بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾[1].
من جهة تكوينية المرأة الحامل عند قرب ولادتها تبحث عن مستند وملجأ ومستراح ليهون عليها أوجاعها.
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾، أي ألزمها وألجأها وجع الولادة إلى جذع النخلة لتستتر به وتعتمد عليه عند الوضع.
وتعريف ﴿النَّخْلَةِ﴾، إما أنه من قبيل تعريف الأسماء الغالبة كالنجم، والداهية، أو أن النخلة كانت معروفة مشهورة في تلك الصحراء بحيث إذا أطلق «جذع النخلة» يتبادر إلى الأذهان تلك النخلة لا غيرها، فالألف واللام للعهد، ويؤيّد ذلك ما روي، ففي القمي: كان ذلك اليوم يوم سوق صادفته في ممرّها فاستقبلتها الحاكة، وكانت الحياكة من أنبل الصناعات في ذلك الزمان، فأقبلوا على بغال شهب فقالت لهم مريم (عليها السلام): أين النخلة اليابسة؟ فاستهزأوا بها وزجروها، فقالت لهم: جعل الله كسبكم نزرا [أي قليل الخير والبركة] وجعلكم في الناس عارا، ثم استقبلها قوم من التجار فدلّوها على النخلة اليابسة فقالت لهم: جعل الله البركة في كسبكم وأحوج الناس إليكم، فلمّا بلغت النخلة أخذها المخاض فوضعت عيسى (عليه السلام) هناك.
وقد ورد عن حفص بن غياث قال: ((رأيت أبا عبد الله عليه السلام يتخلل بساتين الكوفة فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها ثم ركع وسجد فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة ثم استند إلى نخلة فدعا بدعوات ثم قال يا حفص إنه والله النخلة التي قال الله جل ذكره لمريم (عليها السلام): ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾))[2].
والجذع هو ما بين العرق والأغصان، ويعبّر عنه بالساق.
وكانت النخلة يابسة نخرة لا رأس لها ولا فروع ولا أوراق ﴿قَالَتْ﴾: مريم (عليها السلام) عند المخاض: ﴿...يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا...﴾، الأمر الذي ابتليت به، وكلامها هذا من طبائع الصالحين وعادتهم، فإنهم إذا وقعوا في بلية عظيمة أو مصيبة شديدة لا يتحمّلها إلاّ أولياء الله وأصفياؤه تضيق صدورهم ويتمنّون الموت.
وقد قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل: يا ليتني متّ قبل هذا اليوم، وعلى قبر فاطمة الزهراء (عليها السلام) تمنّى لو كان مات قبل ذلك.
وكذا قال سيدنا علي بن الحسين (عليهما السلام): فيا ليت أمّي لم تلدني، ومثله قال سيدنا الإمام الشهيد أبو عبد الله الحسين عندما وقف على رأس ابنه عليّ الأكبر (عليهما السلام) عند قتله.
وروي أن بلالا قال: ليت بلالا لم تلده أمّه.
فعلى كل حال قالت مريم (عليها السلام): ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾، النّسي بكسر النون، وقرئ بفتحها، وهو ما يتركه المرتحلون من رذال متاعهم الذي من شأنه أن يترك ويطرح، وقد عبّر بعضهم عنه بخرقة الطمث.
وفي تعبيرها وكلامها هذا مبالغة عجيبة حيث إنها تمنّت العدم الأزليّ لا العدم بعد الوجود، فإن قولها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ﴾، ولو كان ظاهرا في الانعدام بعد الوجود، لكن أعرضت عن هذا الظهور، أو فسّرت مقصودها من صدر الكلام بذيله المفيد لما ذكرناه، ويؤيّد ما ذكرناه من مرادها (عليها السلام) أن الإنسان الشريف إذا صدر عنه [ولو بغير اختياره] أمر موجب لاتّهامه وذهاب شرفه، فإنه يحب ويتمنّى عدمه أزلا، لأنه بهذا الفرض لا يصدر عنه ذلك العمل الشنيع ولو كانت شناعة نسبيّة بنظر الناس لا بحسب الواقع.
والمنسيّ أيضا منسيّ الذّكر بحيث لا يخطر ببال أحد حتى يذكره بسوء أو يلومه، وهذا أيضا لا تحصل له مرتبته الراقية الكاملة إلاّ بما فسّرنا المراد من كلامها من العدم الأزليّ حتى لا يكون لها ذكر في دار الدنيا أبدا، وقد بيّنّا أن النّسي [بكسر النون] هو الذي لا يعبأ به لغاية حقارته فكأنّ وجوده لم يكن حاصلا، وكأنّه في حكم العدم الصّرف.
ويمكن أن يكون مرادها: يا ليتني لم أكن معروفة مشهورة بحيث لا يعرفني أحد من الناس، وكانت حياتي كالممات ووجودي في حكم العدم لانعدام ذكري وأثري بين الناس.
[1] سورة مريم، الآية: 23.
[2] سورة مريم، الآية: 25.
