عنوان البحث: «هل الإمام علي (عليه السلام) لم يكن ناجحًا سياسيًا؟»
مقدمة قبل الإجابة
تعتبر عناوين البحوث العلمية مدخلًا منهجيًا لفهم الإشكالية التي يعالجها الباحث، وكلما كان العنوان إشكاليًا ازداد احتياجه إلى تفكيك مفاهيمي دقيق يرفع الالتباس قبل الدخول في النتائج. وعنوان هذا البحث: «هل الإمام علي (عليه السلام) لم يكن ناجحًا سياسيًا؟» ليس مجرد سؤال تاريخي، بل هو سؤال فكري مركّب يمس جوهر العلاقة بين السياسة والأخلاق، وبين منطق السلطة ومنطق الرسالة، وبين النجاح بمفهومه النفعي العابر والنجاح بمفهومه القرآني العميق. فالسؤال بصيغته الظاهرية يفترض وجود معيار واحد ثابت للنجاح السياسي، ويضع تجربة الإمام علي (عليه السلام) موضع مقارنة ضمنية مع تجارب سياسية أخرى يُظن أنها كانت أكثر “نجاحًا” من حيث النتائج الظاهرة، وهو افتراض يحتاج إلى تفكيك علمي قبل القبول أو الرفض.
وإن أول مفصل منهجي في هذا العنوان يتمثل في مفهوم “السياسة” ذاته؛ إذ إن السياسة في الوعي المعاصر كثيرًا ما تُفهم بوصفها فن إدارة المصالح، وتحقيق الغلبة، وإحكام السيطرة على المجتمع والدولة، ولو تطلّب ذلك التنازل عن القيم أو توظيف الكذب أو استخدام الظلم كأداة مرحلية. هذا الفهم، وإن شاع في الدراسات الوضعية الحديثة، لا يمثل السياسة في منطق القرآن ولا في سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ولا في تجربة الأئمة (عليهم السلام). فالسياسة في الرؤية القرآنية جزء من المنظومة الأخلاقية والشرعية، وهي امتداد لوظيفة الاستخلاف الإلهي في الأرض، وليست مجالًا منفصلًا عن القيم، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ فَاحكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى﴾طه: 26، فالخلافة هنا مقيدة بالحق ومحصّنة من الهوى، لا مفتوحة على منطق المصلحة المجردة.
وعند الانتقال إلى مفردة “النجاح”، يظهر الإشكال بصورة أوضح، لأن النجاح السياسي في المنطق النفعي يُقاس بالنتائج الملموسة؛ كطول مدة الحكم، واتساع النفوذ، وإخماد الخصوم، واستقرار السلطة ولو بالقوة. أما في المنطق القرآني والنبوي، فإن النجاح يُقاس بمدى الالتزام بالأمانة الإلهية، وتحقيق العدل، وحفظ كرامة الإنسان، حتى لو أدّى ذلك إلى خسائر آنية. ومن هنا فإن الخلط بين هذين المعيارين هو السبب الرئيس في طرح السؤال بصيغته الإشكالية، لأن تجربة الإمام علي (عليه السلام) تُحاكم أحيانًا بمعيار لم يكن هو نفسه يؤمن به ولا يعمل وفقه.
وكما أن العنوان يفترض ضمنًا مقارنة بين الإمام علي (عليه السلام) وبين غيره ممن سبقه أو عاصره أو جاء بعده، ممن وُصفوا بالنجاح السياسي. غير أن هذه المقارنة، إن لم تُضبط بمنهج علمي دقيق، تتحول إلى مغالطة تاريخية، لأن نجاح أولئك القادة غالبًا ما كان قائمًا على سياسات مهادنة للفساد، أو توظيف العصبيات، أو تقديم الاستقرار على حساب العدالة، بينما كان الإمام علي (عليه السلام) ملتزمًا التزامًا صارمًا بسنة القرآن والرسول (صلى الله عليه وآله)، التي جعلت العدل خطًا أحمر لا يُتجاوز، والحق معيارًا لا يخضع للظروف. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يُعدّ من ينجح عبر التنازل عن القيم أنجح ممن يفشل في منطق الغلبة لأنه رفض التنازل عن الحق؟
وإن سنة القرآن في الأنبياء والرسل تقدم إطارًا حاسمًا للإجابة عن هذا الإشكال، إذ إن القرآن لم يربط نجاح الأنبياء بالتمكين السياسي دائمًا، بل ربطه بأداء الرسالة والثبات على المنهج، حتى لو قوبل ذلك بالرفض أو الإقصاء أو القتل. فالنبي نوح (عليه السلام) مكث في قومه قرونًا ولم يؤمن معه إلا قليل، ومع ذلك يُعدّ في منطق القرآن نموذجًا للنجاح الرسالي، لأن معيار النجاح لم يكن كثرة الأتباع ولا حجم الدولة، بل الصدق في البلاغ والصبر على الحق. وهذه السنة الإلهية هي ذاتها التي تحكم تجربة الإمام علي (عليه السلام)، بوصفه الامتداد الشرعي والعملي لمنهج الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).
وعليه، فإن الإشكالية الحقيقية التي يعالجها هذا البحث لا تكمن في إثبات أو نفي “نجاح” الإمام علي (عليه السلام) وفق المقاييس الشائعة، بل في مساءلة هذه المقاييس ذاتها، وبيان مدى انسجامها أو تعارضها مع سنة القرآن والرسول. فهل كان الإمام علي (عليه السلام) غير ناجح لأنه لم يستخدم أدوات السياسة الملتوية؟ أم أن إخفاق غيره أخلاقيًا هو الثمن الذي دفعوه مقابل نجاح ظاهري؟ وهل يُعدّ القائد الذي يحافظ على نقاء المشروع ولو خسر السلطة أقل نجاحًا ممن حافظ على السلطة ولو لوّث المشروع؟
وإن هذه المقدمة تسعى إلى وضع القارئ أمام حقيقة منهجية أساسية، وهي أن الحكم على تجربة الإمام علي (عليه السلام) السياسية لا يمكن أن يكون حكمًا تقنيًا معزولًا عن المرجعية القرآنية والنبويّة، ولا عن فلسفة الحكم في الإسلام.
فقبل أن نسأل: هل نجح الإمام علي سياسيًا أم لا؟ ينبغي أن نسأل: أي سياسة نقصد؟ وأي نجاح نريد؟ وبأي ميزان نقيس؟ وهي أسئلة تمهيدية لا غنى عنها لفهم العنوان تفكيكًا وتحليلًا، قبل الانتقال إلى المباحث التفصيلية التي تُظهر أن المشكلة لم تكن في فشل الإمام علي (عليه السلام)، بل في فشل الوعي السياسي الذي حاول محاكمته بمعايير لا تنتمي إلى مشروعه ولا إلى سنة القرآن والرسول.
س/ هل الإمام عليّ (عليه السلام) لم يكن ناجحًا سياسيًا؟
يُثار أحيانًا في بعض القراءات المعاصرة تساؤل مفاده: هل كان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ناجحًا سياسيًا؟ ويُطرح هذا السؤال غالبًا انطلاقًا من فهم ضيق للسياسة، يُساوي بينها وبين القدرة على الاحتفاظ بالسلطة، أو تحقيق الغلبة، أو كسب التحالفات ولو على حساب المبادئ. غير أن هذا الطرح يعاني خللًا منهجيًا واضحًا، لأنه يُسقط معايير سياسية حديثة ذات طابع نفعي على تجربة قيادية قرآنية رسالية، جوهرها العدل والحق لا المناورة والمصلحة. ومن هنا فإن الإجابة العلمية الدقيقة تقتضي أولًا إعادة تعريف مفهوم النجاح السياسي في ضوء القرآن والعقل، ثم دراسة تجربة الإمام علي (عليه السلام) ضمن هذا الإطار لا خارجه.
وإن السياسة في الرؤية القرآنية ليست فن إدارة المصالح المجردة، بل أمانة إلهية واختبار أخلاقي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدلِ﴾ النساء: 58. فالآية تجعل معيار الحكم هو أداء الأمانة وإقامة العدل، لا تحقيق المكاسب أو ترسيخ النفوذ. وكما يقرر القرآن أن الغاية من السلطة هي الإصلاح لا الاستعلاء، قال تعالى على لسان نبيه شعيب (عليه السلام): ﴿إِن أُرِيدُ إِلَّا الإِصلَاحَ مَا استَطَعتُ﴾ هود: 88. وهذا هو الإطار الذي تحرك فيه الإمام علي (عليه السلام) حين تولى الخلافة، إذ كان يرى الحكم وسيلة لإقامة الحق ودفع الباطل، لا غاية بحد ذاته.
وقد عبّر الإمام علي (عليه السلام) بوضوح عن فلسفته السياسية حين قال: «والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلًا». وهذا الموقف يتطابق تمامًا مع المنهج القرآني الذي يربط القيمة بالحق لا بالنتيجة الظاهرية، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَستَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَو أَعجَبَكَ كَثرَةُ الخَبِيثِ﴾ المائدة: 100. فالكثرة والغلبة لا تمنح المشروعية إذا كانت قائمة على الباطل، وهذا ما كان الإمام علي (عليه السلام) واعيًا له بعمق.
وإن من الخطأ المنهجي الكبير تقييم تجربة الإمام علي (عليه السلام) السياسية بمعايير النجاح النفعي الذي يُقاس بطول مدة الحكم أو استقرار السلطة، لأن هذا المعيار لو طُبق على الأنبياء أنفسهم لأخرج كثيرًا منهم من دائرة “النجاح السياسي”، مع أن القرآن يقرر نجاحهم لأنهم أدّوا الأمانة وثبتوا على المبدأ. قال تعالى مخاطبًا النبي (صلى الله عليه وآله): ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ البَلَاغُ وَعَلَينَا الحِسَابُ﴾ الرعد: 40. فنجاح القائد الرسالي لا يُقاس دائمًا بالنتائج العاجلة، بل بصدق البلاغ وصيانة المنهج.
وعندما تسلّم الإمام علي (عليه السلام) الخلافة، واجه واقعًا سياسيًا واجتماعيًا شديد التعقيد، تراكمت فيه الانحرافات الاقتصادية، وتكوّنت طبقات اعتادت الامتيازات غير المشروعة، وتغلغلت العصبيات القبلية في بنية الدولة. وكان من الممكن له أن يتبع سياسة المسايرة المرحلية، فيُبقي على الولاة الفاسدين مؤقتًا، أو يتغاضى عن الظلم لكسب الولاءات، لكنه رفض ذلك رفضًا قاطعًا، لأنه كان يرى أن الظلم لا يُنتج استقرارًا حقيقيًا. وقد عبّر عن هذا الموقف بوضوح حين قال: «أتأمرونّي أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله لا أطور به ما سمر سمير وما أمّ نجم في السماء نجمًا». وهذا الموقف ليس سذاجة سياسية كما يتوهم البعض، بل هو وعي عميق بأن الظلم، وإن حقق نصرًا آنيًا، يؤدي حتمًا إلى انهيار الدولة وفقدان شرعيتها، وهو ما يؤكده القرآن بقوله تعالى: ﴿وَتِلكَ القُرَى أَهلَكنَاهُم لَمَّا ظَلَمُوا﴾ الكهف: 59.
ومن الناحية العقلية، فإن القائد السياسي الناجح هو من ينسجم فعله مع رؤيته المعلنة، ويُخضع الوسائل للغايات الأخلاقية التي يؤمن بها. والإمام علي (عليه السلام) كان من أكثر القادة وعيًا بطبيعة السياسة، ويكفي ما ورد في نهج البلاغة من تحليل دقيق لآليات التضليل، وتقلب الجماهير، وخطورة الإعلام المضلل، لكنه كان يضع حدًا شرعيًا وأخلاقيًا لا يتجاوزه، التزامًا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلَّا تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى﴾ المائدة: 8. فالعدالة هنا قيمة مطلقة لا تخضع لاعتبارات الصراع السياسي.
وكما أن القرآن يقرر أن التمكين ليس دائمًا ثمرة مباشرة للحق، بل قد يتأخر لحِكَم إلهية، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ﴾ العنكبوت: 2. وقد كانت خلافة الإمام علي (عليه السلام) مرحلة افتتان كبرى، انكشف فيها زيف الشعارات، وظهر الفرق بين من يريد العدل ومن يريد السلطة. ومن هذه الزاوية، فإن نجاح الإمام علي (عليه السلام) السياسي يتجلى في قدرته على ترسيخ نموذج الحكم العادل، حتى وهو محاصر بالحروب والمؤامرات.
وإن الفشل السياسي الحقيقي، في ميزان القرآن والعقل، هو النجاح القائم على الظلم والخداع، لأن مآلاته حتمًا إلى الزوال، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إبراهيم: 42. أما الإمام علي (عليه السلام)، فقد خسر السلطة الشكلية ولم يخسر القيم، وخسر بعض الأنصار ولم يخسر التاريخ، ولذلك بقي مشروعه السياسي حيًا يُستدعى كلما طُرحت أسئلة العدالة والحكم الرشيد.
وعليه، فإن السؤال الأدق ليس: هل كان الإمام علي (عليه السلام) ناجحًا سياسيًا؟ بل: ما هو تعريفنا للنجاح السياسي؟ فإن كان النجاح هو الانتصار بأي وسيلة، فذلك منطق لا يقره القرآن ولا العقل، وإن كان النجاح هو الثبات على الحق وإقامة العدل وصيانة الأمانة، فإن الإمام علي (عليه السلام) يمثل النموذج الأعلى للنجاح السياسي الرسالي، نجاحًا لا يُقاس بطول الحكم ولا باتساع النفوذ، بل بصدق المنهج وخلود القيم.
مقدمة قبل الإجابة
تعتبر عناوين البحوث العلمية مدخلًا منهجيًا لفهم الإشكالية التي يعالجها الباحث، وكلما كان العنوان إشكاليًا ازداد احتياجه إلى تفكيك مفاهيمي دقيق يرفع الالتباس قبل الدخول في النتائج. وعنوان هذا البحث: «هل الإمام علي (عليه السلام) لم يكن ناجحًا سياسيًا؟» ليس مجرد سؤال تاريخي، بل هو سؤال فكري مركّب يمس جوهر العلاقة بين السياسة والأخلاق، وبين منطق السلطة ومنطق الرسالة، وبين النجاح بمفهومه النفعي العابر والنجاح بمفهومه القرآني العميق. فالسؤال بصيغته الظاهرية يفترض وجود معيار واحد ثابت للنجاح السياسي، ويضع تجربة الإمام علي (عليه السلام) موضع مقارنة ضمنية مع تجارب سياسية أخرى يُظن أنها كانت أكثر “نجاحًا” من حيث النتائج الظاهرة، وهو افتراض يحتاج إلى تفكيك علمي قبل القبول أو الرفض.
وإن أول مفصل منهجي في هذا العنوان يتمثل في مفهوم “السياسة” ذاته؛ إذ إن السياسة في الوعي المعاصر كثيرًا ما تُفهم بوصفها فن إدارة المصالح، وتحقيق الغلبة، وإحكام السيطرة على المجتمع والدولة، ولو تطلّب ذلك التنازل عن القيم أو توظيف الكذب أو استخدام الظلم كأداة مرحلية. هذا الفهم، وإن شاع في الدراسات الوضعية الحديثة، لا يمثل السياسة في منطق القرآن ولا في سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ولا في تجربة الأئمة (عليهم السلام). فالسياسة في الرؤية القرآنية جزء من المنظومة الأخلاقية والشرعية، وهي امتداد لوظيفة الاستخلاف الإلهي في الأرض، وليست مجالًا منفصلًا عن القيم، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ فَاحكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى﴾طه: 26، فالخلافة هنا مقيدة بالحق ومحصّنة من الهوى، لا مفتوحة على منطق المصلحة المجردة.
وعند الانتقال إلى مفردة “النجاح”، يظهر الإشكال بصورة أوضح، لأن النجاح السياسي في المنطق النفعي يُقاس بالنتائج الملموسة؛ كطول مدة الحكم، واتساع النفوذ، وإخماد الخصوم، واستقرار السلطة ولو بالقوة. أما في المنطق القرآني والنبوي، فإن النجاح يُقاس بمدى الالتزام بالأمانة الإلهية، وتحقيق العدل، وحفظ كرامة الإنسان، حتى لو أدّى ذلك إلى خسائر آنية. ومن هنا فإن الخلط بين هذين المعيارين هو السبب الرئيس في طرح السؤال بصيغته الإشكالية، لأن تجربة الإمام علي (عليه السلام) تُحاكم أحيانًا بمعيار لم يكن هو نفسه يؤمن به ولا يعمل وفقه.
وكما أن العنوان يفترض ضمنًا مقارنة بين الإمام علي (عليه السلام) وبين غيره ممن سبقه أو عاصره أو جاء بعده، ممن وُصفوا بالنجاح السياسي. غير أن هذه المقارنة، إن لم تُضبط بمنهج علمي دقيق، تتحول إلى مغالطة تاريخية، لأن نجاح أولئك القادة غالبًا ما كان قائمًا على سياسات مهادنة للفساد، أو توظيف العصبيات، أو تقديم الاستقرار على حساب العدالة، بينما كان الإمام علي (عليه السلام) ملتزمًا التزامًا صارمًا بسنة القرآن والرسول (صلى الله عليه وآله)، التي جعلت العدل خطًا أحمر لا يُتجاوز، والحق معيارًا لا يخضع للظروف. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يُعدّ من ينجح عبر التنازل عن القيم أنجح ممن يفشل في منطق الغلبة لأنه رفض التنازل عن الحق؟
وإن سنة القرآن في الأنبياء والرسل تقدم إطارًا حاسمًا للإجابة عن هذا الإشكال، إذ إن القرآن لم يربط نجاح الأنبياء بالتمكين السياسي دائمًا، بل ربطه بأداء الرسالة والثبات على المنهج، حتى لو قوبل ذلك بالرفض أو الإقصاء أو القتل. فالنبي نوح (عليه السلام) مكث في قومه قرونًا ولم يؤمن معه إلا قليل، ومع ذلك يُعدّ في منطق القرآن نموذجًا للنجاح الرسالي، لأن معيار النجاح لم يكن كثرة الأتباع ولا حجم الدولة، بل الصدق في البلاغ والصبر على الحق. وهذه السنة الإلهية هي ذاتها التي تحكم تجربة الإمام علي (عليه السلام)، بوصفه الامتداد الشرعي والعملي لمنهج الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).
وعليه، فإن الإشكالية الحقيقية التي يعالجها هذا البحث لا تكمن في إثبات أو نفي “نجاح” الإمام علي (عليه السلام) وفق المقاييس الشائعة، بل في مساءلة هذه المقاييس ذاتها، وبيان مدى انسجامها أو تعارضها مع سنة القرآن والرسول. فهل كان الإمام علي (عليه السلام) غير ناجح لأنه لم يستخدم أدوات السياسة الملتوية؟ أم أن إخفاق غيره أخلاقيًا هو الثمن الذي دفعوه مقابل نجاح ظاهري؟ وهل يُعدّ القائد الذي يحافظ على نقاء المشروع ولو خسر السلطة أقل نجاحًا ممن حافظ على السلطة ولو لوّث المشروع؟
وإن هذه المقدمة تسعى إلى وضع القارئ أمام حقيقة منهجية أساسية، وهي أن الحكم على تجربة الإمام علي (عليه السلام) السياسية لا يمكن أن يكون حكمًا تقنيًا معزولًا عن المرجعية القرآنية والنبويّة، ولا عن فلسفة الحكم في الإسلام.
فقبل أن نسأل: هل نجح الإمام علي سياسيًا أم لا؟ ينبغي أن نسأل: أي سياسة نقصد؟ وأي نجاح نريد؟ وبأي ميزان نقيس؟ وهي أسئلة تمهيدية لا غنى عنها لفهم العنوان تفكيكًا وتحليلًا، قبل الانتقال إلى المباحث التفصيلية التي تُظهر أن المشكلة لم تكن في فشل الإمام علي (عليه السلام)، بل في فشل الوعي السياسي الذي حاول محاكمته بمعايير لا تنتمي إلى مشروعه ولا إلى سنة القرآن والرسول.
س/ هل الإمام عليّ (عليه السلام) لم يكن ناجحًا سياسيًا؟
يُثار أحيانًا في بعض القراءات المعاصرة تساؤل مفاده: هل كان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ناجحًا سياسيًا؟ ويُطرح هذا السؤال غالبًا انطلاقًا من فهم ضيق للسياسة، يُساوي بينها وبين القدرة على الاحتفاظ بالسلطة، أو تحقيق الغلبة، أو كسب التحالفات ولو على حساب المبادئ. غير أن هذا الطرح يعاني خللًا منهجيًا واضحًا، لأنه يُسقط معايير سياسية حديثة ذات طابع نفعي على تجربة قيادية قرآنية رسالية، جوهرها العدل والحق لا المناورة والمصلحة. ومن هنا فإن الإجابة العلمية الدقيقة تقتضي أولًا إعادة تعريف مفهوم النجاح السياسي في ضوء القرآن والعقل، ثم دراسة تجربة الإمام علي (عليه السلام) ضمن هذا الإطار لا خارجه.
وإن السياسة في الرؤية القرآنية ليست فن إدارة المصالح المجردة، بل أمانة إلهية واختبار أخلاقي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدلِ﴾ النساء: 58. فالآية تجعل معيار الحكم هو أداء الأمانة وإقامة العدل، لا تحقيق المكاسب أو ترسيخ النفوذ. وكما يقرر القرآن أن الغاية من السلطة هي الإصلاح لا الاستعلاء، قال تعالى على لسان نبيه شعيب (عليه السلام): ﴿إِن أُرِيدُ إِلَّا الإِصلَاحَ مَا استَطَعتُ﴾ هود: 88. وهذا هو الإطار الذي تحرك فيه الإمام علي (عليه السلام) حين تولى الخلافة، إذ كان يرى الحكم وسيلة لإقامة الحق ودفع الباطل، لا غاية بحد ذاته.
وقد عبّر الإمام علي (عليه السلام) بوضوح عن فلسفته السياسية حين قال: «والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلًا». وهذا الموقف يتطابق تمامًا مع المنهج القرآني الذي يربط القيمة بالحق لا بالنتيجة الظاهرية، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَستَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَو أَعجَبَكَ كَثرَةُ الخَبِيثِ﴾ المائدة: 100. فالكثرة والغلبة لا تمنح المشروعية إذا كانت قائمة على الباطل، وهذا ما كان الإمام علي (عليه السلام) واعيًا له بعمق.
وإن من الخطأ المنهجي الكبير تقييم تجربة الإمام علي (عليه السلام) السياسية بمعايير النجاح النفعي الذي يُقاس بطول مدة الحكم أو استقرار السلطة، لأن هذا المعيار لو طُبق على الأنبياء أنفسهم لأخرج كثيرًا منهم من دائرة “النجاح السياسي”، مع أن القرآن يقرر نجاحهم لأنهم أدّوا الأمانة وثبتوا على المبدأ. قال تعالى مخاطبًا النبي (صلى الله عليه وآله): ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ البَلَاغُ وَعَلَينَا الحِسَابُ﴾ الرعد: 40. فنجاح القائد الرسالي لا يُقاس دائمًا بالنتائج العاجلة، بل بصدق البلاغ وصيانة المنهج.
وعندما تسلّم الإمام علي (عليه السلام) الخلافة، واجه واقعًا سياسيًا واجتماعيًا شديد التعقيد، تراكمت فيه الانحرافات الاقتصادية، وتكوّنت طبقات اعتادت الامتيازات غير المشروعة، وتغلغلت العصبيات القبلية في بنية الدولة. وكان من الممكن له أن يتبع سياسة المسايرة المرحلية، فيُبقي على الولاة الفاسدين مؤقتًا، أو يتغاضى عن الظلم لكسب الولاءات، لكنه رفض ذلك رفضًا قاطعًا، لأنه كان يرى أن الظلم لا يُنتج استقرارًا حقيقيًا. وقد عبّر عن هذا الموقف بوضوح حين قال: «أتأمرونّي أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله لا أطور به ما سمر سمير وما أمّ نجم في السماء نجمًا». وهذا الموقف ليس سذاجة سياسية كما يتوهم البعض، بل هو وعي عميق بأن الظلم، وإن حقق نصرًا آنيًا، يؤدي حتمًا إلى انهيار الدولة وفقدان شرعيتها، وهو ما يؤكده القرآن بقوله تعالى: ﴿وَتِلكَ القُرَى أَهلَكنَاهُم لَمَّا ظَلَمُوا﴾ الكهف: 59.
ومن الناحية العقلية، فإن القائد السياسي الناجح هو من ينسجم فعله مع رؤيته المعلنة، ويُخضع الوسائل للغايات الأخلاقية التي يؤمن بها. والإمام علي (عليه السلام) كان من أكثر القادة وعيًا بطبيعة السياسة، ويكفي ما ورد في نهج البلاغة من تحليل دقيق لآليات التضليل، وتقلب الجماهير، وخطورة الإعلام المضلل، لكنه كان يضع حدًا شرعيًا وأخلاقيًا لا يتجاوزه، التزامًا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلَّا تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى﴾ المائدة: 8. فالعدالة هنا قيمة مطلقة لا تخضع لاعتبارات الصراع السياسي.
وكما أن القرآن يقرر أن التمكين ليس دائمًا ثمرة مباشرة للحق، بل قد يتأخر لحِكَم إلهية، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ﴾ العنكبوت: 2. وقد كانت خلافة الإمام علي (عليه السلام) مرحلة افتتان كبرى، انكشف فيها زيف الشعارات، وظهر الفرق بين من يريد العدل ومن يريد السلطة. ومن هذه الزاوية، فإن نجاح الإمام علي (عليه السلام) السياسي يتجلى في قدرته على ترسيخ نموذج الحكم العادل، حتى وهو محاصر بالحروب والمؤامرات.
وإن الفشل السياسي الحقيقي، في ميزان القرآن والعقل، هو النجاح القائم على الظلم والخداع، لأن مآلاته حتمًا إلى الزوال، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إبراهيم: 42. أما الإمام علي (عليه السلام)، فقد خسر السلطة الشكلية ولم يخسر القيم، وخسر بعض الأنصار ولم يخسر التاريخ، ولذلك بقي مشروعه السياسي حيًا يُستدعى كلما طُرحت أسئلة العدالة والحكم الرشيد.
وعليه، فإن السؤال الأدق ليس: هل كان الإمام علي (عليه السلام) ناجحًا سياسيًا؟ بل: ما هو تعريفنا للنجاح السياسي؟ فإن كان النجاح هو الانتصار بأي وسيلة، فذلك منطق لا يقره القرآن ولا العقل، وإن كان النجاح هو الثبات على الحق وإقامة العدل وصيانة الأمانة، فإن الإمام علي (عليه السلام) يمثل النموذج الأعلى للنجاح السياسي الرسالي، نجاحًا لا يُقاس بطول الحكم ولا باتساع النفوذ، بل بصدق المنهج وخلود القيم.
