بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾[1].
بعدما رسم لنا القسم الأول من قصة مريم (عليها السلام) موقف البطلة من قضية حملها وملابساته، ننتقل الى القسم الثاني وهو ما يتعلق بالمخاض.
والبيئة القصصية التي تتمثّل في ظواهر مثيرة ومدهشة ومعجزة فضلا عن كونها متحركة في مناخ من جمال الطبيعة الكونية التي خصّت بها البطلة دون غيرها.
فعندما أحست مريم (عليها السلام) بالحمل لا بدّ وأن دفعها الحياء إلى أن تنتبذ مكانا بعيدا عن الأنظار، وما أن اقترب الطلق حتى اتجهت إلى جذع نخلة هناك.
هنا تبدأ البيئة الجديدة للبطلة، وهي بيئة عادية، إلاّ أنّها سرعان ما تكتسب طابع الدهشة والإعجاز والجمالية حينما تتزامن مع عملية المخاض.
بيد أنها (عليها السلام) في بداية الأمر لا مناص لها من أن تصدر عن ردّ فعل مصحوب بشدائد نفسية مريرة، متجسدا في هذا الحوار الداخلي.
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾[2]، فبالرغم من أنّ الملك أشاع لديها الاطمئنان بتدخّل السماء في هذه القضية [بعد أن أنكرته في البدء، وتساءلت عن إمكانية الحمل]، بالرغم من ذلك كلّه، أحسّت بأن الضغط الاجتماعي يحاصرها من كل جانب مما اضطرّها إلى أن تتحاور مع ذاتها عبر ذلك التمنّي المرير بأن تكون نسيا منسيّا، وإبراز القصة لهذا الجانب من إحساس البطلة ينطوي على دلالة خاصة هي: مشروعية مثل هذا الإحساس، تعبيرا عن شدة الحياء وكونه ليس حرصا على مجرّد السمعة الاجتماعية بل حرصا على السمعة العبادية، فضلا عن أنّ العملية المذكورة: ترتبت على تحمّل الشدة النفسية حيث تنفرج هذه الشدة بعد زمن قد يطول أو يقصر حينما يواجه الآخرون حقيقة الموقف الذي سبّب للبطلة أمثلة الشدة المشار إليها.
وأيّا كان، فإن البيئة الجديدة تبدأ أولا بتبشيرها بأنّ الله تعالى قد هيّأ لها نهرا تحت قدمها تشرب منه وتطهّر به، ثم أمرت بهزّ الجذع، وقد كان يابسا فأورق، وأثمر رطبا جنيّا.
إنّ جمالية كلّ من النهر والشجر والثمر في البقعة الخاصة التي احتوت البطلة ينبغي أن نضعها في اعتبارنا: فنيّا، بصفة أنها تساهم في تفريج الشدّة عن مريم (عليها السلام)، كما أنّها تتجانس فنيّا وهي بيئة خارجية مع بيئتها الداخلية، أي تبشيرها بأن تقرّ عينا، وهو فرح الأعماق فيجسّد بيئة داخلية، كما أن مرأى النهر والشجر والثمر والإفادة منهما أكلا وشربا وتطهرا يجسّد بيئة خارجية.
فإذا تجانس ما هو خارجي مع ما هو داخلي حينئذ فإنّ القصة تحقق أشد مستويات الإثارة الفنية عند المتلقّي.
وقد ورد عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾، ((قال: خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء فوضعته في موضع قبر الحسين عليه السلام ثم رجعت من ليلتها))[3].
أخيرا، يبرز موقف جديد للبطلة هو: ﴿... فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾[4]، إن المطالبة بهذا الصمت يذكرنا بقصة زكريا (عليه السلام) حيث طولب البطل بألاّ يكلّم الناس ثلاث ليال سويّا [وهذا بعد جديد من أبعاد التجانس بين القصتين].
والمهم هو: أنّ مطالبه مريم (عليها السلام) بألاّ تكلّم الناس، إنّما يجسّد من زاوية عمارة القصة) جوابا فنّيا لذلك النمط من ردّ الفعل المرير الذي تمنّت من خلالها أن تكون نسيا منسيا.
ففضلا أن البيئة الجديدة [بيئة النهر والشجر والثمر] قد خفّف جانبا من الشدة، إلاّ أنها عزّزت بجانب آخر هو: عدم مكالمتها مع الاخرين حيث تتجنّب متاعب الردّ عليهم.
فهو تنامي أو تدرّج فنّي بين أجزاء هذا القسم من القصة: بداية القسم، وسطه، نهايته حيث بدأ بإبراز الشدّة النفسية للبطلة، ثم تخفيفها جزئيا ثم بمحاولة إزاحتها، فضلا عمّا لاحظناه من التجانس بين قسمي القصة، ثم التجانس بين القصص جميعا، ثم التلاحم بين عناصر النص جميعا.
[1] سورة مريم، الآية: 22.
[2] سورة مريم، الآية: 23.
[3] تهذيب الأحكام، ج 6، ص 73.
[4] سورة مريم، الآية: 26.
