع الإسلامي في إيران. ومن هذا المنطلق، يمكن لهذه المقالة مع كل نواقصها أن تكون مدخلاً أو مقدمة للتفكير في هذا المجال.


    29

    القسم الأول: الأمن الثقافي ـ السياسي

    الأمن الثقافي:

    إن التهديدات الثقافية لأي بلد من أعقد وأصعب أشكال التهديد التي تطال الأمن القومي للبلاد. والأمن الثقافي هو من أكثر الأبعاد غير الملموسة للأمن. ومن الصعوبة بمكان مساءلة القادة بسبب أقوالهم وشعاراتهم في هذا المجال. يأتي البحث في الأمن الثقافي في آخر الموضوع الذي يتناول الأمن القومي للدول، ويعد من مكوناته الأساسية. وكذلك يتلاءم التأكيد على العناصر "الثقافية" و"القيمية" للأمن القومي للدول مع التعاريف الجديدة المقدمة حوله. "يمكن اعتبار الأمن الثقافي على انه بيئة تستطيع من خلالها أمة ما أن تجتاز مسيرتها التكاملية بالتزامن مع حفظ هويتها الثقافية وبدون التصادم مع الموانع البشرية".


    30

    لدى كل من الحضارة والثقافة الدينية والإسلامية واستراتيجيات ضمان الأمن الثقافي خصائص ومكونات متعددة. ويحتاج تطور الحضارة والثقافة المرتبطة بالدين، والإبداع في العلم والفن، الى الثبات والاستقرار الاجتماعي الأمني والهدوء أكثر من أي شيء آخر. ومنشأ ومولد الحضارة والثقافة هو في المجتمع النامي والآمن. ومن جهة أخرى فإن تطور وترقي الحضارة والثقافة كفيل بالحفاظ على الأمن وثباته، وإشاعته تساهم في إزالة التوتر والتشنج على الصعيدين المحلي والدولي.
    يتضح جلياً اليوم لجميع الباحثين دور الثقافة وحضور القيم الثقافية في صلب التحولات التي تطال المجتمع. ومن هنا يلاحظ، مع تبدل النظرة الى مفهوم الأمن، طرح آراء ثقافية جديدة تتحدث عن أولوية وتأثير الثقافة في الأمن القومي للدول. بمعنى أن الأمن القومي لبلد ما لا يتلخص في زيادة عديد القوات النظامية، ولا في زيادة التسلح النوعي، ولا في خوض الحروب العنيفة فحسب، بل يبدو أن أهم ركن من أركان الأمن القومي هو وجود أشخاص مثقفين.

    يعتقد المثقفون أن نظام المعاني الذي يعبِّر عنه بالثقافة سيكون له وجود مستقل بمجرد تشكله على رغم كونه وليد سلوك العوامل الاجتماعية.
    تصمد الثقافة إزاء التجدد والحداثة ولكنها ستتأقلم مع التغيير تدريجياً بسبب إمكانية تحولها. ويمكن للأفراد الذين يضعون ويصوغون معاني بأنفسهم ان يضيفوا عليها أو يعيدوا تركيبها أو حتى صياغتها من جديد.


    31

    النقطة الجديرة بالاهتمام، هي أن الأفراد بإمكانهم أن يكونوا من طالبي نظام معين جديد، وعندما يحصلون عليه يصبح بإمكانهم مواجهة الثقافة القائمة. وهذا الأمر يمكن أن يحدث في حالة عدم استطاعة العوامل الاجتماعية تقبل الثقافة القائمة خلال مسار عملية التحول الاجتماعي. إذاً الثقافة لديها إمكانية للإنتاج ولإعادة الصياغة والطلب.

    وعلى ضوء ذلك، وبالالتفات الى التعريف الذي تم عرضه في البداية عن الأمن الثقافي بان عدم استطاعة أي نظام سياسي الإجابة على وجه لائق عن الاحتياجات الثقافية للناس بحسب الظروف الزمانية والمكانية، وكذلك التبليغ والترويج على نحو صحيح للأسس الثقافية والوطنية والدينية في المجتمع، فإنه يمهد الطريق بذلك لإرساء الثقافة الأجنبية المخالفة لنظام القيم، وبالتالي سيجازف بأمنه القومي، وباستقراره وبقاء نظامه السياسي.

    الأمن السياسي

    يقال عن السياسة التي هي حل تناقضات البشر (التوفيق بين التوجهات الإنسانية المختلفة) إنها عملية يوزع المجتمع عن طريقها الثروات والقيم بشكل فاعل، ويتخذ من خلالها القرارات، ويحدد بواسطتها السياسات. السياسة هي ممارسة القوة والتأثير على المجتمع.


    32

    تهدف السياسة في الفلسفة السياسية الى تحقيق الأهداف العليا المقدسة لأنها غائية، بالإضافة الى اشتمال السياسة الإسلامية على مفهوم الهداية. ويكون منوال الحركة باتجاه الأهداف الكبرى مستتراً. وتستنبط السياسية كيفية الوصول الى تلك الأهداف، حتى خلال إقامة العلاقة مع الحقائق القائمة. السياسة في الفكر الديني عبارة عن إمامة وقيادة المجتمع على أساس المصالح المادية والمعنوية وتوجيه السياسة باتجاه نظام قيم يحكمها. وعلى ضوء ذلك فإن إدارة المجتمع يجب أن تناط بأشخاص زكوا أنفسهم وصالحين.

    من وجهة نظر الإنسان الإلهي، تهدف السياسة الى تربية الإنسان، وتنظيم العلاقة الفردية، والاجتماعية، وإقامة العدل والقسط. السعادة في الفكر الإسلامي هي محور السياسة. وتقوم المنافسة السياسية على أساس الحق والعدالة، وهدفها النهائي هو الحصول على الفضيلة والكمال.

    تختلف السياسة في الفكر الإسلامي عما هو متداول في المحافل العلمية تحت مقولة علم السياسة إجرائياً وقواعدياً (الإجراءات والسياسات). منشأ هذا الاختلاف مرده الى أن الحصول على القوة في ذلك الفكر المتداول وحفظها وتثبيتها ودوامها هو بحد ذاته هدف في هذه السياسة، وأن ما هي أساسي هي الدولة. ومن أجل الحفاظ على مصلحة الدولة، بإمكان الحاكم الكذب وفعل أي أمر أو اقتراف أي فعل. ويُنْصح السياسي أو الحاكم بالالتزام بالأخلاق والدين في الحد الذي يضمن فيه المصالح والنجاح. في الواقع، النظرة الى الدين والأخلاق لها أدواتها.


    33

    ففي الفكر الديني يجب التحرك في إطار الشرع من خلال الضوابط التي وضعها، واستخدام الوسائل المشروعة للوصول الى الهدف، وفي هذا الخضم بين الدولة والقوة فإن السياسية هي بمثابة أداة لتحقيق هدف أسمى وهو كمال الإنسان.

    تتشكل الدولة بمعناها العام وبعنوان أنها نظام سياسي ووحدة سياسية في النظام الدولي، من أربعة عناصر هي: الناس (الشعب) والنطاق الجغرافي، والحكومة والسيادة. يواجه كل نظام سياسي دائماً تحولات في داخله وخارجه. وتؤدي بعض هذه التحولات الى تقوية احتمالات بقائه، ويكون بعضها الآخر سبباً في إضعافه، وجزء منها ليس له أي أثر يذكر. تهدد التحولات التي تترك أثراً على الهوية الذاتية للنظام السياسي وجوده. والمجموعة التي لا تؤثر على تلك الهوية ليست بخطرة. وعليه، يحتاج أي نظام الى ثبات سياسي ليتجاوز الأحداث المحتملة وليقف حائلاً أمام التحولات التي تغير من هويته. وقد تؤدي تلك المجموعة من الأحداث التي تهدد خصائص نظام سياسي ما الى عدم ثباته لكونه لا يمتلك القدرة على مواجهتها. ويزداد احتمال ظهور هكذا وضع من عدم الثبات في حالة تكرار الأحداث. وبالطبع، تختلف ماهية ومعدل تكرار الأحداث التي تتسبب في ذهاب نظام سياسي ما وفي مواضع مختلفة.

    وقد تهز أي فوضى تطول مدتها أي دولة، ولكنها لا تؤثر على دولة أخرى. ولهذا السبب لا يمكن الحديث عن ثبات الاستقرار أو عدمه في


    34

    أي واحدة من تلك الدولتين قبل الدخول في حالة الفوضى. وبناء على ما ذكر، يمكن أن يعرّف الأمن السياسي بعنوان أنه واحد من المكونات الرئيسية للأمن القومي للدولة على الشكل التالي: "الأمن السياسي هو ظروف تكون فيها الأمة قادرة من خلالها على توزيع ثرواتها وقيمها بشكل أمثل، وعلى تحديد السياسات التي تحتاجها واتخاذ القرارات اللازمة بهدف الحصول على الفضيلة والكمال ومنع التحولات التي تغير من هويتها".
    الأمن الثقافي ـ السياسي:
    تنشأ الرغبة عند بعض المحللين بفصل الأمن الثقافي عن الأمن السياسي الى حد ما من الادعاء القائل بعدم تطابق الحدود والمجالات الحكومية (السياسية) مع الحدود والمجالات الاجتماعية (الثقافية) في أغلب الحالات. ولكن هناك أدلة كثيرة على أن هذين البعدين من الأمن القومي قد أدغما فيما بينهما على الأقل في الظروف الحالية وهي:
    1 ـ تؤدي العقيدة الثقافية دوراً مهماً جداً في التشكيلات السياسية ومجرياتها.

    2 ـ تضاؤل الفرق بين الثقافة والسياسة في كثير من الدول (لا سيما في العالم الثالث) لجهة التحول في معنى السيادة السياسي وزيادة تغلغل الثقافة الأجنبية.


    35

    3 ـ تستند الإدارة السياسية ـ الاجتماعية المؤثرة والفاعلة للرأي العام والروح المعنوية الوطنية بشكل علني الى إعطاء حيز مهم من الاهتمام الى الخصائص والظروف الثقافية داخل الدول والأمم.

    4 ـ لم تنجح النخبة الشعبية والمحللون الأجانب في فصل هذين البعدين أحدهما عن الآخر من حيث المفهوم (مفهومياً) على رغم عدم تطابق الحدود والمجالات السياسية والثقافية حتى في الدول التي تتمتع بأكبر قدر ممكن من التنوع.

    5 ـ يحتاج النظام السياسي الى الانسجام والقوة الوطنية بهدف إبداء أي نوع من الفعل ورد الفعل على الصعيد المحلي والدولي، إزاء أي تحولات قد تطاله. وهذا الأمر منوط بتذليل العقبات والموانع السياسية والعوائق الثقافية.

    6 ـ السياسة من وجهة نظر الإنسان الإلهي هي لتربية الإنسان وإقامة العدل. ولهذا السبب في السياسة الإسلامية، يجب على الأشخاص الذين زكوا أنفسهم وكانوا صالحين أن يأخذوا على عاتقهم زمام إدارة المجتمع. ويعتبر هذا بذاته جزء من الأهداف الأساسية لثقافة المجتمع الإسلامي.

    7 ـ تأثرت الخطابات السياسية ـ الأمنية في العقود الأخيرة كثيراً بالاستراتيجيات الثقافية بشكل جدي وقوي، بحيث يمكن الإشارة الى عدد منها وهي: وجود وجه ثقافي للقوة، الاستراتيجيات الكبرى، والتهديدات.


    36

    "يمكن اعتبار الأمن القومي على أنه ظروف وأجواء (وطنية وخارجية) يمكن لأي أمة في إطاره أن توسع من أهدافها وقيمها الحياتية التي تتطلع إليها على الصعيد المحلي والدولي بهدف عبورها لمسيرتها التكاملية التي رسمتها لنفسها أو على الأقل أن تصون عواملها الداخلية والخارجية إزاء التهديدات الممكنة والفعلية".
    مؤشرات الأمن الثقافي ـ السياسي:
    لا يمكن لأسباب عديدة تقديم معيار أو ملاك وأسلوب دقيق للقياس بغية تقييم وقياس مستوى الأمن الثقافي ـ السياسي، ولكن هناك إمكانية للقيام بعملية تقييم نسبي والحصول على تحليل عام وتقديم المؤشرات التالية:
    1 ـ مستوى الفاعلية والإيديولوجية في المجتمع.
    2 ـ مستوى التحمل، والانسجام والتعايش السلمي للهويات الثقافية الوطنية داخل المجتمع
    3 ـ مستوى فاعلية صناعة الثقافة وإنتاج وإعادة إنتاج الثقافة.
    4 ـ مستوى القدرة والاستعداد لتنشيط وإدارة خطاب ثقافي ما متقن داخل المجتمع وعلى الساحة الدولية.


    37

    5 ـ مستوى الوصول الى شرعية وفاعلية النظام السياسي داخل المجتمع.
    6 ـ معدل الوصول الى فاعلية النظام السياسي (القوة الوطنية) بهدف متابعة المصالح الوطنية على الساحة الدولية.
    7 ـ مستوى القدرة على الاحتواء (مستوى مظلة التنوع) وانعكاس وتمثيل سائر الثقافات الثانوية.
    8 ـ مستوى قدرة المجتمع على حفظ المعتقدات والقيم والأهداف السياسية والثقافية الأساسية وعلى ضمان استمراريتها في ظل ظروف متغيرة إزاء التهديدات الممكنة والفعلية.
    9 ـ مستوى قدرة المجتمع في عملية الإقناع وتحريك الرأي العام لدعمه والحماية الفعلية والعملية لقرارات النظام السياسي لا سيما في الظروف الحرجة (الأزمات).


    38

    القسم الثاني: التهديدات الثقافية ـ السياسية
    يمكن وفقاً للتعريف الذي قُدِّمَ عن الأمن الثقافي ـ السياسي في القسم الأول، تعريف التهديدات الثقافية ـ السياسية على الشكل التالي:
    "يمكن اعتبار التهديدات الثقافية ـ السياسية على أنها تحولات يمكن أن تعّرض المسار التكاملي للأمة أو الهوية الثقافية أو النظام السياسي لذلك البلد للخطر بطريقة ما، بشكل يخشى منه أن تحدث تغييراً جوهرياً وأساسياًً في كل واحد منهما".

    كما ذكر من قبل فإن أعقد وأهم مكون من مكونات الأمن القومي لأي بلد هو الأمن الثقافي ـ السياسي. ويحوز هذا الأمر على أهمية كبيرة بالنسبة لدولة دينية ووطنية تتمتع فيها المكونات الثقافية والسياسية بموقع رفيع وسامٍ. ومن البديهي أنه كلما استطاعت هذه الدولة فرض تحديات بحجم أكبر على الأسس الفكرية والاعتقادية للآخرين، كلما تعرضت هي لتهديدات أكثر. وبالتالي فإن التهديدات الثقافية ـ السياسية

    39

    ستكون عرضة لتعقيدات أكثر. وعليه، يحتاج التعامل مع هذه التهديدات الى فكر وتدبير ودراسة ودقة أكثر.

    تسعى التهديدات الثقافية ـ السياسية، التي يصفونها بالتهديدات الناعمة، لخلق أزمات ثقافية وسياسية في المجتمع للوصول الى أهداف وأغراض سياسية. وبنظرة عامة، الأزمة هي عبارة عن ظهور وضع غير عادي في مسار حركة أي نظام. والأزمة هي وضعية غير مستقرة يحدث فيها تغيير مفاجئ في واحد أو في عدة أقسام من العناصر المتغيرة للنظام القائم. من وجهة نظر أي نظام، تطلق تسمية أزمة على أي ضربة يتعرض لها ذلك النظام وتخرجه من حالة توازنه.
    أ ـ عناصر التهديد الثقافي:
    1 ـ أزمة عقيدة تشمل:

    1 ـ 1: خلق الشك والتردد في الأصول العقائدية والروحية الإيمانية للمجتمع.
    2 ـ1 : السعي لخلق روح انهزامية وانفعالية ثقافية وعقائدية لدى الناس.
    3 ـ 1: محاربة ولاية الفقيه والترويج للنظام العلماني.

    40

    4 ـ 1: خلق تيار إصلاحي ديني.
    5 ـ 1: الترويج لفصل الدين عن السياسية.
    6 ـ 1: الترويج للعقائد المنحرفة والإلحادية.

    2 ـ أزمة في القيم تشمل:

    1 ـ 2: تحقير وازدراء المدافعين عن القيم الدينية والوطنية للمجتمع.
    2 ـ 2: تحقير القيم الدينية والوطنية ونعتهم بالرجعية.
    3 ـ 2: نزع القداسة وتحطيم الضوابط الدينية والاجتماعية والثورية.
    4 ـ 2: الترويج للفساد والفحشاء والإباحية لا سيما بين الشباب.
    5 ـ 2: نشر وترويج الأمور الشاذة من ناحية دينية واجتماعية.
    3 ـ أزمة في المناسك والشعائر تشمل:
    1 ـ 3: السخرية من العادات والأعراف الحسنة الاجتماعية والدينية.
    2 ـ 3: خلق البدع والتحريف في الآداب الاجتماعية والدينية.
    3 ـ 3: خلق مفردات وشعارات واستخدام كلمات ومفردات أجنبية فنية وسياسية وإعلامية.

    41

    4 ـ 3: الترويج للنماذج الغربية للاقتداء بها في الحياة الفردية والاجتماعية للناس.

    4 ـ أزمة في الرموز الوطنية والشخصيات الدينية تشمل:

    1 ـ 4: السخرية من العلماء والرموز الوطنية والسعي إلى تبخيس قيمتهم في المجتمع.
    2 ـ 4: إبراز أو الترويج لأشخاص غير ملتزمين دينياً ووطنياً بعنوان باحثين دينيين وثقافيين وفنيين وعلميين وغيرهم.
    3 ـ 4: بناء نماذج من الشخصيات السياسية والفكرية والمنحرفة أخلاقياً في الداخل والخارج قدوة للشباب اليافعين في البلد.
    4 ـ 4: نقد أعمى وغير بناء أو مغرض لسمعة الشخصيات الخدومة للبلد وتشويهها.

    5 ـ أزمة في المظاهر والرموز تشمل:

    1 ـ 5: الاستفادة من النماذج الثقافية الأجنبية في موديلات اللباس، والتجميل الظاهري، وسائر الأمور الحياتية.
    2 ـ 5: نشر الإعلانات المتعلقة بالبضائع الاستهلاكية الأجنبية والترويج لها.

    42

    3 ـ 5: الترويج لمعالم ورموز ومظاهر المجموعات المنحرفة.
    4 ـ 5: تحطيم مادي ومعنوي للرموز الأساسية الدينية والوطنية على مستوى المجتمع.

    ب ـ مكونات التهديد السياسي:
    1 ـ أزمة الهوية تشمل:

    1 ـ1: تحريف وتحقير تاريخ الأمة ومفاخرها.
    2 ـ 1: نعت ثقافة وحضارة البلد ونظامه السياسي بالرجعية والسلفية.
    3 ـ 1: إظهار وظيفة الثقافة والحضارة والنظام السياسي للبلد بأنها قاتمة وسودأوية ومظلمة وعنيفة للجيل الشاب.
    4 ـ 1: التبليغ والغلو في إظهار فاعلية الثقافة والتاريخ والحضارة الأجنبية لا سيما الغربية منها.

    2 ـ أزمة المصداقية (أو الشرعية السياسية) تشمل:

    1 ـ 2: التبليغ بغية إظهار عدم فاعلية النظام السياسي للبلد.
    2 ـ 2: السعي بهدف قطع العلاقة العاطفية والمعنوية التي تربط الناس بالحكام في البلد.

    43

    3 ـ 2: السعي بغرض خلق جو من عدم الثقة عند الناس إزاء الحكام ورجالات النظام السياسي للبلد.

    3 ـ أزمة المشاركة والحضور تشمل:

    1 ـ 3: السعي بهدف تثبيط عزيمة الناس لناحية عدم المشاركة والحضور في الميادين السياسية والاجتماعية.
    2 ـ 3: الترويج لعدم تأثير حضور الناس في الميادين المؤثرة في تحديد مصيره مثل الانتخابات والتظاهرات.
    3 ـ 3: تهديد وإرعاب الناس لعدم الحضور في ميادين المشاركة المدنية والدفاع عن انجازات الثورة وفي بعض الحالات ترغيبهم.

    4 ـ أزمة التوافق تشمل:

    1 ـ 4: الترويج للقومية، والعنصرية، والاتجاهات القومية والتخريبية المتشددة على مستوى المجتمع.
    2 ـ 4: تحريك القوميات بهدف إبعادها عن القضايا المركزية وإذكاء الانقسامات القومية والعنصرية والدينية.
    3 ـ 4: بث الشائعات وتحريك المجموعات الاجتماعية المختلفة بهدف مواجهة بعضها بعضاً.

    44

    4 ـ 4: تشجيع الخلافات السياسية والحزبية وإذكاء الخلافات بين المجموعات والأحزاب.
    5 ـ 4: السعي لخلق تكتلات وأقطاب متعددة في المجتمع.

    5 ـ أزمة التغلغل والاختراق تشمل:

    1 ـ 5: السعي لإخافة النخبة السياسية والثقافية والاجتماعية إزاء الأعداء عبر الترهيب والترغيب أو استخدام الفساد والفحشاء.
    2 ـ 5: السعي لخلق انسجام وتوافق لدى المعارضين وتأطيرهم في داخل المجتمع وخارجه.
    3 ـ 5: إمداد المنحرفين والخائفين بالمال والإعلام بهدف اختراق الأجهزة والأعمدة الثقافية والاجتماعية.
    4 ـ 5: السعي لتغلغل الرأسماليين والقوى الاقتصادية والأشرار والخبثاء والمنحرفين أخلاقياً وسياسياً والطمَّاعين والخائفين أو المرتبطين بالقوى الخارجية في الحكم وفي الموارد السياسية للدولة.

    6 ـ أزمة توزيع القوة تشمل:

    1 ـ 6: السعي لجعل التنمية ذات بعد واحد وزيادة مكونات القوة

    45

    الوطنية (الجغرافية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية أو النظامية) وإغفال أبعادها الأخرى.

    2 ـ 6: السعي بهدف الإخلال وإظهار التباينات بتوازنات القوى في البلد من خلال إضعاف قوى تنفيذية مع أركانها، وتقوية قوى تنفيذية أخرى مع أركانها.

    3 ـ 6: السعي لتركيز السلطة السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية أو الأمنية في أيدي أشخاص أو أقسام خاصة في المجتمع والحكم، والإخلال بتوازن التركيبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للبلد.

    4 ـ 6: استثمار تجيير القوة التجارية في حفظ وتعزيز قوة التيارات والمجموعات الخاصة في البلد.
    خصائص التهديدات الثقافية ـ السياسية:
    تتمتع التهديدات الثقافية ـ السياسية (الناعمة) التي تختلف عن سائر أنواع التهديدات الأمنية (نصف صلبة) أو النظامية (الصلبة) بخصائص على الشكل التالي:
    1 ـ تنفذ إجراءاتها بشكل علني وواضح.

    46

    2 ـ تعمل ببطء وبشكل هادئ وزاحف.
    3 ـ سلمية وليس لديها بعد عنفي، ولهذا هي لا تثير حساسية في المجتمع والحكومة خلال الاحتكاكات العادية.

    4 ـ 6: تأتي في سياق وشكل قانوني.
    5 ـ 6: تستخدم أدوات وأساليب وسياسات ثقافية وسياسية واجتماعية مثل وسائل الإعلام والأحزاب والنقابات التجارية والعمالية والمنظمات غير الحكومية والمراكز الثقافية والفنية والتعليمية والكتب والمطبوعات وغيرها.

    6 ـ 6: تكون أهدافها مخفية، وتعمل بنفاق، ولهذا ليس من السهل معرفة التنظيم الخفي لمنفذيها وفي بعض الأحيان يكون صعباً للغاية.
    7 ـ 6: لها تأثير غير عادي على الاستسلام اللاطوعي للشعوب والأمم لإرادة القوة المتسلطة وإطاعتها.

    47

    القسم الثالث: القوة الثقافية ـ السياسية
    لما كانت القوة تمثّل جوهر أي فكر وعمل سياسي، فإن أي فكر سياسي بالمقابل سيتضمن فهماً خاصاً عن القوة ظاهرياً أم باطنياً. القوة هي فعل يمكن من خلاله لشخص أو مجموعة أو دولة ما من ممارسة آرائه وأجندته على الآخرين، أو أنها خلاصة لطرق متعددة بواسطتها تُخضع سلوك الآخرين لسيطرتها.

    يعود منشأ القوة في الفكر السياسي الإسلامي الى المولى سبحانه وتعالى. وجميع القوى المادية والمعنوية قائمة بقوته. وعلى هذا الأساس، توصف وظيفة القوة في الفكر السياسي الإسلامي بالتالي:
    1 ـ إقامة النظام العام والأمن.
    2 ـ إقامة وتأمين العدل.

    48

    3 ـ القوة هي عامل رادع.
    4 ـ نيل الحرية وإزالة عوائق الدعوة إلى الحق.
    5 ـ تزكية النفوس وتهذيبها وتأمين السعادة للبشر.
    6 ـ إقامة النظام السياسي وحفظه.

    يمكن اعتبار "القوة الوطنية" أنها قدرة وإرادة واستعداد وإمكانية أي وحدة سياسية أو أي ملّة، تستطيع الدولة والشعب من خلالها أن يحفظا أهدافهما وطموحاتهما ومصالحهما الوطنية وتعزيزها وتطويرها. للقوة الوطنية مكونات عدة يمكن أن نشير الى عدد منها: القوة الجغرافية والقوة الإنسانية ـ الاجتماعية والقوة الثقافية والقوة السياسية والقوة الاقتصادية والقوة الدفاعية والأمنية.

    تخلق القوة في وجهها الجديد أقل قدر ممكن من المقاومة، ولا يتحتم عليها أن تكون واضحة أو علنية، بيد أنها منتشرة وموزعة في كل شيء وفي كل مكان، ويخضع لها الإنسان جسداً وروحاً. لا تعرف حدوداً وحواجز، مجبولة بالثقافة والفكر ولا تعكس مواجهات غير متجانسة وغير متكافئة. وبتعبير أعم اكتسبت القوة في وجهها الجديد اتجاهات ذات أدوات ناعمة، على خلاف النظرة القديمة التقليدية للقوة حيث كانت ذات اتجاهات بأدوات صلبة لا سيما في البعد النظامي وإلى حد ما في البعد الاقتصادي.

    49

    يعتبر الإلمام بالوجوه الجديدة للقوة الوطنية حاجة أساسية للنخب والرجال المعنيين ببناء الثقافة وهداة الرأي العام في المجتمع، وأن لا يبقى غارقاً في فهمه ومعرفته بماهية التهديدات بالطريقة التقليدية كما كان يحدث في السابق. وتعتبر عناصر القوة الثقافية ـ السياسية، من أبرز وأهم عناصر القوة الوطنية، لا سيما في الجمهورية الإسلامية في إيران والنظام السياسي المنبثق عن الثورة الإسلامية ، حيث تعد الثقافة من أبرز وجوه ومعالم ذلك النظام، بالإضافة الى كونه إسلامياً وأم القرى للعالم، ونموذجاً للمحرومين والمستضعفين والمسلمين على المستوى العالمي، وتناقضه مع النظام العالمي المتسلط، وعدم مهادنته له. للقوة الثقافية ـ السياسية أبعاد وعناصر متعددة يمكن أن نذكر منها: أ ـ العناصر العقائدية والمعنوية للقوة الثقافية السياسية.
    1 ـ المدرسة الفكرية (الإيديولوجية).

    ما يقصد من المدرسة الفكرية في هذا البحث مفهومها الواسع والشامل الذي يضم اصطلاحاً الرؤية الكونية (نوع الرؤية تجاه الوجود والإنسان والمجتمع) والقيم (المحرمات والواجبات سواء أكانت أحكاماً عقائدية أم أخلاقية أم فقهية أم آداباً ثانوية). وعليه فإن الهدف من هذا البحث هو ليس وجود إيديولوجية سياسية محض فحسب، بل هو مدرسة فكرية تكون فيها السياسة والإيديولوجية السياسية قسماً لا يتجزأ منها وترتبط بسائر شؤونها بارتباط وثيق.

    50

    تُعبر "الإيديولوجية" في اغلب الحالات عن الأفكار والمعتقدات والأخلاق لدى أفراد المجتمع. ومن هنا فهي غير مادية وغير ملموسة. وقد قيل في تعريف الإيديولوجية أو المدرسة الفكرية إنها: "الإيديولوجية، مجموعة من المعارف والأفكار والتصورات المنظمة للإنسان إزاء الوجود والإنسان والمجتمع والحكومة ومبنيّة على أصول عقليّة يصدقها الشرع وتحولت إلى معتقدات مسلم بها، بحيث إنها تتضمن جميع الأبعاد الحياتية للإنسان سواء كانت فكراً أم قولاً أم عملاً ولديها قدسية خاصة أيضاً".

    تعتبر الإيديولوجية أو المدرسة الفكرية عنصراً من العناصر الأساسية لـ "القوة الوطنية" خاصة في الوقت الذي تُدغم فيه الإيديولوجية أو المدرسة الفكرية مع جنسية (قومية) وحدة سياسية ما. لإيديولوجية أي بلد تأثير كبير على سياسته واستراتيجياته وبرامجه التنفيذية وفي بعض الأحيان تكون مصيرية.
    يجب تناول المنطلقات الفرعية للمدرسة الفكرية أو الإيديولوجية خلال دراستها بصفتها عنصراً من العناصر الأساسية للقوة الوطنية لأي وحدة سياسية، من قبيل مستوى معرفة جموع الناس للمدرسة الفكرية، ومستوى تطابق تلك المعرفة مع حقائق تلك المدرسة، ومستوى تصديق وإيمان الناس بتلك المدرسة الفكرية، ومستوى التزام الناس بالقرارات الإيديولوجية، وتبديل العناصر الأربعة الأساسية المعرفة والإيمان والعمل والاستمرار في العمل إلى عناصر قوة.

    51

    يُعد بسط وتوسيع مجال شرعية النظام السياسي من الأمور المهمة لدور المدرسة الفكرية في زيادة واتساع القوة الوطنية، لأن الشرعية هي تعبير عن علاقة بين القادة وأفراد المجتمع. وفي الحالة التي يعتبر فيها أفراد المجتمع قول وعمل القادة م شرعيين وصحيحين، عندها سيثقون بهم ويعاونونهم ويشاركونهم في تنفيذ القرارات على نحو سليم. 2 ـ تاريخ وحضارة المجتمع:
    يرتبط الواقع الحاضر لأي مجتمع ارتباطاً وثيقاً ولا ينفك مع تاريخه السابق. ويقيم الجيل الحالي في أي مجتمع ارتباطاً منظماً مع أجياله السابقة ويكتب تاريخه الآني والمستقبلي وفقاً للحقائق التي تعلّمها وأخذها عنها. تشمل الأحداث التاريخية لأي مجتمع الحوادث والوقائع والتحولات والتبدلات والتقلبات والصعود والسقوط والازدهار والانحطاط، والثقافة والحضارة الحالية لذلك المجتمع.

    تجري الثقافة بصفتها أخلاقاً وأدباً وقدوة جيدة للمجتمع على ألسنة أهل المعرفة ومن خلال آثارهم، وتغطي بالتدريج على جميع الأمور الإنسانية للمجتمع في مساره التاريخي، وتلون بلونها جميع ظواهر وأنماط الحياة لأي أمة. والحضارة هي وجه ظاهري ومادي لحياة بني البشر في هذه الأرض. وهي المصداق الخارجي والمحسوس عن الثقافة

    52

    وجميع المعتقدات لأي أمة بحيث تظهر نفسها في قالب المناسبات المادية.

    يدير نظام أخلاقي وثقافي الأمور التي يبتلى بها الإنسان من قبيل بناء المدن والمسكن والملبس والصناعة والمعاملات التجارية والعلاقات الأخرى في وجهها الباطني. ولكن مظهرها الخارجي يخلق حضارة أي قوم من خلال إقامة علاقات وثيقة ومتجانسة بينها، وهي حضارة تحتضن جميع خصائص النظام الأخلاقي والثقافي لتلك الأمة. ويمكن القول في جميع الأحوال بأن الحضارة هي مظهر لحياة الإنسان، والثقافة هي روح نُفخت في جسد الحضارة لتمنحه الحركة والنهضة والقيام.

    وعلى ضوء ذلك، قد تعد الهوية التاريخية والحضارية لأي مجتمع عنصراً من أبرز عناصر القوة الثقافية ـ السياسية، ويعد الإرث الثقافي لأي أمة رأسمال من رساميل القوة الثقافية السياسية لذلك المجتمع.
    3 ـ المراكز الدينية والثقافية:
    تعد المراكز الدينية والثقافية التي تشمل المساجد والنواحي المقدسة للأئمة المعصومين عليهم السلام وأبناء الأئمة والمكتبات والجامعات العلمية والمعارف الدينية والحوزات العلمية، من المراكز الرئيسية لإنتاج وإعادة إنتاج الأبعاد العقائدية والروحية للمجتمع. وتنصقل روح الإنسان وتتزكى من خلال الارتباط مع هذه المراكز التي تراكم الأبعاد

    53

    المعرفية عند أفراد المجتمع وتجلب السكينة والطمأنينة (التي يسمونها اليوم بالصحة النفسية) للأفراد عن هذا الطريق. ويكرس الارتباط الروحي بالمولى سبحانه وتعالى والأئمة المعصومين عليهم السلام أسباب تقوية الدافع للسلوكيات العقائدية والدينية. وتحفظ الاعتقادات الدينية الفكرية المتجذرة، وتحفظ الهوية الثقافية والعقائدية والمعنوية للمجتمع من خلال تمتين العلاقات والروابط الاجتماعية والتعاون بين أفراد المجتمع، وتعطي قدسية لأهداف ومُثل المدرسة الفكرية، وتبثّ روح المسؤولية والالتزام في المؤمنين وتؤدي بهم إلى معرفة أنفسهم والوثوق بها، وبالتالي الابتعاد عن الرعب والاستسلام إزاء الثقافة والحضارة الإلحادية الأجنبية.

    4 ـ الطاعة للأوامر الإلهية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    تتفوق الثقافة الإسلامية على الثقافة الإلحادية الغربية بالفطرة الإنسانية التي هي منطلق التعاليم السماوية. وقد تصان الشخصية الدينية للأفراد وتحصن من أي نقطة ضعف، بإنعاش فِطرة البحث عن الكمال وعبادة الله. وتؤمن تلك الحصانة أرضية صالحة لحفظ الثقافة والهوية الوطنية، وستساعد على نمو وتطور المجتمع وترقيّه.

    يُلاحظ في السنّة الإلهية والسيرة التاريخية للذين مضوا أن عناصر انحطاط المجتمعات والحضارات تتمثل في الغفلة عن ذكر الله والغرور

    54

    والطغيان والظلم والفساد والفحشاء وإشاعة المنكرات في المجتمع، وعلى وجه التحديد فساد الهيئة الحاكمة في البلاد التي تسبب النكبات والمصائب والتخلف للشعوب. وتأتي العنايات والبركات والإمدادات الإلهية من خلال إطاعة الأوامر الإلهية والترويج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مجتمع، وسترفع من قوته المعنوية وتأثيره بين المجتمعات الأخرى.

    ب ـ العناصر الإنسانية والاجتماعية للقوة الثقافية السياسية:
    1 ـ السكان والقوى البشرية:

    السكان هم عدد من الأفراد يعيشون في إطار دولة محددة قبلوا برعاية وجنسية تلك الدولة. للسكان بعد إحصائي وكمي، ولكن يجب الالتفات إلى نوعية الأفراد الذين يشكلونه عند الاستفادة منه بصفته أحد العناصر الرئيسية في القوة الوطنية. جاء في كتاب "مبادئ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية" حول أهمية هذا "العنصر تبدو أهمية كثرة عدد السكان واضحة وجلية بهدف تشكيل القوة الوطنية. جميع دول العالم الكبيرة حالياً، لديها عدد سكاني كبير وهذا أصل قديم كان يقال إنه كلما كان عدد سكان الدولة أكبر كلما كانت قوتها أكبر. هكذا تحدث موسولوني في إحدى خطاباته أمام الإيطاليين: دعوني أتحدث إليكم

    55






    يتبع

    تعليق


    • #3
      بصراحة، كيف يمكن مقارنة 40 مليون شخص في إيطاليا مع 90 مليون ألماني و200 مليون إسلافي". يظهر التاريخ السياسي للعالم لا سيما القرن العشرين منه العلاقة بين القوة الوطنية وعدد سكان أي دولة. وكذلك يعتبر المنظرون النظاميون أن عدد السكان هو عنصر من العناصر الأربعة الأساسية للحرب إلى جانب التكتيك والدعم اللوجستي والتكنولوجيا. ويجب الالتفات إلى العوامل السكانية في بحث تأثير العدد وخصائصه على قوة البلد الوطنية مثل طريقة التفكير (الذهنية والعقلية)، النزعة (الروح المعنوية)، الآداب والأعراف والتقاليد، المهارات والتخصصات ومستوى التعليم والمستوى الصحي ووفرة القدرة الجسدية والمعنوية وتحديد النسل والمعتقدات...

      قد يضاعف عدد السكان قوة أي بلد ويجعله نشيطاً وقادراً ومتعلماً وملتزماً ومؤمناً. وعادة ما تؤدي العوامل في بعض البلاد التي لديها كثافة سكانية مثل قلة الموارد الغذائية وسوء التغذية وعدم وجود رعاية صحية وأمية وفقر وجهل... إلى إضعاف القوة الوطنية.
      2 ـ التضامن، والوحدة الوطنية، والانسجام:
      يمثل وجود الشعور بالوحدة والاتحاد بين المواطنين أحد أهم الأسباب الرئيسية لظهور القوة الوطنية. بمعنى أن يبذل الجميع أقصى جهدهم، بالتعاون والمحبة، للتقدم نحو تحقيق الأهداف الوطنية، وأن

      57

      العلمي والسياسي للناس في أي بلد، والتشخيص الصحيح لموقعية البلد الجيوبولوتيكية، والفهم الصحيح للمصالح الوطنية. حالياً، أدركت أغلب الدول هذه المسائل وقامت باستثمارات كبيرة لتعزيز آفاق المعرفة والوعي لدى الناس في مجالات التعليم والتربية.

      4 ـ الروح المعنوية الوطنية:

      تكون الروح المعنوية الوطنية في أحسن حالاتها عندما تكون الخصائص الروحية والنفسية والأخلاقية والإرادة المشتركة متشابهة. في هذه الحالة تصبح الروح المعنوية الوطنية المحرك للجهد والفاعلية على مستوى عموم الناس. في الأغلب، تكون الدولة والحكومة مصانة ومؤيدة من عامة الناس وتدعمها الأمة وتقف إلى جانبها في الإجراءات والقرارات التي تتخذها على الصعيد السياسي الدولي في الظروف التي تتمتع فيها الأمة بالروح المعنوية الجيدة. وبالتالي مثل هكذا دولة تتمتع بقوة أكبر في سبيل تحقيق مصالحها الوطنية.

      يعتبر الإرث الثقافي عنصراً من العناصر المؤثرة في الروح المعنوية الوطنية. ويُظهر التاريخ أن القدرة العسكرية والقوة الدفاعية للبلد وجميع خصوصياتها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإرثه الثقافي. تفاوتت رغبة الشعوب والأمم على مر الزمان في تعبئة واستخدام القوة على الساحة

      59

      6 ـ النظم الاجتماعي:
      النَّظم الاجتماعي هو تعبير عن معرفة جميع أفراد المجتمع بالقوانين والقواعد والضوابط والقيم التي تشكّل أساس المجتمع. ويشتمل على مفاهيم مثل التنسيق والانسجام والتوازن في العلاقات الاجتماعية. لا ينشأ المجتمع والحياة الاجتماعية وحدهما دون ضابطة وقانون يرعاهما ويسهر على صحة تنفيذهما فقط، بل وفي حالة وجودهما سوف لن يكون لهما دوام واستمرارية، وعاجلاً أم آجلاً، سينهار عقد الأمور، وسيزول الركن الأساسي للتجمع. بتعبير عام يجب القول إن الفوضى لا تتلاءم أبداً بأي وجه من الوجوه مع الأهداف والمثل الصغيرة والكبيرة للإنسانية والحضارة البشرية. وإذا لم تراع أي أمة الضوابط والقرارات الاجتماعية سوف لن ترى وجه السعادة والرقي. علاقة الحكومة بالنظم الاجتماعي هي علاقة متقابلة وباتجاهين، فكما أن للحكم دوراً أساسياً في تثبيت النظم الاجتماعي، الذي هو من أهم الضمانات لتنفيذ القرارات، بالمقابل فإن النظم الاجتماعي أيضاً هو من أهم عوامل استمرار أي نظام حكومي، وستساعد ثقافة رعاية القوانين واحترامها والتقيد بها وطبيعة تقبل الناس للقرارات الحكومية والأجهزة الحكومية الحكم على تحقيق الأهداف الوطنية.

      ومن نتائج النظم الاجتماعي يمكن أن نذكر التالي:

      61

      القوة. الإدارة والقيادة هما من أبرز العناصر التي لها دور في تشكيل القوة وازديادها لا سيما إذا كانت القيادة تتمتع بنوع من "القدسية الدينية" وتكن الناس لها الاحترام، فإن تأثيرها على مضاعفة قوة البلد سوف تكون ملموسة ومحسوسة.

      وكمثال فإن قيادة السيد الإمام الخميني قدس سره طوال العشر سنوات الأولى بعد انتصار الثورة تعد من الأمور والحالات المهمة والاستثنائية في التاريخ المعاصر.
      تحوز القيادة النظامية أو قيادة الأفراد النظاميين في زمان الحرب وكذلك في زمان الصلح على الأهمية وهي التي تحدد القوة الوطنية للبلد. وكذلك للإدارة الاقتصادية والتكنولوجية الصناعية (التقنية) والخدماتية تأثير هائل في اتساع وانتشار القوة الوطنية وتقوية الروح المعنوية الوطنية وإيجاد شعور وحس التضامن الاجتماعي والتعاون و..

      تتجلى قيادة الدبلوماسية ـ على وجه الخصوص في زمان الصلح ـ بصفتها عنصراً مهماً للقوة؛ لأن ديبلوماسية البلد تعبر عن مدى قدرته خارج حدوده. وتتعلق الكفاءة الديبلوماسية بمستوى اللياقة والأهلية للمراجع القائدة لها.

      على ضوء ذلك، يجب إعطاء الأهمية للميزات العامة للقائد في بحث القيادة مثل الشجاعة والشهامة والشعبية والحضور في الساحة والميدان

      63

      الاستفادة الصحيحة من الثروات والإمكانات وسائر عناصر القوة. تَظهر الحكومة الى جانب القيادة وسائر الخصوصيات الحكومية (القائد والحكومة والشعب) التي تشكل الحكومة بصفتها أكثر العناصر الإنسانية المحددة لقوة البلد الوطنية. لأن استخدام سائر العناصر الأخرى هي في يد هذه العناصر الرئيسية الثلاثة.

      بالإضافة إلى ما تم ذكره، يُطرح عند البحث في نوع الحكومة موضوع أي من الأنظمة لديها الفاعلية الأكثر من باب الاستفادة من السياسات والاستراتيجيات الداخلية والخارجية. وهنا نعود إلى رأي السيد عبد العلي قوام من أساتذة العلاقات الدولية:
      تواجه الأنظمة الديمقراطية الغربية مشكلات في وضع السياسات بفضل عنصر عدم الاستمرارية، لأن في هذه الأنظمة قد يُجبر بعض القادة على ترك عملهم بعد إجراء الانتخابات العامة، فيدخل الميدان أفراد جدد من حزب سياسي آخر ولديهم توجهات وسياسات أخرى. وتتسبب تركيبة الأكثرية في تلك المجتمعات بمشكلات كثيرة على صعيد تنفيذ السياسة الخارجية. وتضع القادة في هكذا مجتمعات مقابل مصاعب. بينما في المجتمعات الاشتراكية يعطي عدم حضور المجموعات المذكورة بالشكل الذي يلاحظ في الديمقراطية الغربية هذه الفرصة للقادة السياسيين وواضعي السياسات مع عدد قليل من المشاركين في عملية اتخاذ القرارات للمبادرة بشكل حر في اتخاذ الإستراتيجية التي تؤمن المصالح الوطنية لهم.
      المتعلقة بأهداف الدولة والمصالح الوطنية، تغيراً مقابلاً في توزيع الثروات أو نقل قسم من الثروات المادية والمعنوية من قسم إلى آخر. وفي النهاية، تؤثر أساليب النظر الى الأهداف الكبرى المتنوعة، وتحديد الأولويات والسياسات على التخطيط وتجعله يتبدل. وإذا ترافقت هذه التغييرات مع أزمات داخلية أو خارجية فإنها ستفضي إلى تضعيف وتقليص القوة الوطنية. ولا تستطيع الدولة في مثل هكذا حالات أن تستخدم مجالات القوة لتحقيق أهدافها ومصالحها على الساحة السياسية الدولية.

      يمكن مناقشة الثبات السياسي في بعدين وتحت عنوان عنصرين. وهذان العنصران هما الثبات السياسي في البلد ما يعرف بعنوان المصداقية الوطنية للبلد. تدل المصداقية الوطنية للبلد على موقعيتها في المجتمع الدولي ولهذا فهي تعد كعامل مهم في زيادة أو تقليص القوة الوطنية للبلد. تؤثر الصورة التي تقدمها أي دولة عن سلوكها ونظامها والممارسات الجيدة على صعيد المجتمع الدولي على نحو كبير في مسار المباحثات السياسية والاقتصادية. وعلى هذا الأساس يجب الاخذ بالاعتبار تلك العوامل المتعددة التي تؤدي دوراً في خلق المصداقية الوطنية للدول في تقييم القوة الوطنية كانتصار الدولة في أي حرب، وتحملها وعدم ضعفها إزاء أي هجوم خارجي، وحضور الناس في الميادين المختلفة السياسية والاجتماعية المختلفة و...

      66

      4 ـ الكفاءة (النوعية) الديبلوماسية
      تعتبر الكفاءة (النوعية) الديبلوماسية من أهم العناصر في القوة الوطنية على الرغم من كونها عنصراً مرناً. بحيث يبدو أن سائر العناصر المحددة للقوة الوطنية بمثابة مواد خام مقارنة بها. تتمثل الكفاءة الديبلوماسية لأي دولة في قدرتها على تركيب جميع تلك المواد الخام المختلفة والمتفأوتة فيما بينها لتصبح مجموعة منسجمة ومن ثم تعطيها وزناً واتجاهاً وتوقظ الإمكانات من عالم القوة الدفينة لتصل بها الى عالم الفعل عبر نفخ روح القوة فيها.

      من وجهة نظر القوة الوطنية، يشبه توجيه الديبلوماسيين للأمور وتصويبها على الصعيد الدولي من قبل دولة ما في أيام الصلح ممارسة القادة النظاميين للاستراتيجيات والتكتيكات النظامية في أيام الحرب. الديبلوماسية هي فن ربط عناصر القوة الوطنية بأفضل شكل مؤثر بمجموعة الظروف الدولية التي ترتبط بشكل مباشر بالمصالح الوطنية.

      يمكن القول إن الديبلوماسية هي العقل المفكر للقوة الوطنية مثلما تمثل الروح المعنوية الوطنية روح القوة الوطنية. إذا تقلصت قوة رؤيتها سيكون هناك مشكلة في قوة حكمها وستضعف إرادتها، وسوف لن تكون فاعلة للأمة على المدى الطويل جميع الامتيازات الناشئة عن الموقع الجغرافي والاكتفاء الذاتي بالمواد الغذائية والمواد الخام للإنتاج الصناعي والجهوزية العسكرية وعدد السكان وخصائصه. والأمة التي

      67

      تتمتع بهكذا ميزات ولا ترافقها بديبلوماسية ملائمة، بإمكانها النجاح المؤقت من خلال استثمارها لمواردها الطبيعية. بيد انه على المدى البعيد ستذهب تلك الموارد هباء مع الريح بالتشغيل الناقص وغير المستمر والإسراف بهذا الرأس مال الطبيعي. وعلى المدى البعيد يجب أن تسلم هكذا أمة غيرها ممن لديها ديبلوماسية جاهزة لاستخدام عناصر القوة التي بين يديها بشكل أفضل، فتعوض بأفضليتها النواقص القائمة في سائر المجالات. وقد ترفع الديبلوماسية المؤهلة من القوة الوطنية إلى مستوى أعلى مما يمكن توقعه لو أخذنا بالاعتبار جميع العناصر الأخرى.

      في أغلب المراحل التاريخية ، يسجل انتصار للداووديين الذين كان لديهم عقل وروح على الجالوتيين الذين كانوا دون الاثنين معاً.
      تنسق الديبلوماسية ذات الكفاءة العالية بين أهداف وأدوات السياسة الخارجية والموارد الموجودة للقوة الوطنية، وتستفيد من الموارد المخفية للقوة الوطنية وتبدلها إلى حقائق سياسية. ويضاعف توجيه السعي الوطني بدوره من القيمة المستقلة لبعض العناصر مثل الإمكانات الصناعية بالقوة، والاستعداد النظامي، والنزعة والروح المعنوية الوطنية. بهذا الدليل يمكن أن ترفع القوة الوطنية الى حدها الأعلى بجعل إمكاناتها تنتقل من عالم القوة الى عالم الفعل لا سيما في أيام الحرب حيث تطرح الأهداف والوسائل السياسيات بوضوح.

      68

      5 ـ فاعلية الحكومة:
      تعتبر فاعلية الحكومة عامل من العوامل الرافعة للقوة الوطنية. والحكومة من بيدها نقل الموارد الاقتصادية والإنسانية للقوة الوطنية فقط من حالة القوة إلى حالة الفعل. ولا تستطع الموارد الاقتصادية أن تلعب دوراً لوحدها في هذا الشأن وبدون مشيئة الحكومة في تطوير القوة الوطنية. ويتأثر قرار الدولة في الاستفادة من الدعائم الاقتصادية للبلد لتطوير القوة الوطنية بالظروف الدولية وموقعية البلد وإرادة القيادة السياسية.

      يلعب كل من فهم الدولة الصحيح للظروف والأوضاع السياسية ولموقعية البلد، والسعي لموائمة قوة البلد مع تلك الظروف، والإتقان في الاستفادة من المواد المختلفة، دوراً مهماً في تطوير القوة الوطنية. يجب على القيادة السياسية أن لا يغيب عن بالها موضوع التوازن بين الموارد المختلفة للقوة. وقد يضر الاهتمام الزائد عن الحد لمورد ما من موارد القوة بمورد آخر. كمثال يمكن أن يقلص التأكيد الزائد على رفع القدرة النظامية للبلد، الميزانية المخصصة للإعمار، وبالتالي تهيأ الأسباب التي تحد من التطور الاقتصادي للبلد، أو حتى تتسبب في استفزاز الدول المجأورة وتؤثر سلباً على الصعيد الديبلوماسي. وعلى ضوء ذلك، ربما أدى الاهتمام الزائد عن الحد بالعوامل الاقتصادية والنظامية للقوة الوطنية إلى إهمال الميادين الثقافية والاجتماعية، وينال من الروح المعنوية

      69

      الوطنية. وكذلك قد يؤدي إتقان الأنشطة الديبلوماسية إلى استقطاب أصدقاء ورفع المصداقية والثقة السياسية للبلد وفي النتيجة تصبح قوة وطنية.

      6 ـ دعم الشعب (شرعية الحكم):

      يعتبر دعم الدولة ووحدة الشعب من العناصر السياسية المهمة في القوة الوطنية. ابتعاد الشعب عن الحكومة يؤدي إلى إهدار الموارد السياسية والأمنية المطلوبة للحفاظ على الوحدة الداخلية، وتترافق مع خطر تشكل الطابور الخامس. الحائز على الأهمية في المباحثات الدولية هو مستوى التأثير الشعبي لتعبئة الموارد وتحضيرها للتضحيات الضرورية بهدف تحقيق الأهداف المتوخاة. وفي هذا الصدد، لا يمكن إنكار الوحدة والإرادة الشعبية كعاملين بغية تحويل القوة من عالم القوة إلى عالم الفعل.

      إن لقدرة الدولة على كسب التأييد الشعبي فيما يتعلق بالأهداف والسياسات المتوخاة، والثقة بالقادة والمسؤولين، ومستوى التضامن ووحدة أفراد البلد بصفتهم أعضاء في أمة واحدة، دوراً مؤثراً في القوة.

      قال السيد حميد بهزادي في كتاب "مبادئ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية": "الثقة بالقادة وأجهزة الدولة هي عنصر آخر من عناصر التضحية المهمة في سبيل الأمة والبلد أي الروح المعنوية الوطنية. لأن

      70

      الأكثرية الساحقة من الشعب تحب وطنها، وإذا شعرت بأن الدولة هي تجل واضح وكامل وحقيقي لإرادة الشعب وأنها تخطو خطوات في سبيل تحقيق المصالح الوطنية (ليس باتجاه المصالح الشخصية) فإنها حاضرة للتضحية والفداء بكل ما أوتيت من قوة في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية".

      د ـ العناصر العلمية والتقنية للقوة الثقافية السياسية:
      1 ـ علاقة العلم والقوة

      يقول إي. أ ن وايتهد: "العلم هو عبارة عن إعطاء شكل لنظام من الأفكار العامة مترابط ومنطقي ومطلوب بحيث إن جميع عناصر تجاربنا يمكن أن تفسر في ذلك الإطار". حالياً التباين بين العلم والقوة هو موضوع بحث بين العلماء والدول الذين هم المورد الرئيسي لتأمين المال للأنشطة البحثية. وهناك أغلبية حاضرة لأن تسيء استخدام العلم حتى مع وجود أفضل الأهداف والغايات. ولا تنحصر إساءة استخدام القوة بالدول. وقد تخرب المجموعات ذات النفوذ العلمي والذين هم في أغلبهم متحالفون مع المجموعات الصناعية العملية العلمية بنفسها، وهذا ما فعلوه في المجال النووي الذي غلب على السياسة البحثية لمدة 40 سنة تقريباً.

      71

      غالباً ما يضع العلم والعلماء أنفسهم في خدمة القوى القائمة. وفي الحقيقة فهم يخدمونهم فعلاً. ولا تجد تلك القوى حرجاً في أن تقوم بعملية تبديل دائمة لطبيعة القوة والأشخاص الذين تم توظيفهم (هناك عملية تدوير). وقع منشأ القوة والسبل التي تمارس القوة من خلالها تحت تأثير العلم والتقنية بشكل كبير. فالحكومة تقدم مساعدات مالية للعلم حتى تحصل على أهداف معينة، وبالنتيجة، يحدد العلم للحكومة ما عليها فعله وكيف وبأي سرعة ن تنجز أعمالها. لا يمكن التحكم والسيطرة دون علم حقيقي. في النهاية يقف واضعو السياسات عاجزين أمام العلماء مع كل فنونهم الخطابية. تريد الأحزاب السياسية ومجموعات الضغط والنقابات وأمثالها الأبحاث لتقديم المعطيات والمعلومات لواضعي السياسات بهدف إفساح المجال لهم باتخاذ القرارات. استخدم العلم بصفته سلاحاً للمجادلة والنقاش إزاء الخصوم والمنافسين في القرارات التي أخذت في السابق بلغة التجارة العلمية.

      يرى أن أهم تحدًّ قائم على المستوى الدولي وكذلك في الدول في طور النمو والدول النامية، هو في رفع مستوى المعرفة العلمية للمجتمع بغية المشاركة والتأييد الجماعي. ولكن رفع مستوى المعرفة العلمية له أهمية في وسط أصحاب القرار ومديري المجتمع أكثر من الآخرين؛ لكونها توجد ميزات تؤدي في النهاية الى تعزيز القرارات وسموها.

      72

      2 ـ إنتاج العلم
      تَشَكَّلَ عالمنا ومجتمعنا من خلال تقنية ناجحة جداً مبنية على الاكتشافات العلمية ويُحفظان بواسطتها. وعليه يمكن أن ينظر للعلم على أنه قوة تغيير العالم إلى الخير أو الشر. ولكن بالإضافة إلى ذلك، أصبح العلم في متنأول أناس أقوياء وبإمكانهم الاستيلاء على العلم والاستفادة منه. وعلى ضوء ما تقدم، تعتبر الأبحاث العلمية بمثابة التيار المغذي لجهاز التحكم بالقوة بحيث إنه يعطي قوة أكثر وباستمرار إلى أشخاص كانوا قبل ذلك أقوياء.

      تستوجب المشاركة في حل الأمور المتعددة على الصعيد المحلي والإقليمي بهدف الاحتراز من الاستغلال بالطريقة الحديثة، وكذلك بناء الثروة والرخاء للمجتمع الوطني، الالتفات لأهمية العلم والتقنية في إيجاد المعرفة والثروة والقوة. وفي هذا السياق يجب أن يوضع إنتاج العلم والتقنية بكميات كبيرة في رأس البرامج والأولويات التطويرية، وأن يتخذ المجتمع العلمي والبحثي، والمخططون وواضعو السياسات، وكذلك المديرون وأصحاب القرارات، خطوات عن بصيرة لجهة رفع كمية ونوعية الأنشطة البحثية.

      إن الأنشطة البحثية حالياً هي أنشطة جدية وضرورية لأن ثمرتها العلم والتقنية وهما منشأ الثروة والقوة.

      73

      واليوم خرج إنتاج العلم في المجتمعات الحديثة عن كونه عنصراً مهمشاً وفي متنأول مجموعة صغيرة من العلماء وقد تبدل إلى وسيلة وأداة لإيجاد القوة، وإنتاجه يتم بشكل كبير ومتراكم، وتتدخل الدول فيه. وعلى ضوء هذا، يتمتع رفع مستوى العلم والتقنية بأهمية عالية مع ما يستتبعها من دعم للأنشطة البحثية لحفظ بقاء الدول في طور النمو. يحدد عدد الجامعات والمراكز والأبحاث وعدد الأساتذة الجامعيين والمحققين وحصة الأبحاث من أجمالي الدخل الوطني لأي بلد، معدل قدرة إنتاج العلم في ذلك البلد.

      3 ـ إصدار المعلومات العلمية:

      المعلومات هي من أهم الوظائف الاجتماعية للعلم والتقنية. وتحولت المعلومات إلى شرط أساسي وضروري للتنمية البشرية في القرنين الثامن والتاسع عشر. كان استغلال الإنسان بواسطة الإنسان على نحو مباشر وإلى حد ما صحيحاً، وكان قابلاً للقياس الكمي، وكان يُحتسب من خلال عديد القوى العاملة وساعات العمل ومستوى الأجور، والضوابط التي يضعها المصنع. وقد تبدلت اليوم هذه الحالة كلياً.

      اليوم لا تستفيد القوة من الآخرين وتظلمهم عن طريق العمل المباشر ولكن بطريقة سهلة جداً عبر عدم الاهتمام وعدم التدخل وعدم العمل

      74

      والاختباء وراء طرق معقدة وخيالية تأخذ أشكالاً تعجيزية سياسياً وقانونياً.

      تبرز الحاجة اليوم إلى نشر العلم والمعرفة العلمية بهدف "المشاركة" أكثر من ذي قبل بشكل واسع بين السياسيين والصحافيين. يجب على هؤلاء أن يكونوا قادرين على تقديم الحقائق العلمية التي هي أساس القرارات بوضوح وقابلة للفهم لجميع المواطنين بحيث يصبح في استطاعتهم ان يكونوا جزءً من عملية اتخاذ القرارات.

      في هذا الشأن، يوجد ثلاث وظائف أساسية للمعلومات الاجتماعية هي:
      أ ـ تؤدي المعلومات الاجتماعية إلى إبراز قوة الابتكار الشعبي، نتيجة لوجود تعقيدات بيروقراطية إدارية ومؤسسات معطلة من تلقاء نفسها.
      ب ـ تكفل المعلومات الاجتماعية مؤثرية الضغط من القاعدة بصفتها أداة رئيسية للسيادة الشعبية إلى حد ما، وتؤمن مشاركة الناس في عملية التغيير الاجتماعي.
      ج ـ تحافظ المعلومات الاجتماعية على رتبة من الاتصال والتواصل بين القرارات السياسية وطموحات وآمال المواطنين.

      75

      لا يتم الحصول على هذه الوظائف الثلاث بواسطة المعلومات الاجتماعية فقط، بل عن طريق نوع من المعلومات المبنية على التحليل العلمي.
      ليست علاقة العلم والحكومة موضوعاً يطرح على المستوى الوطني، فهناك حاجة متزايدة لتصور عالمي للسياسة العلمية، لان كثيراً من المشكلات هي دولية لضخامتها وحجمها. ولكن يعود منشأ الحاجة إلى التصور العالمي إلى وجود فجوة واسعة وما زالت تكبر بين القدرات العلمية والتقنية للدول النامية بينما لا يزال توزيع الانتاجات العلمية في الدول في طور النمو غير متسأو بشكل كبير.

      يرمز كل من إنتاج الصحف والمجلات والكتب والنشرات العلمية، والمراكز الإعلامية العلمية، وعدد الطلاب الأجانب الذين يدرسون في البلد، ومستوى مشاركة أصحاب دور النشر في المعارض الدولية للكتاب، ومستوى عودة وارتكاز المراكز العلمية لسائر الدول للإنتاج العلمي لذلك البلد، إلى قدرة نشر وإصدار العلم لذلك البلد.
      4 ـ مستوى التقنية (التكنولوجيا):
      تعد طريقة الإنتاج القائمة في أي إنتاج، تقنية، سواء كانت على مستوى الفرد أم على مستوى الأمة والمجتمع. وبناء عليه فإن القصد من

      76

      استخدام التقنية هو التبديل في التقنية، وبالطبع يمكن أن يؤدي التغير في التقنية، إضافة إلى زيادة الإنتاج المرجحة، إلى تغيير نوعي فيها، أو حتى إلى إيجاد سلع جديدة. وعلى سبيل المثال في صناعة وسائل النقل، أدت التقنية الحديثة في بعض الأحيان إلى زيادة كمية الإنتاج وفي أحيان أخرى أدت إلى زيادة جودة ونوعية ذلك الإنتاج وفي مواضع أخرى أدت إلى خلق وسائل نقل جديدة.

      ليس المراد من التغيير في التقنية، خلق سلسلة اختراعات وإبداعات في عدد من المجالات التخصصية فقط، بل يشمل هذا التغيير كل أبعاد المجتمع. بعبارة أخرى يؤثر التغيير الحقيقي في أي مجتمع على جميع المجالات كالصناعة والتجارة والزراعة والاتصالات والثقافة والفن والهيكليات والمؤسسات الحكومة والنظامية، وحتى طريقة الحياة اليومية للناسو أتابتبتانبتيببنه.

      وكذلك عندما يُتحدث عن مستوى التقنية في أي مجتمع، يجب الالتفات إلى أن هذا المستوى ليس واحداً ومتسأوياً في كل المجتمع. وبشكل عام يمكن تقسيم مستوى التقنية في كل المجتمعات إلى ثلاثة مستويات هي:
      أ ـ مستوى تقني علمي قائم في أي مجتمع ما، ينحصر في الجامعات والمراكز العلمية والبحثية للدول.

      ب ـ تقنية حاكمة على المؤسسات العليا في البلاد.

      77

      ج ـ تقنية قائمة ومستخدمة على مستوى عموم الناس أو المجتمع.

      تكون رتبة التقدم في التقنيات في المستويات الثلاثة الآنفة الذكر من الأعلى إلى الأسفل، وهي صادقة على الدول النامية. ولكن أبعادها في الدول المتقدمة والدول في طور النمو مختلفة. حيث إن المستويين الأول والثالث جديران بالملاحظة في الدول في طور النمو وقليلان نسبياً في الدول المتقدمة.

      تتعلق إمكانية أي بلد للسير نحو التنمية المستدامة بضخ حشد من القوة البشرية الماهرة في المجالات العملية والفنية المتعددة جداً والمطلوبة. وكذلك تتعلق بالسياسات الملائمة والإطار القانوني والتنسيقي والسياسي بإمكانية ذلك البلد في اختيار التقنية الملائمة. وتتعلق أيضاً بالمهارات المختلفة، والعلم، والثقافة، وثقافة التكنولوجيا، والافراد المتعلمين المتدربين، والخريجين بأعداد كافية لتطوير منطقي للتكنولوجيا المحلية، وجذب وملاءمة التكنولوجية المستوردة من خلال انتقالها.
      5 ـ العناصر الإعلامية والنفسية للقوة الثقافية السياسية:
      1 ـ المعلومات والوعي الوطني:

      على الرغم من إمكانية احتساب هذا العامل من ضمن الميزات الوطنية لأي دولة أو أي مجتمع سياسي، ولكن يمكن فصله عن تلك

      78

      الميزات لكونه يمتلك بعداً ثقافياً. المراد من المعلومات والوعي الوطني لبلد ما هو مستوى المعرفة العامة واطلاع الناس والمسؤولين على الأمور والمسائل العالمية لا سيما المسائل السياسية للمجمع العالمي. من البديهي أنه كلما زاد مستوى علم ومعرفة الناس، زادت إمكانية مشاركتهم في الأمور السياسية للمجتمع. وفي مثل هكذا ظروف يتضح دور الناس في اتخاذ القرارات وتنفيذها، وبالتالي سيكون لهذا العامل تأثير بصورة مباشرة أم غير مباشرة على القوة الوطنية للبلد وسمعته ومصداقيته العالمية وكذلك استقراره السياسي.

      يجب الأخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن المعلومات والوعي الوطني لأي بلد العوامل التالية:
      1 ـ مستوى العلم والمعرفة وعدد الأميين في ذلك المجتمع.
      2 ـ الخبرة والمعرفة السياسية والتخصصية في المجالات العلمية المختلفة وعدد المختصين.
      3 ـ مستوى المعلومات العامة لدى أفراد المجتمع.
      4 ـ مستوى الوعي السياسي لأفراد المجتمع بأمور البلد وكذلك المجتمع العالمي.
      5 ـ عدد المدارس والجامعات والمراكز العلمية والتعليمية.

      79

      2 ـ الاستعداد، والإبداع، والإمكانات النفسية لأفراد المجتمع:
      تؤثر كل من الاستعدادات والقابليات المختلفة للأعضاء الذين يشكلون أي بلد، والقدرة على الإبداع والابتكار والقدرة والصحة النفسية للمجتمع على نحو هائل على القوة الوطنية للبلد، وعلى وجه التحديد إذا كانت القدرة على الإبداع والاختراع في أمور مثل التقدم الاقتصادي والتكنولوجي والمعارف السياسية والثقافية. وكلما تمتع أفراد مجتمع ما باستعدادات أكثر وزادت إبداعاتهم وابتكاراتهم في المجالات المختلفة أكثر وتمتعوا بسلامة وصحة نفسية أكثر كلما زاد سعيهم وجديتهم في العمل والاستفادة من الإمكانيات في ذلك البلد. وبالتالي ستزيد هذه العوامل ستزيد القوة الوطنية للبلد.

      ويلعب دوراً في تقوية القوة الوطنية كل من نوع التصور وتوقع المجتمع في المستقبل، وكيفية استخدام الاستعدادات والابتكارات بشكل صحيح ولائق، ورفع مستوى الإبداع والابتكار لدى أفراد المجتمع، وقدرة تحمل الضغوط والاختلالات.
      3 ـ الاتصالات والإعلام:
      أُطلق على العالم المعاصر عبارة جديدة وهي عالم الاتصالات. تؤدي الاتصالات والإعلام اليوم دوراً رئيسياً وحيوياً في حياة الناس. ولهذا

      80

      استخدم البعض عبارة "عصر الاتصالات" لتوصيف زماننا. لا يستطيع الإنسان المعاصر العيش دون الاطلاع على أخبار ومعلومات العالم الذي يحيط به، مما طرح هنا مسألة التبادل الاخباري للوسائل الإعلامية، ومن ثم أدوات هذا الإعلام. تهدف المفاهيم في العالم الحاضر مثل الإمبريالية الخبرية، ومكاتب توزيع الأخبار (الوكالات)، والأقمار الصناعية والانترنت وغيرها، إلى تحقيق هدف واحد، وهو خلق مجالات وفضاءات فكرية مطلوبة، ونقل فكر ناقل الخبر إلى متلقي الخبر. بالتالي لا نبالغ بالقول إذا ادعينا أن الجيش الإعلامي يعبد الطريق لغزو القوات النظامية عبر بناء أرضية ثقافية. ويمكن التأكيد على أبعد من هذا الادعاء أنه بالأساس لم يبق هناك من حاجة إلى غزو عسكري مع هكذا غزو ثقافي شامل ومنظم.

      وعلى ضوء ذلك، تعتبر الاتصالات والوسائل الإعلامية الأساليب التنفيذية لهذا الغزو الواسع والمنظم. وليس عبثياً ما قيل في تعريف الإعلام إنه: "عبارة عن السعي للتأثير على الآخرين، بمعنى أن الإعلام هو إقامة التواصل عبر الوسائل الإعلامية بهدف إقناع الآخرين وتبديل آرائهم إزاء أمور معينة".

      يعد الإعلام الدولي، الذي يُنفَّذُ عبر الاتصالات ووسائل الإعلام، عنصراً من العناصر الأساسية الخارجية للدول، كذلك هو الأمر بالنسبة للوكالات وللمنظمات وسائر المؤسسات الدولية. في الأصل

      81

      لا يمكن تصور الإعلام دون اتصالات ووسائل اتصال، وبالتالي توجد رابطة وثيقة ما بين الاتصالات والإعلام. وقد يستفاد من الإعلام والاتصالات في تعبئة الجماهير ضد الأعداء وكسر الروح المعنوية لديهم، وللمحافظة على الأصدقاء، واستحضار المساعدات من قبل الداعمين، ونشر الإيديولوجية و....

      وعلى ضوء هذا، يلعب الأعلام والاتصالات دوراً مهماً في زيادة أو تقليص القوة الوطنية لأي بلد، آخذين بعين الاعتبار العناصر المتعددة لهما كالإعلام ونوعه وجودته وموقعه وفاعليته، والأنظمة الإعلامية والاتصالات (كالراديو والتلفزيون والأقمار الصناعية) والنشرات، والمجلات، والكتب، وسائر الوسائل الإعلامية والخطط الإعلامية والرسائل الإعلامية، وكيفية التأثير عبر الإعلام والاتصالات، ونوعية برامج الوسيلة الإعلامية...
      4 ـ الإمكانية الفنية للمجتمع:
      أودعت فطرة البحث عن الجمال وطلب الكمال، والتي هي موهبة إلهية، في طبع البشر. يحب البشر بأجمعهم الجمال في كل الأزمنة والأمكنة وفي أي موقع ومستوى اجتماعي وفي أي فئة عمرية كان. وهذا

      82

      يؤكد على توسعة استخدام الأدوات والأنشطة الفنية لكون تلك الحاجة العاطفية والنفسية ضرورية للبشر.

      لدى الفن الاستعداد ليستفاد منه كأسلوب ثقافي وإعلامي، وأن يكون حاملاً رسائل تعليمية وتربوية للذين يخاطبهم. وقد عرض الكثير من الرسائل على أفراد المجتمع بصورة مباشرة أو غير مباشرة باستخدام البرامج الفنية.

      وإذا قُدّم فكر وثقافة أي مجتمع في قالب فني، فبإمكانه أن يكون مؤثراً وخالداً. وسوف لن تتطور ثقافة وحضارة المجتمع دون استخدام الفن. يعد وجود أشكال وأساليب فنية قوية، ووجود فنانين ومبدعين في عالم الآثار الفنية، ووجود مراكز تعليم وتربية فنية، ووجود مراكز ومنشآت مطلوبة لتقديم الآثار الفنية في أي مجتمع، من العوامل المؤثرة في القوة الثقافية لذلك المجتمع.

      5 ـ إمكانية إقناع الرأي العام وتأليبه:

      الرأي العام هو قوة وشبكة اجتماعية، لديه قوة وحركة، وهو بمثابة حكم قوي إن لم نقل محكمة. بيد أنه لا يمكن إهمال هذه الأحكام الصادرة عن هذا المرجع على رغم عدم امتلاكه لقوة تنفيذية. وتتجلى أهميته ودوره بهذا الدليل أكثر. يكتب نابوليون بونابرت في تقسيم القوة

      83

      إلى قسمين رئيسيين وأساسيين: "لا يوجد في العالم أكثر من قوتين، قوة السيف وقوة الفكر، ولكن الغلبة النهائية تكون لصالح قوة الفكر، لأن قوة السيف أيضاً هي من قوة الفكر".

      لا يمكن إنكار ماهية الرأي العام لكونه حقيقة دامغة بحيث إن القيمين على الأمور السياسية والإعلامية مصممون على أن يلحظوا في خططهم وإجراءاتهم قوة الرأي العام ودوره في الأحداث والموضوعات المختلفة. ويجب على القيمين أيضاً وضع المعلومات اللازمة والضرورية بتصرف الناس بكل الوسائل والإمكانات المتاحة في المقاطع الزمنية والظروف المختلفة. وكذلك يجب عليهم توضيح ضرورات المصلحة العامة ليقللوا من إمكانية سوء استخدام الرأي العام أو حرفه إلى حدها الأدنى.

      يمكن أن يستفاد من الرأي العام بصفته قوة لا غبار عليها لإيجاد وتقوية الروح المعنوية الوطنية، والروح المعنوية الحربية والدفاعية، والشعور بالإيثار والفداء والتضحية في الداخل، وإيجاد الصداقة المتبادلة والوحدة والانسجام بين أبناء الشعب، والدعم والتأييد للقرارات السياسية لا سيما في الظروف الحرجة والمأزومة للمجتمع، واستقطاب حلفاء جدد والاحتفاظ بالحلفاء الموجودين في الأمم الأخرى، وإضعاف العدو، والتغلغل والتأثير على أفكاره وأعماله.

      إن العوامل والعناصر المؤثرة في الرأي العام عبارة عن: الأنظمة

      84

      السياسية، القادة ورجالات الدولة، والنخبة، والقيادات الدينية، والأحزاب والمجموعات السياسية، والإيمان والمعتقدات الدينية، والتعليم والتربية، وأهم من ذلك كله وسائل الاتصالات الجماعية وعلى وجه التحديد الإذاعة والتلفزيون.
      يتبع

      تعليق


      • #4
        الحرب الناعمة (القوة الجاذبة وأساليب المواجهة)
        تمهيد
        الحرب بمعناها الشائع هي حالة صدام بين جماعات أو بين دول تستهدف القتل والتدمير والإخضاع والسيطرة بهدف تحقيق غايات لا تبلغها الجماعة المريدة للقتال إلا بها.
        وقد تكون الحرب حرباً من نوع آخر لا تستخدم فيها آلات القتل المباشر أي السلاح والجيوش، كالحرب الدبلوماسية أو الاقتصادية أو النفسية.

        ففي تعريف الحرب، جاء أنها حالة تناقض السلم، وتستخدم مجازاً لأنماط من الصراعات والمنافسات، فيقال مثلاً: حرب الكلمات، والحرب النفسية، وحرب الإرادات، والحرب الباردة، والحرب السياسية، والحرب ضد الفقر والمرض1.

        وقد دخل في حيز الاستعمال مؤخراً مصطلح القوة الناعمة أو

        89

        الحرب الناعمة، غير أن ما يجمع بينهما،مغايرتهما للحرب الصلبة أو الحرب الكلاسيكية. ما يعني أن إطارها الجامع هو الحرب النفسية.

        ولذلك فإن القوة الناعمة تدخل ضمن هذا الإطار. وقد عرفها جوزف ناي بأنها القدرة على أن نحصل (أي أمريكا) على ما نريد بقوة الجذب وليس بالقوة المادية.
        وعلى هذا الأساس سوف نعمد بداية إلى إجراء مقارنة سريعة بين الحرب النفسية والحرب الناعمة لا بكونهما منفصلتين بل لتبيان الخاص ضمن إطار العام الثاني أي الحرب النفسية.

        90

        1- الحرب النفسية:
        أ - تعريف الحرب النفسية:

        يعرف لينبرغر الحرب النفسية انطلاقاً من مفهومين ضيق وواسع. فهي في المفهوم الضيق استخدام الدعاية ضد العدو مع إجراءات عملية ذات طبيعة عسكرية أو اقتصادية أو سياسية مما تتطلبه الدعاية.

        أما في المفهوم الواسع فهي "تطبيق لبعض أجزاء علم النفس لمعاونة المجهودات التي تبذل في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية"2.
        كذلك ورد في التعريفات: "هي الاستخدام المخطط المدروس للدعاية وسائر الأساليب الإعلامية المصممة للتأثير على الآراء والاتجاهات وسلوك المجموعات العدوة والصديقة".

        ويطابق هذا التعريف ما ورد في قاموس المصطلحات الحربية الأميركية عام 1955 "أنها الاستخدام المدبر للدعاية أو لأية تأثيرات نفسية أخرى المعدة لإسناد السياسة السائدة بتأثيرات على عواطف ومواقف وسلوك

        91

        العدو والفئات المحايدة والصديقة في وقت الطوارئ أو الحرب بحيث يتم دعم الوصول إلى الأهداف القومية"3.

        والحرب النفسية هي ذلك النوع من الحروب الذي تشنه الجماعات بالدعاية والإشاعة وتستخدم فيه كل وسائل الإعلام بقصد إثارة القلق والتوتر لدى العدو من أجل زعزعة الإيمان بالمبادئ والأهداف ببيان استحالة تحقيقها وإضعاف الجبهة الداخلية بإظهار عجز النظام عن تحقيق أهدافه وتشكيك الجماهير في قياداتها السياسية والعسكرية والتفرقة بين فئات الشعب، وبث اليأس في نفوس الجنود على الجبهة والميدان وإشاعة الذعر بينهم بالمبالغة في وصف القوة وانتصاراتها والتهوين من انتصارات العدو4.هي حرب معنوية تستهدف شخصية المقاتل وشخصية الأمة وغايتها تغيير سلوك الأفراد والجماعة من أجل تحللها واستسلامها والسيطرة عليها بعد تغيير الأفكار والاتجاهات والقيم والمعتقدات والرأي والسلوك5.

        ويذكر أن اصطلاح الحرب النفسية قال به لأول مرّة محلل عسكري بريطاني يدعى "خوللر" أورده في كتابه "الدبابات في الحرب" وذلك أنهم في الحرب العالمية الأولى نزعوا المواقع من الدبابات وركبوا بدلاً

        92

        منها أبواقاً، كانوا يذيعون منها نداءات على جنود العدو للاستسلام، ويذكرون لهم أسباباً منها أن زوجاتهم في الجبهة الداخلية قد بلغ بهن تدهور الأحوال الاقتصادية أنهن صرن يمارسن البغاء وأن الأمراض السرية تحولت إلى أمراض عادية بين الأولاد، وكانوا يشتمون الجنود بأقذع أنواع السباب، ويستخدمون مختلف المعلومات عن الجبهة الداخلية ليطعّموا بها إشاعاتهم وأكاذيبهم واستخدموا الأسرى للنداء على جنود وحداتهم وكانوا ينادون الجنود بأسمائهم. ولهذا أطلق على الحرب النفسية من هذا النوع تسمية حرب الأبواق، وكانوا يسقطون المنشورات على الجبهة الداخلية التي تشكك في صمود قواتهم وإخلاص زعمائهم، وهو أيضاً سبب تسميتها بحرب المنشورات6.

        مع تقدم وسائل الاتصال تحولت الحرب النفسية إلى حرب إعلامية شاملة.

        ب - أساليب الحرب النفسية:

        بهدف تحقيق الأهداف والغايات في التأثير على الأفكار والعواطف وأشكال السلوك تتبع الحرب النفسية جملة من الأساليب التالية: الدعاية، الإشاعة، التضليل الإعلامي، غسيل الدماغ، الغزو الفكري،

        93

        الفكاهة والكاريكاتور، البلاغات والنداءات، إثارة الرعب، والفوضى، استعراض القوة وعرض الأسلحة، وتشويه الشخصية7.

        أما الوسائل التي تعين على استخدام هذه الأساليب فهي الوسائل السمعية والمرئية، كالإذاعة والتلفزيون والسينما، وأشرطة الفيديو والكاسيت ووكالات الأنباء والمواد المطبوعة من كتب وصحف ومنشورات، ومواد مصورة كالملصقات واللافتات والصور الفوتغرافيه والكاريكاتور، وكذلك من هذه الوسائل الخرائط والرسوم والمجسمات فضلاً عن وسائل الاتصال المباشر عبر الاتصال الشخصي والمسرحي والطابور الخامس8.

        94

        2- الحرب الناعمة:
        الأسباب والغايات:

        مع نهاية الحرب العالمية الثانية كانت المستعمرات قد تحرر معظمها من السيطرة الاستعمارية البريطانية والفرنسية. وظهر عصر السيطرة الأميركية بعدما انقسم العالم بين معسكرين وتحول الصراع بين أمريكا والغرب وحلفائه من جهة، وبين منظومة الكتلة الشرقية التي يتزعمها الاتحاد السوفياتي. وقد قامت بين الكتلتين الغربية والشرقية حروب ساخنة وأخرى باردة بأدوات اقتصادية ونفسية وأيديولوجية.

        غير أنه مع بداية التسعينات كان الاتحاد السوفياتي قد أعلن عن هزيمته. وبهذا الإعلان لم يعد هناك محل لإمكان بروز حروب عالمية جديدة لغياب المنافس ليحل مصطلح جديد هو العولمة بحيث أصبح كل شيء عالميَّ وشموليَّ النزعة وبرزت شعارات، من مثل الديمقراطية، الحريات، الرأسمالية العالمية، حقوق الإنسان، حماية البيئة، حقوق المرأة والطفل... الإرهاب العالمي، السلام العالمي وغيرها من شعارات يمكن

        95

        استخدامها استخداماً ناعماً للإطباق على الشعوب وتسخيرها لخدمة السيد الأميركي الجديد9.

        كذلك ما يدفع أميركا إلى استخدام الحرب الناعمة أن النصر العسكري لا يعني دوماً تحقيق نصر سياسي بل قد يؤدي إلى مقاومات وازدياد كراهية الشعوب لأمريكا، ازدادت على غرار ما حدث أثناء احتلال العراق وأفغانستان حيث كراهية الشعوب لأمريكا فضلاً عن إثارة الغضب لدى شعوب أميركا وأوروبا نفسها. كذلك هناك سبب لا يقل أهمية في اتباع الحرب الناعمة وهو تخفيف الخسائر البشرية والنفقات العسكرية التي تدفع إلى الجمود في الاقتصاد الأميركي نفسه.

        لقد أدرك الغرب عمق أزمته العسكرية والثقافية والاقتصادية وأحس بعجزه عن فرض سياساته بالقوة وتراجع مركزيته وظهور مراكز عديدة غير غربية كالصين واليابان فضلاً عن أن الجماهير وخصوصاً في بلدان العالم الثالث باتت أكثر صحوة، ونخبها أكثر حركية وصقلاً وفهماً لقواعد اللعبة الدولية. وأدرك كذلك أن تخلّف شعوب آسيا وأفريقيا يجعلها غير قادرة على الاستهلاك, ولا يمكن استيعابها إلا بعد أن تتقدم لتصبح شبه متقدمة وشبه مستهلكة10.

        96

        كان لا بد والحال هذه أن تظهر رؤية جديدة من خلال خطاب جديد يستوعب الإدراك الغربي للتكلفة العالية للمواجهة. وهنا ظهر ما يمكن تسميته الاستهلاكية العالمية، قوامها تحويل العالم إلى ساحة كبيرة تسودها قوانين العرض والطلب وتعظيم المنفعة المادية وتحويل العالم إلى مصنع وسوق وملهى ليلي.

        لتحقيق هذا قرر الغرب اللجوء للإغراء والإغواء بدلاً من القمع والقسر، والاستفادة من التفكك لضرب التماسك الداخلي, إي أن التفكيك والالتفاف أجدى وأرخص من التدمير والمواجهة. وآليات الإغواء عديدة من بينها إيهام الآخر, أي أعضاء النخب المحلية الحاكمة التي تم تغريبها بأنها شريكة في عمليات الاستثمار ونهب الشعوب, كذلك يتم الإغواء للشعوب نفسها عن طريق وسائل الإعلام العالمية، وبيع أحلام الاستهلاك الوردية أو عن طريق النخب المحلية، يترافق ذلك مع عمليات فتح الحدود وتفكيك الدولة القومية وحلول المنظمات الدولية، وإثارة الأقليات ومشاكل الحدود، وتفكيك الأسرة باعتبارها الملجأ الأخير للإنسان، والحيز الذي يحقق المجتمع داخله استمرارية الهوية والمنظومة القيمية11.

        97

        وسط هذه الرؤية ثمة افتراض كامن بأن المجتمع الأميركي، الذي حقق أعلى مستويات الإنتاجية والاستهلاكية لأعضائه، لا بد أن يصبح القدوة والمثل الأعلى.
        ولكن كل هذه الآليات والأهداف تصب في هدف واحد هو ضرب الخصوصيات القومية, والمرجعية الأخلاقية حتى يفقد الجميع أية خصوصية وأية منظومة قيمية ليصبحوا آلة إنتاجية استهلاكية لا تكف عن الإنتاج والاستهلاك دون أية تساؤلات، وليظهر إنسان استهلاكي أحادي البعد يحدد أهداف كل يوم، ويغير قيمه بعد إشعار قصير يأتيه من الإعلانات والإعلام، إنسان عالم الاستهلاكية العالية الذي ينتج بكفاءة ويستهلك بكفاءة، ويعظّم لذته بكفاءة حسب ما يأتيه من إشارات وأنماط، هذا هو الحل النهائي في عصر التسوية، الذي حل محل الحل النهائي لعصر التفاوت، فبدلاً من الإبادة يظهر التفكيك من الداخل12.

        98

        3- مقارنة بين الحرب النفسية والحرب الناعمة:
        استناداً إلى أحد التعريفات الواردة حول الحرب النفسية انطلاقاً من هدفها وهو التأثير على مواقف وعواطف وسلوك المجموعات العدوة والصديقة، نجد أن عملية التأثير تنطلق من الأخذ بعين الاعتبار مداخل ثلاثة هي: الموقف ومدخله العقل، العواطف ومدخلها الوجدان والشعور، والسلوك ومدخله الجسد.

        كذلك فإن القوة الناعمة أو الحرب الناعمة بوصفها تعتمد على قوة الجذب فإن مداخلها أيضاً هي العقل والوجدان والسلوك، مع وجود فارق بأن هذه المداخل وسيلتها في الحرب النفسية الترغيب والترهيب خصوصاً، في حين أن القوة الناعمة وسيلتها الترغيب فقط، ومن الأمثلة على ذلك:
        ـ العقل في الحرب النفسية: يتم الأخذ بعين الاعتبار مركوزاته وطبيعة وظيفته في الحكم على الأمور ومقارنة مصلحة الذات ومصلحة الجماعة. فخوض الحرب الدفاعية على سبيل المثال وبحكم منطق العقل يجب خوضها للدفاع عن الكرامة وعن المكتسبات والمقدسات. والحرب النفسية الموجهة نحو مركوزات العقل تستهدف جعله عقلاً تبريرياً جراء الإحساس بالضعف وعدم جدوائية المواجهة جراء تأثره بالدعاية والركون إلى الاعتراف بقدرة العدو حتى ولو كانت وهمية.

        99

        أما العقل كمستهدف في الحرب الناعمة فإنها تنطلق في تحفيز مركوزاته القيمية من مورد الجذب وليس التهديد واستعراض القوة وجعله عقلاً تبريرياً يهدف إلى تبرير عدم القدرة على المواجهة، فنشر الديمقراطية، والسلام والعدل والرفاه والخير مفردات يركن إليها العقل. لذا فإن استخدامها استخداماً جاذباً يستهدف الاعتراف بالخصم ليس كعدو وإنما كآخر يريد الخير العام، فلا بد والحال كذلك من دفع المستهدفين نحو الانشداد الطوعي والإرادي المفعم بالإقدام والتحفز الإيجابي وليس السلبي.

        ينطبق الأمر على الاستهلاك الذي غالباً ما يعتمد على قوة الجذب فالمستهلك، حذف مستهلك رشيد، ينفق على السلع وفق المنفعة التي يريدها من السلعة وبأقل كلفة في حين أنه بقوة الجذب عن طريق الترويج والإعلان الذي يدفع الإنسان إلى محاكاة العصر والانتماء للحداثة لا يصده عقله والحال كذلك بالنسبة إلى إنفاق المال الوفير في اقتناء السلع انطلاقاً من مردودها العصري والاجتماعي وليس وفق المنفعة أو القيمة التبادلية.

        الوجدان وهو مستوى المشاعر والأحاسيس كالمحبة والكره والخوف والقلق والرعب. الحرب النفسية غالباً ما تستهدف إثارة الخوف والقلق والرعب بهدف شل الإرادة والإحساس بعدم القدرة والعجز والتسليم.

        بينما الحرب الناعمة لا تستهدف غريزة الخوف والرعب والقلق بقدر ما تستهدف التبديد الواهم لهذه المشاعر؛ فالتركيز على الوئام

        100

        والديمقراطية والسلام والعدل تثير مشاعر سارة في النفوس، ولأنها كذلك فهي تدخل في مضامين هذه الحرب.

        وفي عالم الاستهلاك فالترويج للسلعة لا يستهدف الدافع البيولوجي للإنسان الذي ينفق وفق حاجته بل عليه أن ينفق وفق ما يروجه المنتجون، ولذلك تعتمد العملية الترويجية للسلع على الدوافع النفسية كالتقبل الاجتماعي، وإرضاء الذات إرضاءً نفسياً يثير مشاعر سارة تتجاوز الحاجة البيولوجية وتتجاوز المنفعة لأن الناس لا يستهلكون دوماً ما ينفعهم وما يوفر عليهم من المال وهو ما يُروج له في عالم الموضة والملابس وحتى في الطعام والشراب وأساليب الرفاه بل حتى المضرة منها كالكحول والدخان وغيرها.

        ـ الجسد: وهو مستودع الحركات والسلوك الظاهري الناتج عن العقل والوجدان؛ فالمحارب الذي تشل يده قبل الذهاب إلى الحرب والقائد المنكفئ في ساحة الحرب يتحدد سلوكهما قد ينبع من تأثير الحرب النفسية كتعبير عما اعتمل في العقل والوجدان.

        في الحرب الناعمة يراد للجسد أن يكون منمطاً في سلوكه كما الآخرين تنميطاً يحاكي الحداثة وفق النمط الأميركي، تنميطاً مشفوعاً بالإقدام وليس الانكفاء، وبالطلب وليس بعامل الضرورات. نموذجه نوعية الطعام واللباس وتسريحة الشعر وأنواع العطور وقواعد الرشاقة والموضة التي لا تنتمي إلى روح العصر بقدر ما تنتمي إلى عالم الربح والمال

        101

        وعالم التنميط في ثقافة الجسد وفق النموذج الحضاري الغربي انطلاقاً من مفاهيم الحق والحرية كحقوق طبيعية وليس كحقوق متعالية مصدرها الدين والوحي لا سيما في المجتمعات التي لا تزال تدمج بين الحقوق والأخلاق، بما ينعكس على سلوك أفرادها.

        مثالاً لا حصراً الإجهاض، وكشف الجسد، والزواج المدني والإسراف والقمار، وغيرها التي تنتمي وفق الحضارة الغربية إلى عالم الحقوق الطبيعية في حين تكون غير ذلك في المجتمعات الدينية لكونها تصطدم مع الأخلاق كقيمية متعالية.

        استناداً إلى التعريف الذي أدلى به جوزف ناي حول الحرب الناعمة أو القوة الناعمة نستطيع القول إن القوة الناعمة هي أحدى وسائل الحرب النفسية غير أنه نظراً لإعطاء القوة الناعمة هذا البعد كأحد الخيارات المهمة وكاستراتيجية يتعين على السياسة الأميركية اتباعها في بلوغ الأهداف عن طريق القوة الجاذبة تحديداً، يمكن إدخالها في نطاق محدد باعتبار أن الحرب النفسية وإن كانت حرباً بلا حراب، ولكنها تستخدم أساليب ناعمة وقذرة في آن معاً كالتهديد والحصار الاقتصادي، وبث الإشاعات وغالباً ما تستهدف التأثير على المعنويات.
        في حين أن القوة الناعمة تستخدم أساليب لا ينبغي لها أن تواجه بالرفض والاستنكار بل تعمل على استمالة الجماعات المستهدفة واندفاعها نحو الأهداف المطلوب تحقيقها.

        102

        وهي تستخدم في هذه الحال نفس الوسائل المستخدمة في الحرب الناعمة مع اختلاف الأساليب المتبعة في هذا المجال، انطلاقاً من مراعاتها قوة الجذب حتى ولو عن طريق الخداع.

        فكما للحرب الكلاسيكية أدواتها متمثلة بمختلف أنواع الأسلحة الحربية كذلك للحرب الناعمة أدواتها ونجومها وهي الشركات الصناعية الكبرى ورجال الإعلام وشركات الإعلان والتسويق ومراكز المال والبحوث ورجالات المخابرات وهؤلاء هم الذين يسيطرون على مراكز القوة في العالم. الهدف النهائي لهؤلاء هو الفرد العادي يسعى الجميع إليه بالإقناع حيناً وبالخداع حيناً آخر والمهم الحصول على موافقته وضمان رضائه مدفوعاً إلى أهدافها دفعاً عبر إخضاعه لمظاهر التأثير والغواية والتضليل من صنّاع المال والإعلام ووسائل الاتصال.

        103

        4- سنن التغيير
        التغيير هو سنة المجتمعات البشرية التي ومنذ فجر التاريخ لم تستقر على حال. ومع أن عوامل التغيير ترتبط بظروف مواجهة تعقيدات الحياة، وأن مسار التغيير وشدته يختلف بين شعب وأخر، إلا أنه بات من البارز لدى علماء الاجتماع أن التغيير أول ما يطال الأنظمة السياسية والاقتصادية والجوانب القانونية. ولكنه يحدث بوتيرة إقل إبطاءً في النظام الاجتماعي التي ترسخت العادات والتقاليد والمعايير القيمية السائدة.كل ذلك حدث قبل ثورة عالم التكنولوجيا والاتصال. ولأهمية ثبات العادات والتقاليد والثقافة السائدة كانت التجارب المريرة للأنبياء والرسل إزاء تحدي ثبات الأعراف السائدة في جمودها وتخلفها بحجة أنها عادات وتقاليد الآباء.

        في عصرنا الراهن الناس هي من تطلب التغيير في منظومتها الاجتماعية. نلاحظ انه حتى الشعوب التي تقول بوجود غزو ثقافي نجد أن هذه الشعوب ذاتها هي التي تبادر إلى تمثل الصيغ الجديدة. وإن صورة الرئيس يلتسين وهو يقف في مطلع التسعينات في طابور طويل في أحد شوارع موسكو كي يحصل على فطيرة هامبرغر في حفل افتتاح أول فرع لمطاعم ماكدونالدز في روسيا, وهي صورة سوف تتكرر في الرياض وفي الدار البيضاء مع اليوم الأول لافتتاح المطعم نفسه، وكأن الناس في

        104

        عرس تاريخي يشاركون فيه كإعلان لدخول العصر الجديد. ولا يماثل هذه الصورة إلا صورة الناس في شوارع القاهرة وجاكرتا وهم على أحر من الجمر شوقاً لمشاهدة فيلم أميركي مثلهم مثل آخرين في باريس وبكين وطوكيو وغيرها من بلاد المعمورة.

        لماذا تطلب الناس هذه الثقافة وتسعى إليها وتدفع لها المال وتخصص لها الوقت وطول الانتظار؟ هل بالإمكان القول انه ليس ثمة غزو ثقافي لأن الناس تطلب ذلك؟
        لقد تقدم الحال في مجال إثبات ما لثقافة الصورة غير أن ثمة خصوصيات للبلدان التي تعد نامية وخصوصاً في عالمنا العربي الإسلامي هذه الخصوصيات نابعة أولاً من حال الإخفاق في تحقيق تنمية حقيقته طال انتظارها لمدى ما يزيد على أكثر من نصف قرن من زمن الوعود بالعبور إلى حياة أفضل من مستويات الحرية ومجالات العمل والرقي, إن الفشل في تقديم النموذج الحضاري الخاص بهذه المجتمعات يدفع بلا شك إلى استلهام نماذج أخرى وجدتها في نمط الحياة الغربية دون غيرها وإلا لماذا لم تقلد نماذج أخرى موجودة لدى حضارات وشعوب أخرى

        لماذا كل هذا النجاح والتعميم للنموذج التملكي الاستهلاكي في مجتمعاتنا التي لا تنفك تعلن عن ارتباط قيمها الأخلاقية بمرجعية متجاوزة.

        105

        أ - البعد النفسي للتملك والاستهلاك:
        من أجل فهم طبيعة التملك والاستهلاك لا بد بداية من إدراج التملك الوجودي الذي نقف خلاله على هذه الحقيقة التي تعكس الطبيعة الأولى لتعاطي الإنسان مع ما يملك ويستهلك بغض النظر عن التملك المتجاوز للتملك الوجودي حيث سنفرد له سطوراً لاحقة في مقاربته انطلاقاً من المعطى الحضاري وفي انتقاله الناعم إلى المجتمعات العربية والإسلامية.

        التملك والاستهلاك الوجودي ينسجم مع حاجة الوجود البشري إلى اقتناء أشياء معينة يستخدمها من أجل البقاء من غذاء ومأوى وكساء وأدوات ضرورية للإنتاج. وهذا النوع له جذوره في الوجود الإنساني لارتباطه بدافع البقاء، وهو خلاف ما نرمي إليه من مقاربة الدوافع الأخرى للتملك والاستهلاك الذي ينشأ جراء الظروف الاجتماعية ومستجدات التطور.

        في المعطى الوجودي وكأقدم أشكال التملكُ يقدَّم مثال الطفل في مرحلة من مراحل نموه، يميل أن يضع في فمه كل الأشياء التي يرغب فيها. وفي المعطى الاجتماعي والنفسي باتت توجد أشكال من التملك لدى إنسان. النزوع للاستهلاك اليوم هو نزوع لابتلاع العالم بأسره. الإنسان الاستهلاكي في عصرنا الراهن هو الرضيع الأبدي الذي لا يكف عن الصياح في طلب زجاجة الرضاعة التي باتت تعبر عن حاجة

        106

        متجاوزة لحاجته الوجودية كتلك التي تتصل باستهلاك السيارات والسياحة والجنس.........وغير ذلك مما يخفف من القلق في عملية تدفع الاستهلاك إلى مزيد من عملية الاستهلاك لأن كل استهلاك سابق يفقد تأثيره الاشباعي.

        ب - مرجعية الأخلاق:

        في عصر العولمة قد لا تختلف مظاهر الاستهلاك بين نمط حداثي أوروبي وبين مجتمعاتنا قيد التحول للدخول إلى العصر الجديد.
        ولكن في معرض المقارنة والمفارقة، التساؤل المطروح أن المجتمعات الغربية في نمطها الاستهلاكي تنسجم مع الرؤية الكونية التي قدمها فلاسفة عصر النهضة وعصر الحداثة وما بعدها. تلك الرؤية التي تحيل إلى المنظور المادي حيث الإنسان في بعده المادي غير المتجاوز للطبيعة المادية, وحيث ليس ثمة غاية متجاوزة لوجوده المادي, وبذلك سادت قيم اللذة, والمنفعة، وحيث ليس للأخلاق المادية من مرجعية روحية متجاوز للإنسان ( أعنى الوحي).

        في مجتمعاتنا الإسلامية لا تزال مرجعية القيم الأخلاقية مستندة في معظمها إلى نصوصها الدينية. كذلك تقدم هذه المجتمعات في تجربتها التاريخية تأكيدها لقيم العمل من أجل الذات والآخرين وليس الذات الفردية وحدها، وتأكيدها لقيم الكرم والإنفاق المتجاوز للذات نحو الفقراء والمعوزين واستنكارها للجشع والبخل والإسراف والتبذير.

        107

        بمعنى آخر ليست قيمة الإنسان بما يملك أو غايته الاستهلاك الجشع خلا ما يبرر لدى رجالات السلطة والمحظيين وأولئك المترفين.

        في المجتمع الأوروبي لم يكن نمط الاستهلاك والتملك الجشع ليحدث إلا بعد أن غادرت هذه المجتمعات قيمها المسيحية الحقة. لم ينبذ الأوروبيون والأميركيون المسيحية باعتبارها لم تعد تتماشى مع روح العصر في التملك والمتعة والجشع والفردانية والمرجعية المادية للأخلاق، وإنما لأن الإيمان الديني يبقى مطلوباً للمحافظة على روح الانضباط وكتعويض عن المحبة التي يعجز عنها الشخص بتحويل المسيحي إلى وثن كأعظم من أحب عن الآخرين وبما يعوض عن عدم القدرة على استلهامه كنموذج.

        ثمة فارق بين أن يكون الغرب مسيحياً وبين المرجعية الأخلاقية غير المتجاوزة للمادة. ولقد كان الغرب وما يزال في نزوعه نحو التملك والاستهلاك أميناً لقيمه المادية بعدما استطاع الفصل بين الإيمان الديني وبين القيم المادية كمرجعية للسلوك.

        أما في العالم الإسلامي ومع أنه لا يمكننا الجزم بأن المسلمين يمارسون علاقاتهم وتعاطيهم مع ظروف الحياة انطلاقاً من العقيدة ومن التشريع الديني بما ينبغي أن يكون، مع ذلك فلا مناص من القول إنه من الصعوبة بمجال القول أن مرجعية القيم والأخلاق لا تنطلق من مرجعية متعالية. رغم ذلك لماذا هذا النزوع الكبير والمتسارع نحو استلهام الغرب في نزوعه الاستهلاكي التملكي؟

        108

        بما أن الغرب لم يفرض علينا أن نكون مستهلكين وفق نموذجه المشبع بالقوة وبالإكراه وإنما بالتزيين والدعاية والوعود وبالرفاه والسعادة ما يعني بالأساليب الناعمة التي توسلها في مجتمعاته وفي مجتمعاتنا في آنٍ معاً.

        الوعود بالرفاه والسعادة ترافقت في الغرب مع الانعتاق من العصور الوسطى ومع جشع الشركات الإنتاجية لتحقيق المزيد من الربح والثروة. وهذه الأخيرة تصح على محاولة استحواذه على مستهلكي العالم برمته مع فارق حضاري هو الرغبة في السيطرة وإخضاع العالم لتأكيد نموذجه الحضاري النموذج الرأسمالي كنهاية لتاريخ التطور البشري.
        ج - اللباس بوصفه قيمة حضارية
        اللباس من أقدم الصور البشرية التي استخدمها الإنسان في وظائف عديدة. قد لا نتخيل ولو لمرّة واحدة لماذا يرتدي الإنسان اللباس. لماذا لا يمشي الناس عراة؟ لماذا كل هذا الاستهجان الذي يظهر من الناس إزاء رؤية الآخر يرتدي لباساً يكشف من الجسد أكثر مما يستر؟ وبالتالي لماذا كل هذا التفنن بارتداء اللباس؟ وما هي القيمة الثقافية والحضارية للباس في عالم ما بعد الحداثة, وفي عالم الاستهلاك، والدعاية الناعمة؟

        حين نقرأ اللباس في منظور علم الاجتماع وعلم النفس لا نقرأه بوصفه قيمة معاشية ضرورية، وإنما بوصفه صورة ثقافية لها معانيها ودلالاتها بعضها جمالي تزيني وبعضها حربي لإحداث الرعب بين الأعداء وبعضها ديني أو ثقافي يعبر عن انتماء ما وعن هوية ما حيث

        109

        يكشف عن اللابس وجنسه وطبقته الاجتماعية وبلده وعن حاله الثقافية والمادية والحضارية، وقد يستعمل للإيهام ويكون حينذاك مجازاً أو خداعاً أو مواراة ومواربة.

        صحيح أنه في التفسير الدلالي المقرون بالنصوص الدينية أن آدم وحواء وضعا ورق التوت على عورتيهما بعد ارتكاب الخطيئة بعد ما علما معنى الاستحياء وهما زوجان ولم يقيد لأحد من البشر أن يراهما بعد. كذلك في النصوص الدينية يلعب اللباس دور إعطاء الجسد قداسة ما عبر الستر، ويضطلع بدور تحصيني للمجتمع إزاء الجنس الآخر ولو كان محرماً.

        لقد كان للباس وحتى في عشرات القرون التي خلت، وظائف ذات دلالات اجتماعية. فعند العرب لم تكن العمائم على رؤوس الرجال ترتبط بأحوال المناخ فحسب وإنما تتجاوز وظيفة الحماية من حر الشمس إلى معانٍ رمزية أخرى ترتبط بحجم العمامة ولونها إنها نوع من الخطاب الرمزي التواصلي مع الآخر في تقديم الذات. كان للباس وما زال معانٍ تتجاوز البعد التواصلي مع الآخر,كذلك بالذات نفسها جراء الإحساس الذي يرتد على الذات بغض النظر عن الآخر، هذه الذات التي لا تكون واحدة في واقعها اليومي المحسوس. لنا في هذا المجال المثال في تأثير لباس الرياضة في الإحساس بالتحفيز نحو النشاط كذلك يصح الأمر نفسه لدى العامل الميكانيكي، والجندي، ورجل الدين والقاضي وغيرهم...

        110

        يصح هذا الأمر في محايثة اللباس للمهنة أو العمل في حين أنه ثمة شيوعاً ومماثلة ومشابهة في زي ما، يعد زياً وطنياً يرتبط بالبيئة الاجتماعية والثقافية لدى شعب من الشعوب مع بعض التنوع الذي يحيل إلى موقعية الفرد ودون أن يلاقي الاستهجان لعدم خروجه عن منظومة القيم.

        في عصر العولمة وبفعل ثورة عالم الاتصالات وثقافة الصورة وأدوات الدعاية الناعمة في الدعوة إلى التحرر والانعتاق من نير التقاليد واللحاق بركب الحداثة وما بعد الحداثة، أصبح للباس بعد عالمي سمته البارزة أنه لا يستقر على حال أي مع عالم الموضة الذي يتجدد فيه اللباس في ساعات النهار ومع فصول السنة، ومع كل مناسبة بعينها. صار هناك لباس للمنزل وآخر للعمل وآخر للسهرات حيث للمرأة خصوصية في هذا المجال, تعنى بلباسها شركات متخصصة في عالم الموضة.
        د - البنية الاجتماعية الاقتصادية
        التنميط السلوكي غايته الفرد.غير أن الدعاية لم تكن لتقتصر على استهداف الفرد وحسب وإنما تستهدف أيضاً البيئة الاجتماعية والاقتصادية لأن ثمة اعتماداً متبادلاً بين البنية الشخصية للإنسان العادي والبيئة التي يعيش في وسطها وهي علاقة لا يمكن أن تكون ساكنة على الدوام. وأي تغيير يطرأ على أحد طرفيهما يعني تغييراً فيهما معاً. وهذه الرؤية تقف بمقابل آخرين يذهبون إلى أنه يجب أولاً التغيير في طبائع البشر، في وعيهم وقيمهم وشخصيتهم وبعدئذٍ يمكن بناء مجتمع

        111

        إنساني حقيقي. وقد تقدم الحديث في أساليب الدعاية ووسائل الإعلام التي تستهدف طبائع الأفراد. ما يعني أن الذهاب في المقاربة نحو طريقة العمل الدعائي الذي يستهدف البنية الاجتماعية والاقتصادية سنفرد لها عناوين فرعية وفق الآتي:
        * الجانب الديني
        الدين هو جزء أصيل من حياة الإنسان يرضي فيه دوافع عميقة نحو العالم الأخروي ويوجه سلوكه الاجتماعي.
        المقصود بالدين ها هنا ليس بعده الاعتقادي وكنظام للفكر الذي يشكل اعتناقه أطاراً للتوجه ويكرس الإنسان حياته من أجله. الدعاية المقصودة في هذا المجال، تستهدف السلوك الاجتماعي النابع من الدين وليس الدين بوصفه طريقاً للخلاص الأخروي. فالناس قد تعبد حيوانات أو مظاهر طبيعية أو آلهة مصنوعة من الذهب أو قد يعبدون أسلافهم، أو حتى المال أو الشيطان نفسه. الدعاية الهادف نحو تغيير البيئة الاجتماعية لا تستهدف هذا الجانب. المشكلة هي أي نوع من الدين يعبدون. إنه الدين الذي يفجر الطاقات ويحرك السلوك ويدفع نحو التضامن والتكامل ولخدمة هدف الحياة ومعناها.

        في مطلع عهود الاستعمار في القرن التاسع عشر كانت الدعوة إلى العلمنة بوصفها تقوم على أساس أن الفصل بين الدين والدولة هي

        112

        المحرك للعمل الدعائي الذي يستهدف العالم الإسلامي. الدين بوصفه نظاماً من الاعتقادات ليس هو المستهدف، وإنما الاستهداف غايته حين يكف الدين عن كونه مصدراً للتشريع وللقيم الأخلاقية. وقد صار للعلمانية منظروها في الغرب والعالم الإسلامي يقابلها مواقف ناقدة ومتحفزة للدفاع عن حقيقية الدين وجوهره.

        في عصر ما بعد الحداثة نشهد ضموراً وليس أفولاً للدعوات الفذة نحو العلمانية مفسحة المجال أمام عناوين أخرى تطال الدين بوصفه محركاً للسلوك وبوصفه موجهاً للقيم. من قبيل هذه الدعوات فكرة الشرق أوسطية والسلام في منطقة الشرق الأوسط. الشرق أوسطية ليست بمقابل الغرب كهوية حضارية وإنما الشرق أوسطية بما تعنيه من استحداث هوية ومنظومة قيمية متجاوزة للدين بل للأديان الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية بما يعنيه هذا الأمر من أن الدين يلعب دوراً محفزاً للتعارض ويختزن إمكانات ليست من طبيعية تعايشيه وهو خلاف النظرة إلى حقيقة الدين وجوهره. الشرق أوسطية تعنى تلك الفكرة التجاوزية لصراع الأديان في تلك المنطقة. الدين فيها ليس هو المستهدف وإنما دوره المحرك في المقاومة والممانعة تجاه اغتصاب الأرض والمقدسات ليس من اليهود بوصفهم أتباع دين وإنما بوصفهم أصحاب مشروع استعماري كانت حلقته الأولى في فلسطين.

        يتبع

        تعليق


        • #5
          وإذا ما تم نجاح هذه الفكرة بالتحول إلى واقع عملي فإن المنظومة القيمية سوف تتغير، فالسلام الذي يعقبه تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني يعني إسباغ المشروعية وتواطؤا ً على ارتكاب الظلم وإحلالاً لمنطق الواقعية وتجاوزاً لإحقاق الحق ونصرة العدالة.

          أما العدة المفهومية التي تخاطب العقل فهي سابقة على فكرة الشرق أوسطية ولكنها تخدمها وتدعمها وتعمل على تسويغها من قبيل الترويج للحق في الاختلاف الناتج عن التنوع وهي فكرة تجد لها رواجاً في النصوص الدينية للرسالات الدينية. ولكنها وفق المفهوم الأميريكي تدخل في إطار نسبية القيم لا بمعنى غاياتها التي تدفع إلى التعايش الايجابي بين مكونات الاختلاف وإنما بالمعنى الشمولي الذي تضيع فيه الحدود ويختلط فيه الحق بالباطل والمعروف بالمنكر ويتلازم مع فكرة الحق في الاختلاف، شعار التسامح الديني وفقه التسامح هي فكرة تجد لها قبولاً في الأديان السماوية وتخطى بقبول العقل وفق منطق الجمال والقبح. فالتسامح جميل بمنطق العقل ولكن شرط أن يبقى الظلم قبيحاً وأن الجرم والاغتصاب دونه رد الأمور إلى نصابها وإلا فما هو منطق الأمور الذي يدفع إلى تعايش الذئب مع الغنم؟ وفقاً لهذا المنطق يصبح الاعتدال قيمة ممدوحة والتطرف إرهاباً وقيمة مرفوضة. فالاعتدال يصبح قرين الواقعية والنسبية المفرطة وهو القدرة على تدوير الزوايا في حين أن التطرف هو الخروج عن المألوف.

          114

          حين تضييع حدود المفاهيم فإن معانيها وغاياتها تتحدد انطلاقاً من أهداف مروجيها وقدرتهم الجاذبة على الإقناع وإلا فلا يمكن أن نعد كل نظرية أو اعتقاد على غرار ما قدمه اينشتاين وكوبرنيكوس وأديسون وغيرهم تطرفاً لاعتقادهم الراسخ بمنطق القوانين العلمية. فلا يجوز أن نطلب من هؤلاء أن يكونوا معتدلين وإلا ضاع منطق العلم, ولا يمكن عدُّ دعوات الأنبياء تطرفاً لتمسكهم بما جاؤوا به من تعاليم على أنه يصلح لكل زمان ومكان.
          * اقتصاد الرفاه
          هو أحد العناوين المستخدمة في الدعاية الغربية والترويج لأحلام الرفاه فسنغافورة، هي بلد صغير في آسيا يتسم بأنه بلا تاريخ ولا ذاكرة تاريخية، ولا تقاليد حضارية أو منظومات قيمية راسخة, لذا يمكن تهميشها حتى يتحول الإنسان إلى وحدة اقتصادية قادرة على الإنتاج والبيع والاستهلاك، وتصبح البلد كلها مجموعة من المحلات والسوبر ماركت والفنادق والمصانع وينظر الناس إلى أنفسهم لا كبشر إنما كوحدات إنتاجية استهلاكية.

          وقد أصبحت سنغافورة حلم كثير من أعضاء النخب الحاكمة في العالم الثالث التي تفهم التنمية في إطار اقتصادي بحت. والرؤية السنغافورية هي الرؤية المهيمنة على المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي,

          115

          والبنك الدولي التي تعطي القروض في الإطار السنغافوري المحض،13 وفي الإطار الإماراتي ونموذجه دبي، وكذلك في إطار الدول المعدّة للسلام مع الكيان الصهيوني في إطار النظام الإقليمي الشرق أوسطي. فالاتجاه نحو العالمية لم يحل دون الدعوة إلى التقارب الإقليمي الذي يمثل خطوة في التقارب العالمي والنظام الإقليمي نحو إزالة القيود والحواجز بين دول ذات خصائص وأواصر مشتركة. ويكفي في هذا الصدد أن نلقي نظرة على تطور أطلق عليه الدول النامية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا. ففي جنوب شرق آسيا كانت الدول قد شقت طريقها نحو التصنيع وحققت قفزات نوعية حيث سميت بالنمور الأسيوية. كذلك فإن دولاً في أميركا اللاتينية حققت هي الأخرى معدلات في التنمية, ولكنها كانت في تقلبات اقتصادية حيث وقعت في فخ التضخم والمديونية. وعندما التجأت هذه الدول إلى الاستدانة من الخارج فإن مجموعها وقع تحت عبء المديونية الخارجية على نحو متقارب ولتعمد إلى الأخذ بسياسيات الإصلاح الاقتصادية وتحرير اقتصاداتها الوطنية.

          من المناسب إلقاء نظرة سريعة على أوضاع بعض الدول العربية المعاصرة. هناك ثلاث دول عربية خضعت خلال فترة غير قصيرة لشكل من أشكال الحصار الاقتصادي، فكل من العراق وليبيا والسودان

          116

          قد خضع لشكل من أشكال العقوبات الاقتصادية الدولية أو التهديد بها. ترافق مع الحصار بروز حركات داخلية مناهضة انتهت إلى احتلال العراق وتقسيم السودان وإخضاع ليبيا.

          كذلك قبل اندلاع الثورات المطالبة بالحرية مرّت معظم الدول العربية بمخاض اجتماعي وسياسي.
          معظم الدول العربية التي راحت تأخذ بالإصلاحات الاقتصادية للانتقال إلى اقتصاد السوق ترتب عليها بروز توترات اجتماعية متصلة بارتفاع معدلات البطالة وقسوة تكاليف الحياة على الطبقات الفقيرة. في الوقت نفسه فإن التحول التدريجي إلى مزيد من المشاركة السياسية وظهور الأحزاب السياسية لم يكن ليتم بسهولة ويسر. فعرفت الجزائر في بداية التسعينات حرباً أهلية من الجماعات الإسلامية المسلحة، وخضات مماثلة في دول عربية أخرى.

          أن الإصلاحات على المستوى الاقتصادي ينبغي لها تطوير النمو وزيادة في الإنتاجية ونمواً في الوضع المعيشي. ولكن ما ينبغي التأكيد عليه في هذا المجال أنه في ظل عولمة الاقتصاد لا مكان لاقتصاد غير تنافسي. فالدول، خصوصاً الصغيرة منها، ليس لديها خيار كبير في اختيار النظام الاقتصادي بل عليها تتبع السياسيات الكفيلة بتوفير إمكانات الكفاءة والرشاد. من بينها نظام قانوني وسلّم مكاشفة كاملة. في حين بقي الاقتصاد العربي التعاوني مجرد اتفاقات تعقد وتظل حبراً على ورق,

          117

          حيث عرفت المنطقة العربية عشرات الاتفاقات خلال نصف القرن الماضي لانعدام توافر نظم ديمقراطية كما في أوروبا التي عرفت وحدتها وساعدها في ذلك قيم الديمقراطية المشتركة14.

          118

          5- الاتجاهات الاستهلاكية السائدة
          أ- النمط المتغرب:

          يشمل هذا النمط الفئات شبه الممتلئة بأتباع النمط السلوكي الذي يحاكي الغرب في التملك والاستهلاك. هذا النمط ليس غربياً بامتياز لأنه ما زال يحمل سمات مجتمعه وثقافته الخاصة وإلا عُدّ بنظرنا غربياً وليس متغرباً. النمط المتغرب الذي يسعى بأكبر قدر ممكن إلى اتباع الغرب في سلوكه وفي نمط عيشه سقطت دفاعاته الثقافية.

          خير مثال يمكن تقديمه في هذا المجال هو علاقة المستهلك بالملكية. هذه العلاقة لا تختلف عما هو سائد في الغرب. التملك لأجل الاستهلاك وليس للحفظ وهو تأكيد دائم على الاستهلاك. الأشياء لدى هذه الفئة تُشتري لترمى قبل بلوغ الذروة في استهلاكها فأياً كان الشيء الذي يُشتري سيارة أو ملابس من أي نوع، فإن الشخص سرعان ما يمل منه، ويصبح تواقاً للتخلص من القديم وشراء آخر طراز. ربما كانت السيارة الخاصة هي أهم مظاهر الاستهلاك. في عصر السيارة وعصر الطرز الحديثة ليست ثمة عاطفة عميقة أو دائمة مع ما يُقتني وإنما هي نوع من الغرام قصير العمر، فأصحاب السيارات من هذه الفئة سرعان

          119

          ما يغيرون سياراتهم بعد مدّة وجيزة بعد عام أو عامين. لكي نفهم هذا النمط الاستهلاكي يمكن الأخذ بعين الاعتبار عوامل عدّة منها:
          السيارة ليست شيئاً ملموساً يغرم به صاحبه وإنما هي رمز لمكانته وقوته وكونها جزءً من ذاته.

          تضيف إلى شخصيته شيئاً جديداً. العامل الثاني هو أن شراء سيارة كل عام أو عامين بدلاً من خمسة أو ستة أعوام (معدل استهلاكها) يضاعف نشوة الاقتناء لدى المشتري ويزيد أحساس المالك بالسيطرة. وبقدر ما يتكرر تتعاظم النشوة والإثارة.

          العامل الثالث هو أن تكرار عمليات الشراء يعني تكرار فرص عمل صفقات جديدة، أي تحقيق ربح خلال التبادل، وهو أمر يشبع رغبة عميقة في رجال ونساء هذا الزمان. والعامل الرابع هو الحاجة إلى خلق منبهات جديدة لأن سرعان ما يزول الأثر التنبيهي للقديم ليحل مكانه منبه أكثر كثافة وتنبيهاً15.

          السيارة المتجددة في نظر هؤلاء هي ضرورة حيوية، ولمن لم يملكها بعد هي حلم بالسعادة. من لم يملك، وهم من فئة الشباب الموعود بالعمل ، خطه الاستهلاكي في نوع آخر يتمثل من عقيدة خاصة وهي

          120

          أن يفعل ما يريد. نجدهم يتجشمون العناء لسماع موسيقى يحبونها، ويلهثون وراء صرعة في قصات الشعر وموديلات الثياب لا ينتمون إلى إيديولوجية معينة، عثروا على هدف واحد في الحياة هو الحرية، وكانوا مستعدين ليملؤوا الساحات هتافاً باسم الحرية ولكنهم يتميزون عن غيرهم بسذاجة سياسية وفلسفية لأنهم ما زالوا قيد البحث عن المعنى من أجل أن يكونوا هم أنفسهم.

          ب- النمط التوفيقي:

          هذا النمط هو الأكثر شيوعاً في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر. يمكن تسميته بالنمط الخلاسي التوفيقي، المنهجي، الموالف، المتكيف بحدود تتسع أو تضيق.
          النمط المتغرب استولت ثقافة الصورة وجاذبيتها الناعمة على ذهنه ووجدانه، في حين أن النمط التوفيقي يعبر عن نماذج توفيقية بعضها نابع من وعيه ومعرفته وأجرى توليفة عقلية وتسويفات تدفعه نحو التكيف ، وبعضها لديه الرغبة بأكبر قدر ولكنه اقتصر على بعضها جراء عدم ملاءمة الظروف المعيشية. وبعض آخر لا يزال يحتفظ بقدر من التقاليد. وفي هذا المجال الأمثلة كثيرة سوف يتم إدراجها دون أن تكون حصرية.
          * ملكٌ مقرّب:
          لطالما حظي الملوك والأمراء والطبقات المرفهة بوفرة المال والسلطة مع الركون إلى الملذات. والإحساس بالتميز هو سنّة مجتمعية لا ترتبط

          121

          بعصر بعينه ولا تخص شعباً من الشعوب. حتى في المراحل السابقة عرفت العهود الإسلامية الترف والبذخ في الإنفاق في قصور الحكام خصوصاً في العصر الأموي والعباسي. لذلك ليست مقاربتنا للاستهلاك لدى طبقة الحكام في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ترتبط بهذا الجانب بقدر ما تسعى إلى تبيان بعض النماذج التي يمكن عدّها أو تصنيفها وفق النمط التوفيقي. وهي نماذج ماثلة قد لا تحتاج إلى عناء كبير في البحث عنها بقدر ما ترتبط بتبيان دلالاتها. فلنا أن نتساءل في هذا المجال لماذا كان المواطن العربي يشاهد عبر التلفزة في بعض الأحيان ملك الأردن الراحل ( الملك حسين) يرتدي البذلة الرسمية فيما يضع الزي التقليدي على رأسه ( الحطة والعقال) هل تنحصر الدلالات هل تعني أن أصالتنا يمكن أن نحافظ عليها في ذلك الجزء العلوي من الجسد الذي يختص بالعقل ( الدماغ) فيما يمكن لباقي الجسد أن يكون منفتحاً على التحديث؟ ولماذا كنا نشاهد أمير قطر الذي زار لبنان بعد توقيع اتفاق الدوحة عام 2008 ومن ثم غادر لبنان نحو أوروبا في بذلة رسمية؟ هل يعبر ذلك عن تلازم الشعور بالفخر الذي يجسده الزي الوطني مع القدرة على انجاز المصالحة بين فريقي النزاع في لبنان وبأن الانجاز عربي بامتياز؟ أياً تكن تلك الدلالات فما زال الاعتزاز بالزي الوطني وهو يمتد في عمقه التاريخي إلى قرون مضت يجد له موضعاً في نفوس الكثيرين في الشرائح الاجتماعية حتى العليا منها، مما يعني أن البعد الحدائدي يمكن أن يجد

          122

          له مكاناً في ميادين شتى في الاستهلاك ولكنه في اللباس ولكونه يعبر عن قيمة وطنية ودينية قد يكون ما زال بعيداً عن التأثير المفرط بأسلوب الدعاية والترويج الاستهلاكي وفق النمط الغربي. حتى هذا التاريخ ليس بمستطاع الطبقات الحاكمة خصوصاً في دول الخليج مغادرة قيمها الثقافية وتقاليدها في اللباس بل يمكن القول ان هذه الشرائح والطبقات التي تضطلع بالسلطة محافظة في قوانين دولها كالخليج واليمن وهو ما يسجل لها في عصر الموضة_ خصوصاً في زي المرأة فما زلنا نجد حجاب المرأة هو السائد في مثل هذه البلدان حتى أكثرها تأثراً بالحداثة والعولمة كالإمارات المتحدة حيث ناطحات السحاب والأندية والمطاعم الفارهة والملايين من العاملين من جنسيات مختلفة مع ذلك ما زالت المرأة محافظة على زيها الوطني ، وهو ما ينسحب على بلدان إسلامية أخرى كاندونيسيا وماليزيا والصين وبورما والهند ودول إسلامية وغيرها.

          كذلك إن من القلق الوصول إلى حياة طيبة عنوانها الإحساس بالاستقرار المعيشي يدفع إلى المزيد من الاستهلاك. الوجبات الجاهزة من الطعام الطيب المذاق تغدو بمثابة حيلة لا شعورية مخففة لحال القلق ولحال الدخول في عالم الأحلام وفق النمط الغربي، حيث استهلاك الطعام لا يقتصر على الاستهلاك الضروري للحياة، وإنما استهلاك اللذة مقابل الألم والإحساس بالقلق.

          123

          * محجبة على سبيل النجاة:
          وهو ما نقصد به حجاب الموضة حيث يتم التوفيق بين الستر الذي يوضع على الرأس وبنطلون الجينز، أو ذلك الحجاب الذي يعدّ حجاباً متماشياً مع العصر في زركشاته وألوانه وضيقه واتساعه الذي يبرز ويحجب في آن معاً مع بعض الاكسسورات كأدوات للزينة التي تطرح إشكالات لعدم تناسبها مع المعطى الفقهي.

          ومن الدلالات المرتبطة بهذا السلوك هو إرضاء الذات إرضاء توفيقياً بين النزوع الجمالي وضرورات الالتزام بالقيم الدينية ، وبين إشعار الذات والآخرين بالانتماء إلى روح العصر انتماءً توفيقياً حيث ليس من قدرة على التعايش مع التقليد وليس ثمة من رغبة بمغادرة القيم نحو نزع القداسة عن الجسد وفق النمط الغربي.

          وقد سجل بعض الفتيات الجامعيات إجابات أساسية حين السؤال عن هذا النوع من الستر بكلمات لا تخلو من دلالات "إنها الموضة".
          هذه القدرة على التوليف بلا شك تعبر عن ازدواجية حضارية تجلت ببعض الإجابات التي تعبر عن القلق من خلال التمني بوضع الحجاب الذي يعدّ متناسباً مع الشرع بعد الزواج أو بعد بلوغ سن معينة، وإجابات لدى شرائح أخرى تعبر عن الاعتزاز بهذه التوليفة بأنها ما زالت محافظة مع إضفاء بعض التعديلات التي نشير إلى روح العصر وإلا كانت قد نزعت حجابها.

          124

          هذه الإجابات تعبر عن درجة التصاق القيم المحلية في صراعها مع قيم الحداثة وسط حصار الصورة الدعائية ووسط حصار داخلي نموذجه الدعاية الداخلية المتأثرة بالترويج الاستهلاكي في مجتمعاتنا بحيث بتنا نجد محلات وأماكن لبيع هذه الأنواع من الألبسة بعد أن أصبحت هذه المحلات في أسمائها وموديلاتها تعبر عن هذه التوليفة "بوتيك فاطمة" ومخازن "أم البنين" (نقلت إلى اللغة الأجنبية) وغيرها من الأسماء التي لا تخلو من دلالات.

          * عامي متبجح:

          من المعطيات البالغة الدلالة في هذا المجال أن هذه الفئة من النمط التوليفي ما استطاعت التكيف مع الحداثة الوافدة ولا استطاعت المحافظة على المخزون القيمي والثقافي لمجتمعها.أنها نمط توليفي من نوع خاص. هذا النوع يتجلى في الالتزام الاستهلاكي المفرط في بالحداثة مع ابتداع تقليد خاص ليس من صنعها وحدها بقدر ما هو ناتج عن ثقافة الضرورة المحلية والتفاعلات العلائقية من التعامل مع الآخرين ومع الذات.

          نجد هذا النوع من النمط الاستهلاكي التوفيقي في نماذج كثيرة وبعناوين متنوعة كحال ذلك الشاب الذي استطاع اقتناء سيارة فاخرة من الجيل الأكثر حداثة في عالم السيارات ولكنه لا ينفك واضعاً حذاءً قديماً في عقبها درءً للحسد من عيون الآخرين في مطاولتها لهذه النعمة

          125

          المسبقة عليه أو ذلك الذي يعمد إلى تزيينها بما يعكس فلسفته وتجربته والتعبير عن انتمائه السياسي والديني ومشاعره تجاه الآخرين.
          ينزل من منزله في ذلك الحي الفقير بثيابه نصف المتأنقة وقصة شعره التي لا تخلو من محاكاتها العصر صاعداً إلى سيارته التي كانت قد ازدادت لمعاناً بعد أن كان قد أكثر عليها صب المياه التي كانت بقدر ما تزيدها لمعاناً لينساب الماء المختلط متهاوياً إلى بركة في أسفل الطريق غدت كأحد الافخاخ للعابرين.

          قد يكون من حسن حظ القاطنين في الجوار أنه لم يفتح بوق سيارته قبل الانطلاق ولكن سوء الطالع سيكون بالتأكيد حين الانطلاق المتواكب مع تلك الأغاني الأجنبية الممزوجة بصخب الموسيقى المصحوبة ببعض السباب والشتائم للعابرين أمامه في ساحة الزحام الشديد.

          هذه القصة ليست من الخيال، ما يريح الذهن من الكلمات المنمقة بقدر ما يراد من إدراجها تبيان الاستهلاك التفاخري في مداه الذي يُقدم على الأولويات في الاستهلاك وهو لا يطال شريحة بعينها. مدى تأثير الدعاية ليس فقط على تجاوز القيم الثابتة والظرفية وإنما على إحلال قيم استهلاكية من نوع خاص يراد لها إضفاء نوع من القيمة الاجتماعية المفقودة جراء ضحالة الثقافة والمكانة التي تعطي الإحساس بالدرجة والرفعة.

          126

          ج- النمط المحافظ
          ينطلق هذا النمط من الإحساس بخصوصية الهوية والتخوف من الذوبان والاندثار للثقافة الخاصة. وهي لا تزال تغطي مساحات عديدة تبرز في صيغ ثقافية وسلوكية متنوعة خصوصاً في مجالات القيم من موقع الاعتزاز وإرادة التحدي. هذه الفئة نجدها في الشارع والمدرسة، وفي التلفزيون والمسرح وعالم الفن وغيرها من المجالات التي يجري فيها التأكيد على الذوق الخاص وعلى الأصالة في الفكر والتدين ومظاهر اللباس واللغة. فهناك بعض الوقائع التي تكشف عن المزيد من الخصوصية ورفض الغزو الثقافي. البعض من هذا النمط يدخل العولمة وفق شروطه الخاصة، وتبرز بالخصوص في صورة التحجب حيث تزايد صور المحجبات في الفضاء الثقافي العام في الجامعات والأسواق ومراكز العمل وفي التلفزيون حيث تظهر بعض المذيعات متحجبات في صورة تتناسخ مع صورة الموضة لكي تتبارى مع صورة المرأة في الدعوة إلى الاحتشام وعدمها16.

          يعني ذلك أن الأساليب الناعمة في الدعاية وثقافة الاستهلاك المعولم بقدر ما ينتج عنها نمط عالمي في الاستهلاك وفي شتى مناصي السلوك فإنه ينتج عنها كذلك صدمة الوعي بالهوية. فالعولمة في قوامها الترويجي والدعائي تنتج الشيء ونقيضه. فبقدر ما يشيع النموذج الواحد فإنها

          127

          تخلق النموذج المنافس أو على الأقل النموذج المحافظ. وحين يجري تقليد أمريكا في كل شيء مع قبول بنمطها الذوقي والثقافي، وهو قبول ظاهر على مستوى الشوارع في كل أنحاء العالم ، فإنه يتجاوز خطاب الرفض العالمي لسياسيات أمريكا ولهيمنتها الاقتصادية معتبراً أن هذا الخطاب تبرز في مؤتمرات ضد العولمة والتجارة الحرة التي تغطي مدن العالم كلها17 وفي الدعوات العالمية إلى رفض تسليع جسد المرأة والدعوة إلى الاحتشام.

          128

          هوامش
          1ـ د. عبد المنعم الحفني، الموسوعة النفسية، مكتبة مدبولي، القاهرة 1995، ص 235.

          2ـ المصدر نفسه، ص 17.

          3ـ مصطفى الدباغ، المرجع في الحرب النفسية، دار الفارس للنشر والتوزيع، الأردن 1998، ص 16.

          4ـ د. عبد المنعم حقي، الموسوعة النفسية، مصدر سابق، ص 338.

          5ـ المصدر نفسه، ص 339.

          6ـ المصدر نفسه، ص 341.

          7ـ مصطفى الدباغ، المرجع في الحرب النفسية، مصدر سابق، ص 57.

          8ـ المصدر نفسه، ص 185.

          9ـ د. حازم الببلاوي، النظام الاقتصادي الدولي المعاصر سلسلة عالم المعرفة، العدد 257، الكويت 1995، ص 234.

          10- د. عبد الوهاب المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، دار الفكر المعاصر، بيروت 2003، ص 171.

          11- م.ن : ص172.

          12- م.س: د. عبد الوهاب المسيري، ص174.

          13- د. عبد الوهاب المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، دار الفكر المعاصر، بيروت 2003، ص122.

          14- م.س د. حازم الببلاوي، النظام الاقتصادي المعاصر، ص 253

          15- إريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، سلسلة عالم المعرفة، العدد 140، المجلس الوطنية الثقافة والآداب والفنون، الكويت 1989،ص76.

          16- د. عبد الله الغذامي،ص210

          17- المصدر نفسه ، ص 210

          يتبع

          تعليق


          • #6
            أدوات الحرب الناعمة
            تحمل بعض المفاهيم والكلمات أحياناً تغييرات جذرية في النمط الفكري. ومن جملة هذه المفاهيم مفهوم الحرب الناعمة والتهديد الناعم. فهذا المفهوم لا يشير فقط الى ظهور أساليب جديدة في النضال أو ظهور تحولات سياسية وأمنية جديدة، بل يشير الى ما هو أبعد من ذلك، ففي الواقع يدل على ظهور مدرسةٍ جديدةٍ في مجال الصراعات والنزاعات على المستوى الدولي، إذ تروّج التحولات السياسية والاجتماعية في كلّ مدةٍ من الزمن مفهوماً جديداً في الأدبيات السياسية والإستراتيجية للمجتمعات ويُصبح هذا المفهوم محور نقاشات ومباحثات في المحافل النخبوية والمثقفة.

            ونفهم من خلال التأمل في نقاشات وأدبيات الحرب الناعمة عدم وجود إجماعٍ مفهومي ووضوح في المعنى حول هذا المفهوم. ولكن رغم ذلك، يمكن تشخيص أربعة اتجاهات كحدٍ أدنى بين مجموعة هذه الأدبيات:


            135

            الاتجاه الأول: التهديد الناعم هو بمثابة العمليات النفسية للعدو ضد الرأي العام المحلي. انطلاقاً من هذا الاتجاه يعتبر التهديد الناعم مساوياً لمجموع الحملات النفسية- الدعائية لدولةٍ ضد دولةٍ أخرى.

            الاتجاه الثاني:
            يعادل التهديد الناعم الإجراءات المخفية والتآمرية للأجهزة الأمنية المعادية ضد المجتمع, وهكذا فإنّ التهديد الناعم عبارة عن مجموعة العمليات المخفية المنفّذة من قِبل الأجهزة الاستخباراتية.

            الاتجاه الثالث: ينظر هذا الاتجاه الى التهديد الناعم على أنّه استهداف الأسس الذهنية والاعتقادية لنظام سياسي من قِبل المحافل المثقفة أو سائر المراجع الفكرية والمؤسسات الثقافية.

            الاتجاه الرابع: يتمّ تلقي التهديد الناعم على أنّه تلك الاضطرابات الاجتماعية الواسعة والتي تهدف الى الإطاحة بنظامٍ سياسيٍّ.

            ومع وجود اختلاف النظر في هذا التقييم المفهومي لهذه الاتجاهات الأربعة، يمكن القول إنّ جميعها عاجزة عن تناول كافة جوانب الموضوع، وهذا ما يُبقي السؤال التالي على قوته: بناءً على أي أساسٍ نظري وأيّ مؤشراتٍ كمية قابلة للقياس العلمي يمكن بناء الإطار المفهومي للحرب الناعمة والعناوين المندرجة تحتها؟

            ومن خلال نظرةٍ إجمالية وأولية الى ظاهرة التهديد الناعم، يمكن تصور نموذج من أربعة أركان, حيث إنّ أهم الأركان المقوّمة لماهية الحرب الناعمة هي: التغيير السياسي، التخطيط، العنصر الخارجي،


            136

            الهدف والأدوات. ولا يخفى أنّ هذا النموذج لا يُلغي العوامل المؤثرة الأخرى، لكن يبدو أنّ الاركان الأربعة المذكورة من أهم العوامل.

            وكذلك يبدو أنّ أهم ركن يمكن أن يكون أصلاً مهماً في تشخيص ظواهر مثل التهديد الناعم والحرب الناعمة هو الهدف النهائي للظاهرة. ويمكن تلخيص هذا الهدف في عبارة "التغيير السياسي". لكن ليس بالضرورة أن يكون المقصود من "التغيير السياسي" ما يرمي إليه بالدقة أصحاب الرأي في علم الاجتماع السياسي، بل إنّ المقصود أكبر من ذلك. ببيانٍ آخر، يمكن جعل هدف لاعبي الحرب الناعمة في نقطةِ التقاء طرفي سلسلة حيث يشكّل الطرف الاول تغيير السلوك والطرف الثاني انهيار النظام السياسي. ولهذا السبب إنّ إطلاق عنوان الثورة الملوّنة على هكذا ظواهر غير صحيح. ولتوضيح إدعائنا، علينا الالتفات الى مفهوم التغيير السياسي بمعناه الخاص في أدبيات علم الاجتماع السياسي ومفهوم إعمال النفوذ وتغيير السلوك في أدبيات العلاقات الدولية.

            يعتبر بعض أصحاب الرأي في علم الاجتماع السياسي أنّ التغيير السياسي معادلٌ للتغيير في ترتيبات القدرة الحاكمة على المجتمع. ويقسّمونها الى أربع مجموعات كلية. ويتشكّل أساس هذا التقسيم من عناصرَ مثل نوع وميزان مشاركة المشاركين في الأيديولوجيا والمُثل السياسية العليا.

            1- الانقلاب العسكري: يمكن أن نُطلق على المجموعة الأولى من التغييرات اسم المؤامرات المنظمة، ويُقصد بذلك التغييرات المخطط


            137

            لها بدقة مثل الانقلابات العسكرية حيث يقوم من خلالها عدد من النخب، وغالباً ما يمتلكون أيضاً القدرة السياسية، بتغيير السلطة الحاكمة دون اللجوء الى القوى الشعبية.

            2- وتُسمى المجموعة الثانية بالاضطراب. ويُقصد به الاضطرابات والاعتراضات الاجتماعية، وتتمتع بأقل نسبة من التنظيم، والقيادة والأيديولوجيا.

            3- ويمكن تسمية المجموعة الثالثة بالثورة، وهي تعني الحركات السياسية التي تقوم بتغيير النظام السياسي القائم عبر الاعتماد على أيديولوجيا أو أي أهداف سياسية عليا، وكذلك على شرائح المجتمع, وتكون متمحورة حول قائدٍ أو عدة قادة.

            4- وأخيراً يمكن الإشارة الى مجموعةٍ مطوية تحت عنوان الانتفاضات، وهي تركيبٌ من خصائص الانقلاب العسكري والثورة, أيّ أنّها تجمع بين تنظيم وتخطيط الانقلابات وكذلك تعتمد على شرائح المجتمع والاستفادة من القوى الاجتماعية.

            ويقرب التهديد الناعم من الثورات نتيجة تأكيده على التعبئة الاجتماعية. لكن وجود خصائص مثل التخطيط التآمري والسعي لأجل التدخل العمدي في تغيير الجماعات الاجتماعية يجعلها تتمايز عن الثورات. لذلك نرى أنّ التهديد الناعم يقرب الى الانقلابات العسكرية


            138

            بسبب اتصافه بعنصر المؤامرة وكذلك تبعيته في إجراء التغييرات المفاجئة، رغم أنّ هكذا ظاهرة تظلّ متمايزة أيضاً عن هذه الانقلابات لسعيها الاستفادة من الجماعات الاجتماعية الغاضبة وكذلك التدخل العمدي والظاهر للرأي العام والعقل الجمعي.

            لذلك نظراً الى ما ذكرناه حول أنواع التغييرات السياسية، فإنّ التهديد الناعم يسعى الى تحقيق هدفٍ يوازي التغيير السياسي بمعنى تغيير ترتيبات السلطة الحاكمة على المجتمع. لكن كل ما ذُكر يشكّل طرفاً من التغيير السياسي, والطرف الآخر هو القيام بالتعديل السلوكي للدولة. ويبدو أنّ التأكيد على هذه الخصيصة مهمٌ جداً، لأنّها تفتح نافذة جديدة لمعرفة ظاهرة التهديد الناعم. وهذا أيضاً ما يجعلها متمايزة عن التغييرات السياسية بمعنى التحولات الداخلية الصرفة. وهذا يشير الى ذلك العنصر الخارجي لدى التهديد الناعم. وتُبدّل هذه الخصيصة ظاهرة التهديد الناعم الى موضوعٍ على مستوى السياسة الدولية والعلاقات الخارجية. بناءً على ما تقدّم، بدلاً من أن يتمّ بذل الجهد لتعريف التهديد الناعم بصفته تغييراً داخلياً وجعله في عداد تحولاتٍ مثل الانقلاب العسكري أو الثورة، ينبغي إعادة تعريف هذا المصطلح في سياق السياسات الاستعمارية وسعي دولةٍ ما في التدخل وإعمال نفوذها في سلوك الدولة المنافسة أو الأمور الداخلية لها1.


            139

            ماهية الحرب الناعمة
            تعني الحرب الناعمة في الثقافة السياسية الانهيار من الداخل. وفي الحقيقة تشمل كل أنواع الإجراءات النفسية والدعائية الإعلامية التي تستهدف مجتمعاً ما أو جماعةً ما، وتجر منافسها الى حالة الانفعال أو الهزيمة دون الحاجة الى الاقتتال العسكري وفتح النيران. إذ تلعب الحرب الناعمة دوراً في إضعاف الحلقات الفكرية والثقافية للمجتمعات من خلال استهداف فكر وثقافة الشعوب. انطلاقاً من ذلك، يعتقد بعض الخبراء أنّ وسائل الإعلام وأقلام الكتّاب هي أهم أداة في هذه المواجهة الخفية. فالمجموعات المستهدفة في الحرب الناعمة هي القادة، والنخب وعامة الناس. وتشكّل النخب القوى الوسطى لهذه الحرب، ويمكن أنّ يُطرحوا بصفتهم متخذي القرار أو صنّاع القرار في أيّ دولةٍ كانت. إذ تستطيع نخبة المجتمع المدني مثل قادة الأحزاب من خلال ترددهم الذهني أن ينقلوا خوفهم الى أذهان الناس، وأن يوجدوا جواً من الرعب بينهم، وبالتالي القضاء على معنوياتهم. انطلاقاً من ذلك، يستهدف العدو دائماً هذه الفئة لأنّ إيجاد التحول والنفوذ الفكري لدى النخب يؤدي بشكلٍ تلقائي الى الانحراف الفكري لدى الكثير من الناس. وهكذا يوفّر العدو على نفسه دفع الكثير من التكاليف.

            والجامعيون هم من المجموعات المستهدفة دائماً من قِبل العدو لما تتمتع به هذه المجموعة من حماس وحركة، حيث تتمتع بخصائص خاصة كالشباب والمستوى العلمي وأثر كلامهم واتساع انتشار حضورهم الجغرافي، فتشكّل جهازاً


            140

            دعائياً مناسباً للعدو، مضافاً الى أنّها توفر أيضاً دفع التكاليف عليه.

            وفي الواقع، إنّ الحرب الناعمة في مقابل الحرب الصلبة تشمل أيّ نوع من الإجراءات النفسية والدعاية الإعلامية في استهدافها المجتمع أو الجماعة المعادية لها. وهي تضطر منافسها من خلال هذا النوع من الحرب الى أن ينجر نحو الانفعال أو الانهزام. وتعتبر الحرب الكمبيوترية، والإنترنتية، والإبادة الناعمة، وتشغيل شبكات إذاعية وتلفزيونية من أشكال الحرب الناعمة. فالحرب الناعمة تسعى الى تحطيم عقيدة وفكر المجتمع المستهدف وتضعف عراه الفكرية والثقافية وتشيع تدريجياً التزلزل وعدم الاستقرار في النظام السياسي- الاجتماعي الحاكم من خلال القصف الخبري والدعائي.

            وفي هذا المجال، نرى مارك بالمر2 في تقريره "إيران- أمريكا، الوجهة الجديدة" يخالف بصراحة فكرة الهجوم العسكري على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ويعلن أنّ ايران قد تحوّلت الى قدرة لا نظير لها من خلال ما تمتلكه من أراضٍ شاسعة، وعدد سكانٍ مرتفع، ونوعية في القوى البشرية، وإمكانات عسكرية، وثروات طبيعية وموقع جغرافيٍّ


            141

            ممتاز في منطقة الشرق الأوسط ووزن على المستوى الدولي، بحيث إنّه لم يعد بالإمكان قلب نظامها عبر الاحتلال العسكري, بل إنّ الطريق الوحيد لقلب النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو اتباع آليات الحرب الناعمة والاستفادة من تقنيات العمليات النفسية الدعائية. وقد قام بالمر بتعريف هذه الإستراتيجية التي سُميت بـ"دلتا" القائمة على ثلاث تقنيات: أصل الكبح، الحرب الإعلامية وتنظيم ودعم العصيان المدني، والآن يقوم الأمريكيون بنفيذها.
            تصنيفات الحرب الناعمة
            قامت مجموعة من الباحثين عبر دراسة الحركة التاريخية لنشأة وتطور أنواع الحروب بتصنيف الحروب من حيث قوتها، وأشكالها وأدواتها المستخدمة في الوصول الى أهدافها وإعمال القدرة. وهم يعتقدون أنّ التعرف إلى الحرب الناعمة ومجالاتها ومصاديقها يقتضي دراسة الحركة التاريخية لنشأة الحروب أو، بعبارة أخرى، دراسة الحركة التاريخية لتطور أنظمة السلطة. فمن وجهة نظرهم، يمكن الإشارة الى ثلاثة مقاطع تاريخية قامت فيها الأنظمة السلطوية بفرض إرادتها على العالم لتأمين مصالحها وأهدافها الحيوية، وهي كالتالي:
            1- الاستعمار القديم (مرحلة التهديدات الصلبة),
            2- مرحلة الاستعمار الحديث (مرحلة التهديدات النصف صلبة),


            142

            3- مرحلة الاستعمار ما بعد الحديث (مرحلة التهديدات الناعمة)
            بناءً على هذه المراحل، يشير هؤلاء الباحثون الى أنّ ماهية واستراتيجية السلطة كانت متفاوتة عبر التاريخ، وأنّه في كل مرحلة كانت تُستخدم مصاديق، وأدوات وطرق مختلفة في فرض الإرادة وتأمين المصالح بما يتناسب مع الأهداف والمصالح والظروف.

            يشير منصوري3 على سبيل المثال، الى مرحلة الاستعمار ما بعد الحديث بصفتها مرحلة الحرب الناعمة أو مرحلة الحروب السياسية- الثقافية. الحروب من حيث ماهيتها وحركتها التاريخية الى ثلاثة أنواع: الحروب الصلبة، الحروب النصف صلبة والحروب الناعمة. ويعرّف الحرب الصلبة بأنها عبارة عن إعمال القدرة العسكرية لفرض الإرادة وتأمين المصالح. ويكون الهدف في هذا النوع من الحروب احتلال الأراضي. إذ تعتمد الحرب الصلبة على الطرق والأساليب المادية، الملموسية "الصلبة" وتكون مترافقة مع أفعالٍ وسلوكياتٍ عُنفية، وإبادة ظاهرة، وإلغاء دفعي واحتلالٍ وضمٍّ للأراضي. ويرتبط ظهور هذا النوع من الحروب بمرحلة الاستعمار القديم حيث يقوم النظام السلطوي بفرض إرادته وتأمين مصالحه من خلال الاحتلال العسكري، والقتل والسيطرة على الأراضي وضمّها (إيجاد مستعمرات ومستملكات).


            143

            أما الحرب النصف صلبة فهي عبارة عن إعمال قدرة النظام السياسي- الأمني من خلال السيطرة على الدولة والسياسة في بلدٍ ما بهدف فرض الإرادة وتأمين المصالح. الهدف في هذا النوع من الحروب هو احتلال الدولة والمجال السياسي. تعتمد الحرب النصف صلبة على استخدام النظام الاستخباراتي- الأمني واختراق الدول بحيث تكون أساليبها تركيبية (صلبة – ناعمة). ويرتبط ظهور هذا النوع من الحروب بمرحلة الاستعمار الحديث حيث يقوم النظام السلطوي عملياً بالسيطرة على نظام الدولة والسياسة في بلد ما عبر الاستفادة من القدرة الأمنية ومن دون اللجوء الى العسكرة والاحتلال الفيزيائي للأراضي. وهكذا يفرض هذا النظام السلطوي إرادته ويؤمّن مصالحه.
            وأخيراً، الحرب الناعمة وهي عبارة عن إعمال إرادة ومصالح النظام السلطوي من دون اللجوء الى الصراع بل من خلال احتلال الأفكار والنماذج السلوكية لكافة جوانب بلدٍ ما في مختلف المجالات الاجتماعية. فالحرب الناعمة تعتمد على الأساليب الناعمة، غير المحسوسة والتدريجية. ويتمّ هذا النوع من الحروب دون صدور أيّ ردة فعلٍ فيزيائية ويعتبر نوعاً من الاحتلال المتعدد الجوانب، غير المرئي والثابت. ففي هذه الحرب يتمّ احتلال كامل لساحاتٍ اجتماعيةٍ مختلفةٍ (ثقافية واقتصادية وسياسية) عبر فرض ثقافة، وفكر وسلوكيات النظام السلطوي. في الواقع، إنّ هدف الحرب الناعمة هو "الشعب"، في حين كان هدف الحرب الصلبة "الأراضي" وهدف الحرب النصف صلبة

            144

            "الدولة". بناءً عليه، تتعلق الحرب الناعمة بمرحلة الاستعمار المابعد حديث أو مرحلة عولمة الثقافة4.

            وتعتبر مجموعة ثانية من الباحثين أنّ العولمة مرادفة للحرب الناعمة. والعولمة من المفاهيم التي أثّرت بكافة المجالات الاجتماعية في الثمانينيات تقريباً. وقد قُدّمت تعاريف وتعابير مختلفة حول هذا المفهوم وظهر الكثير من الآراء والنظريات من قِبل علماء الاجتماع والثقافة والسياسة والعلاقات الدولية. حيث ركّزت كل مجموعةٍ من هؤلاء على جانبٍ من جوانب عملية العولمة وتناولت خلفياتها، وأبعادها، وآثارها ونتائجها. على هذا الصعيد، يعرّف غيدنز عملية العولمة بأنّها ليست سوى نشر الحداثة والثقافة الديمقراطية - الليبرالية. كذلك يشير ماركس وانجلز الى أن إدراك تاريخ العولمة وبداية هذه العملية يستلزم إدراك ومعرفة تاريخ الرأسمالية. لأنّه من وجهة نظرهما تعمل الرأسمالية دائماً على توحيد الاقتصاد والثقافة العالمية5.

            إذن، بالالتفات الى هذا الاتجاه، يجب اعتبار العولمة وليدة "الرأسمالية"، و"التغرب" و"الاتحاد" و"توحيد المعلومات والاعتقادات" وفي النهاية "أسلوب الحياة المشترك". ويعتقد هؤلاء الباحثون أنّ ظاهرة العولمة تُعتبر


            145

            تهديداً بالنسبة للدول الضعيفة واللاعبين المنفعلين على الساحة الدولية. فهذه العملية نوع من السلطة الجديدة. وهكذا يتمّ تلقي الدول التي تتمتع بقدرة ناعمة عالية، على أنّها "تهديد" للدول المنافسة لها. كما أنّه من وجهة نظر "جوزيف ناي" المنظّر للحرب الناعمة، فإنّ الدولة الواجدة لثلاثة أنواع من الجاذبية على صعيد "الثقافة" و"الفكر السياسي" و"السياسة الخارجية"، تستطيع التأثير في ثقافة الدول الاخرى وسياساتها ونماذجها الاجتماعية والسياسية ، وأن تفرض إرادتها بشكلٍ غير مباشر عليها. بناءً على ما تقدّم، العولمة عبارة عن عملية مخططٌ لها (مبرمجة)، مفروضة لأجل إعادة بناء المجتمعات على المستوى الدولي, وهي نظامٌ يهدف الى تبليغ وفرض الإيديولوجيا النيوليبرالية (الليبرالية الجديدة) الرأسمالية الغربية وفي صدد إشاعة نموذج الحياة الغربية (وبالاخص الأمريكية).

            بناءً على ما ذُكر، يعتقد هؤلاء الباحثون أن العولمة مشروعٌ محططٌ له من قِبل مراكز السلطة بهدف فرض نموذج سلوكي معيّن، شمولي ذي اتجاهٍ واحد، ويؤدي الى سيطرة الثقافة والقيم الغربية وجعل الآخرين في حالة انفعالٍ. كما وأنّ للعولمة آثاراً ونتائج عدة من جملتها انهيار الدولة- الشعب، وتحول النموذج الحكومي والسلوك السياسي، والمخاطرة بالهويات القومية- الدينية، وتسلط النظام الليبرالي- الديمقراطي، وظهور وانتشار ثقافة عالمية واحدة6.


            146

            انطلاقاً من هذا الاتجاه، يمكن القول إن عملية ومفهوم العولمة يتطابق مع ماهية الحرب الناعمة ، بما أنّه أسلوب للسيطرة ومترافقٌ مع ماهية عولمة الثقافة والنموذج السلوكي لليبرالية الديمقراطية، ويشتمل على كافة الأبعاد السياسية والثقافية والاقتصادية ويُقلل من سعة وقدرة وميزان فعالية ومشروعية واعتبار الدول الوطنية.

            وهناك من يعتقد من الباحثين أنّ وظيفة الثورات الملوّنة مترادفة مع وظيفة الحرب الناعمة. دون أدنى شك، إنّ "الثورات المخملية" أو الثورات الملوّنة هي أحد أساليب الإلغاء التي تتبعها الحرب الناعمة وهي تشمل نوعاً من تحول وانتقال القدرة بالترافق مع عصيان مدني ومقاومة سلبية. والمسألة المهمة التي يجب أن نلتفت إليها ترتبط بالسعي نحو تبديل الثورات المخملية الى نموذجٍ لتغيير البنى السياسية في الدول المخالفة للغرب وخصوصاً أمريكا. وهذا ما نراه في نوع التحول والتغيير، إذ إنّ ما يدعى بالثورات الملونة تشترك في الأسباب وأشكال التحول. فجميعها (ما عدا قرقيزستان) انتصرت من خلال تظاهرات الشارع دون اللجوء الى استخدام العنف، وشعاراتها كانت المطالبة بالديمقراطية والليبرالية، وثقل تحركاتها كان أثناء إجراء الانتخابات حيث كان يُشاع وجود تزويرٍ فيها وضرورة إبطالها وإعادتها تحت إشراف مراقبين دوليين. لذلك نعتبر أنّه من الصحيح النظر الى الثورات الملوّنة بصفتها


            147

            نوعاً من الحرب الناعمة كنظرية عولمة الثقافة التي تسعى الى التقليل من اتساع السلطة ، وميزان الفعالية، ومشروعية واعتبار الحكومة وتأزيم النموذج السياسي الموجود والنظام المستقر. لكن من وجهة النظر هذه، تقتصر الحرب الناعمة على الحرب السياسية الناعمة عبر تنظيم الحركات المعارضة في السياق المدني مثل الانتخابات. وهذا الأمر. لا يجعل الحرب الناعمة تشمل كافة الأبعاد وبالخصوص البعد الثقافي لها والذي يترافق مع تحولات تدريجية7.

            ويُلاحظ في العقود الأخيرة ظهور عدة خصائص مشتركة في بنية نظام السلطة وهي كالتالي:
            1- ضرورة تجديد النظر في الأسس التقليدية للعلاقات الدولة والدراسات البحثية الأمنية.

            2- تُعتبر الثقافة الركيزة الأساسية للتحولات السياسية والدولية. وقد أصبحت البيئة السياسية للنظام الدولي ثقافية، يرافقها نوع من الوحدة من جهة، والتنوع من جهةٍ أخرى.

            3- لقد ظهر في عصرنا الحاضر لاعبون جدد ذوو هوية ثقافية وهم يؤثرون على النظام الدولي حيث تختلف إدارتهم عن المبادئ السابقة.


            148

            4- تعتبر البرمجة الناعمة وبعبارة أخرى الثقافوية مؤشراً للأفكار الجديدة وتلعب دوراً أساسياً في التحولات الاجتماعية.

            5- تلعب القوة الناعمة في الاتجاهات الجديدة دوراً مصيرياً في تشكّل العالم الحاضر والمستقبل.

            6- تتفق كافة الآراء والنظريات على دخول العالم الى مرحلة جديدة، رغم اختلافها في تفاصيل وخصوصيات هذه المرحلة. لكنّ تعتبر شبكة العلاقات وعولمة المعلومات تحت ما يُسمى بعولمة الثقافة أو الاستعمار ما بعد الحداثة (الحديث)، هو الأكثر تطابقاً مع مفهوم الحرب الناعمة وأبعادها المختلفة.

            ونرى اليوم أنّ استراتيجية المواجهة ومحورية العنف المتمركزة حول الإجراءات العسكرية في النظام الدولي، قد حلّت مكانها استراتيجية الحرب الناعمة والقوة الناعمة.

            السابقة التاريخية للحرب الناعمة
            أُنشئت هيئة "الخطر الحالي" في السبعينيات وفي أوج الحرب الباردة، وكانت تضم مجموعة من السيناتورات الأمريكيين، ومسؤولي المناصب العليا في وزارة الخارجية، وأساتذة العلوم السياسية البارزين، ومؤسسة "امريكن اينتربرايز" للدراسات ومجموعة من مدراء الاستخبارات


            149

            الأمريكية المركزية والبنتاغون السابقين ومن ذوي الخبرة. وكان الهدف من تأسيس هذه الهيئة الخروج من الطريق المسدود الذي أوجده التوازن النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي السابق. وقد قام أعضاء هذه الهيئة بعد اعترافهم بأنّ السبيل الوحيد لهزيمة العدو ليس في الحرب الصلبة، بالتخطيط وإجراء الحرب الناعمة والإلغاء من الداخل. وقد أشاروا الى أنّ اعتماد "نظرية المحو، والحرب الإعلامية، وتنظيم العصيان المدني" من أهم استراتيجيات الحرب الناعمة في تلك المرحلة. بعدانهيار الاتحاد السوفياتي، عُلّقت أعمال هذه الهيئة لعقدٍ من الزمن. ولكن بعد حادثة الحادي عشر من أيلول، اجتمع عددٌ من أعضاء هذه الهيئة وتمّ تفعيلها بعد تحليل الفرص والتهديدات القائمة في وجه الولايات المتحدة الأمريكية. وإحد الإجراءات التي قامت بها هذه الهيئة من جديد تدوين إستراتيجية الأمن القومي لأمريكا في العلاقة مع إيران لمدة أربع سنوات دولة بوش.

            بشكلٍ عام، يمكن القول إنّ ماهية التهديد الذي برز بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تهديدٌ ناعم وتهديداتٌ معيارية وثقافية. فمن وجهة نظر المنظّرين الغربيين الجدد، يشكّل العالم الإسلامي ونمو الإسلام السياسي فيه، بصفته الخطاب الغالب في الشرق الأوسط، التحدّي الأساس لليبرالية الديمقراطية. في هذا الإطار، وطبقاً لتقرير هيئة "الخطر الجاري" فيما يخص كيفية مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يمكن القول إن الوقوف بوجه نمو الميل نحو الإسلام، العمق الإستراتيجي لقوة العالم


            150

            الإسلامي الناعمة في مقابل قوة العالم الغربي الناعمة، يشكّل القسم الأهم من مضمون وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي البديلة لإستراتيجية الوقوف بوجه النفوذ السوفياتي. انطلاقاً من هذا الاتجاه، يعتبر تهديد الأمن القومي لأمريكا تهديداً ناعماً، غير متوازن ومركّب حيث تمّت الإشارة الى أنّ مصدره الدول والأنظمة الضد أمريكية وغير الليبرالية في الشرق الأوسط.
            خصائص الحرب الناعمة
            تتمتع الحرب الناعمة بالكثير من الخصائص المتنوعة بسبب تعقّيدها واعتمادها على القدرة الناعمة، وأهم هذه الصفات والخصائص ما يلي:
            1- تهدف الحرب الناعمة الى تغيير القوالب والأنماط الماهوية للمجتمع والبناء السياسي. في هذه الحرب، تُستهدف الاعتقادات، والمسلمات، والقيم الأساسية لمجتمعٍ ما وذلك لأجل تغييرها. ومع تغيير الاعتقادات الأساسية، يُصبح بالإمكان تغيير قوالب التفكير وتحلّ نماذج سلوكية جديدة بدلاً من القديمة. وتقوم هذه النماذج السلوكية الجديدة بكسر البنى السياسية الموجودة بدلاً من حمايتها.

            2- الحرب الناعمة تدريجية، وهادئة وغير ظاهرة. فهي ليست دفعية، ومتسرعة وكثيرة التحرك في مرحلةٍ محددة. بل تبدأ بهدوء


            151

            وتتقدم تدريجياً بحيث إنّ أحداً لا ينتبه إليها ولا يستطيع تشخيصها. وهي غير ظاهرة، لذلك فهي غير ملموسة.

            3- تقوم الحرب الناعمة على الرمزية. تستفيد الحرب الناعمة من الرموز التاريخية لتقديم صورةٍ مطلوبة حول نفسها. ففي هذه الحرب، يُبذل الجهد في تصوير المنافس على أنّه مهزوم، وآيس ومكسور. في المقابل يُظهر المهاجم نفسه عبر الرمزية منتصراً وموفقاً. يتمّ استخدام العمليات النفسية بحدها الأقصى في هذه الخصيصة.

            4- في حال كانت الحرب الناعمة موفقة وناجحة، فإنّ نتائجها أكثر ثباتاً واستمراريةً. كما ذكرنا إنّ الهدف الأصلي للحرب الناعمة هو تغيير الاعتقادات والقيم, وإذا حصل ذلك فإنّ العودة الى الحالة الأولى لن يكون سهلاً ميسراً. مقايسةً بالحرب العسكرية، عند احتلال أرضٍ، يمكن تحريرها في ظرف عدة ساعات. لكن إذا نجح الأعداء في السيطرة على أفكار وقلوب المجتمع فلا يمكن بسهولة إسترجاعها بل يحتاج ذلك الى مرور وقتٍ طويل.

            5- الحرب الناعمة أكثر تحركاً وجاذبية. فالحرب الناعمة التي تبدأ بشكلٍ تدريجي وهادئ، ولكي تزيد من جاذبيتها الكاذبة، تستهدف في مرحلةٍ ما نفس المجتمع لتحقيق أهدافها وهكذا تزيد من نطاق تحركاتها. في الواقع، يتحول الكثير من الأفراد مع مرور الوقت الى هدفٍ لمديري الحرب الناعمة، سواءً شاؤوا ذلك أم لم يشاؤوا.


            152

            6- تعتمد الحرب الناعمة على الاستثارة. إذ يتمّ الاستفادة من عواطف وإحساسات المجتمع المستهدف بأقصى الحدود وذلك عبر الرمزية، والأسطورية وخلق قيمٍ جديدة. وهكذا تُعدّ إدارة العواطف ركناً في هندسة الحرب الناعمة. حيث تُبذل الجهود لاستخدام عواطف الناس بصفتها جسراً للنفوذ الى الأفكار لإيجاد التغيير والتحول في الاعتقادات. وهكذا توفّر العواطف من حيث إنّها مثيرة ومحرّكة للإنسان الأرضية المناسبة لظهور الأزمات.
            7- تتمركز الحرب الناعمة حول الانحرافات والآفات. إذ تُشكّل الآفات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية ساحة مناورة للحرب الناعمة. فينظم العدو أنشطته وفعالياته عبر تشخيصه لبؤر آفات المجتمع المُستهدف في المجالات المذكورة، ويوسّع من نطاق تحركه من خلال إيجاد انحرافات وآفات جديدة.

            8- الحرب الناعمة متعددة الوجود والميادين، فهي تستفيد من كافة العلوم والفنون والطرق والأساليب المعروفة والقيم الموجودة.

            9- توجد الحرب الناعمة التضاد والخلافات. تبدأ الحرب الناعمة من البؤر المنحرفة في المجتمع المستهدف، وتؤدي الى أن يواجه أعضاء المجتمع بعضهم بعضاً من خلال إيجاد التصدعات في أجزاءٍ مختلفة في المجتمع وعبر اختلاف الاعتقادات والقيّم وتشكيل سلوكيات جديدة. وهكذا تقوم الحرب الناعمة بضرب الانسجام


            153

            والاتحاد والوحدة الوطنية وتوفر بذلك الأرضية المناسبة لبروز الأزمات والتصارع الداخلي. بناءً على ما تقدّم، من آثار وخصائص الحرب الناعمة ضرب وتخريب الوحدة الوطنية.

            10- تنتج الحرب الناعمة الشكّ. فالقاعدة الأساس في الحرب الناعمة هي إيجاد الشكّ والتشاؤم في الكثير من القضايا. إذ تبدأ الحركة في هذه الحرب بإشاعة الشكّ واليأس. وهكذا للنجاح في هذه الحرب، يتمّ إيجاد الشكّ في الاعتقادات والقيم من خلال الاعتماد على التراث ولكن بعد تجديده بشكلٍ دقيقٍ وهادىء. وتزداد هذه الشكوك مع مرور الوقت الى أن تؤدي الى حصول التغييرات الأساسية في تلك القيم والاعتقادات.

            11- تستفيد الحرب الناعمة من أدوات ووسائل عصرية، حيث تتمّ الاستفادة من أكثر التقنيات تطوراً مثل الفضاء الافتراضي والسايبري الذي يُعتبر البيئة الأصلية للحرب الناعمة، إذ يوفّر هذا الفضاء إمكانية الإغواء عبر عرض الكثير من الأمور الجاذبة وخلق السياقات اللازمة لإبراز العواطف والإحساسات.


            154

            أدوات وطرق الحرب الناعمة
            لقد وسّعت الأبعاد المختلفة والميادين المتنوعة للحرب الناعمة من أدواتها وطرقها. مضافاً الى ذلك، أدّت التكنولوجيا الحديثة الى ظهور تنوعٍ وتعقيدٍ في طرق وأساليب الحرب الناعمة. وتعتبر الأساليب الكلامية، والسلوكية والشبكية (الديجيتالية والالكترونية) أهم ثلاث طرق أصلية للحرب الناعمة وأكثرها تأثيراً. ويمكن ذكر العمليات النفسية، والعمليات الإدراكية، والديبلوماسية العامة والخداع التكتيكي ضمن مقولة الأساليب الأساسية الكلامية.

            وتعتبر المعارضة، والعصيان المدني وعدم التعاون والاعتصام والتدخل غير العُنفي وجذب المعارضين من جملة أهم الأساليب السلوكية.

            أمّا من أهم الأساليب الشبكية وأكثرها تأثيراً، فيمكن الإشارة الى ثلاث مقولات: المنتوجات الثقافية، والإعلام والفضاء الافتراضي (تكنولوجيا الاتصالات الحديثة). وتدخل السينما والإنيميشين والأقمار الصناعية والالعاب الإلكترونية وغير الإلكترونية والموسيقى ضمن المنتوجات الثقافية. وتشمل وسائل الإعلام: المنشورات والإذاعة والتلفزيون ووكالات الأنباء. وفي العصر الحاضر، ينضوي تحت عنوان


            155

            أدوات الحرب الناعمة في الفضاء الافتراضي ما يلي: الإنترنت (المواقع الخبرية، شبكات التواصل الاجتماعي، الإيميل و..)، والتلفون الخليوي (خدمة الخبر العاجل، البلوتوث، ونظام الرسائل).

            إذا عرّفنا الحرب الناعمة بأنّها عملية تنافسية على التعبئة الاجتماعية بين الدولة والجماعات غير الحكومية، عندئذٍ فإنّ أيّ عنصرٍ يستطيع تقليل ميزان قدرة تعبئة الدولة لصالح الجماعات الساعية في تغيير النظام السياسي، يمكن اعتباره أداةً للإلغاء الناعم. النقطة الأساس فيما يخص أدوات الحرب الناعمة هي دور وموقعية كلّ من المتغيرات الآنفة الذكر في مشروع الحرب الناعمة، حيث تتمتع المؤسسات الشعبية بأهمية أكبر في هذا المجال، إذ تعتبر المؤسسات غير الحكومية أفضل عنصرٍ في اكتساب قدرة التعبئة الاجتماعية والتغيير والتحول، لأنّها تنشط في النظام السياسي الحاكم وتوسّع من نطاق أنشطتها دون أن تثير أيّة حساسية ضدها.

            إذن، كخلاصة لما تقدّم يمكن الإشارة الى الأدوات التالية:
            1- المؤسسات غير الحكومية المنسجمة,
            2- وسائل الإعلام (الإنترنت، الشبكات الفضائية، دور النشر),
            3- النخب السياسية والاجتماعية والعلمية,


            156

            4- القابليات المتضادة الموجودة في المجتمع (مثل الأقوام والأقليات الاجتماعية المختلفة),
            5- النهضات الاجتماعية (مثل نهضة المساواة مع المرأة، نهضة الجامعيين،...),
            6- المعارضة من خارج الحكم.


            157

            الخاتمة
            عملنا في هذا المقال على دراسة ماهية، وأهداف، وأبعاد، وأدوات وخصائص الحرب الناعمة. وقد تمّت الإشارة الى أنّ الحرب الناعمة عبارة عن مجموعة التحولات التي تسعى الى قلب الهوية الثقافية والنماذج السلوكية المقبولة من قِبل النظام السياسي. وتتحقق الحرب الناعمة -"السيطرة الكاملة وعلى كافة الصعد"- في أبعادٍ ثلاثة:الحكومة، والاقتصاد والثقافة عن طريق استحالة النماذج السلوكية في هذه المجالات واستبدالها بنماذجٍ سلوكية مضادة.

            ولتشخيص الحرب الناعمة، تمّ تناول بعض خصائصها وصفاتها، ومن أهمها يمكن الإشارة الى أنّها تدريجية، غير محسوسية وهادئة، مبهمة ومعقّدة، شمولية ويغلب فيها البعد الثقافي على سائر الأبعاد الأخرى.

            وفي النهاية يمكن الإشارة الى بعض الإستراتيجيات والأساليب التي نستطيع اعتمادها في مواجهة الحرب الناعمة، مثل رفع مستوى البصيرة والمعرفة في المجتمع، وخصوصاً لدى شريحة الطلاب الجامعيين من خلال رفع مستوى قدرة التحليل لديهم، وتوفير فرص العمل، والثقة بالنفس وإيجاد جوٍ من الأمل، ورفع مستوى البلد من الناحية العلمية، والاقتصادية والأمنية بحيث تصبح إمكانية الضرر به تُقارب الصفر، وإحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع، والدقة في اختيار السلع الواردة وبالخصوص الثقافية منها والتأكيد على دور ومكانة النخب.

            تعليق

            المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
            حفظ-تلقائي
            Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
            x
            إدراج: مصغرة صغير متوسط كبير الحجم الكامل إزالة  
            x
            يعمل...
            X