بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
يقول أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام:
«الرزق رزقان: طالب ومطلوب، فمَن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه عنها؛ ومَن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه منها».
📚 نهج البلاغة، الحكمة ٤٣١.
تأمّلوا جمال هذه الكلمات! الإمام يكشف لنا عن اتجاهين في الحياة: إنسان جعل الدنيا غايته، وإنسان جعل رضا الله غايته.
مَن طلب الدنيا طلبه الموت
هناك إنسان يركض خلف الدنيا بلا توقف؛ يريد مالًا أكثر، وبيتًا أكبر، ومكانة أعلى، ولا يشعر أنه وصل إلى الكفاية أبدًا. كلما امتلك شيئًا، ظهرت أمامه أشياء أخرى يتمنى امتلاكها، حتى تمر سنوات عمره وهو يؤجل راحته، ويهمل روحه، وربما يقصّر في حق أسرته وعبادته، ظنًّا منه أن السعادة تنتظره في المحطة القادمة.
لكن الموت لا ينتظر حتى يُكمل الإنسان مشاريعه، ولا يستأذن حين تنتهي أحلامه؛ فمهما طال سعي الإنسان إلى الدنيا، سيأتي يوم يفارقها ويترك وراءه ما جمع.
وهنا السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل نحن نملك الدنيا ونستخدمها، أم أنها تملك قلوبنا وتستنزف أعمارنا؟
ليس المذموم أن نعمل أو ننجح أو نمتلك المال، بل أن تصبح هذه الأشياء غايتنا الكبرى، فنربح الدنيا ونخسر أنفسنا في الطريق.
ومَن طلب الآخرة طلبته الدنيا
أما الإنسان الذي يجعل رضا الله غايته، فلا يعني ذلك أنه يترك العمل أو ينتظر الرزق بلا سعي؛ بل يعمل، ويتعلم، ويعمر الأرض، ويخدم أسرته، ويؤدي مسؤولياته، لكن قلبه لا يتحول إلى عبدٍ لما يملك أو لما يتمنى امتلاكه.
هذا الإنسان يجعل عمله وسيلة للخير، وماله وسيلة للعطاء، وعلاقاته مجالًا للرحمة، وحتى تعبه وصبره يحتسبهما عند الله.
وقوله عليه السلام: «طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه منها» يفتح أمامنا معنى مهمًّا: أن طلب الآخرة لا يستلزم إهمال نصيب الإنسان من الدنيا، وأن الرزق لا يحتاج إلى أن نجعل الدنيا أكبر همّنا؛ بل نسعى بما نستطيع، ونطلب الحلال، ونتوكل على الله، دون أن نبيع مبادئنا أو نستهلك أعمارنا في القلق على ما لم يُكتب لنا.
أين نضع قلوبنا ونحن نسعى؟
قد يعمل شخصان العمل نفسه، ويجمعان المال نفسه، لكن الفرق بينهما عظيم: أحدهما يريد الدنيا لتكون غايته، والآخر يريدها لتكون عونًا له على طاعة الله ونفع خلقه.
فالأول قد لا يشبع مهما امتلك، والثاني يستطيع أن يشكر الله على القليل، ويطمح إلى المزيد دون أن يفقد سلامه الداخلي.
والأمر لا يتعلق بكمية ما نملك، بل بالمكان الذي تحتله الدنيا في قلوبنا. فقد يكون الإنسان فقيرًا لكنه شديد التعلق بها، وقد يكون غنيًّا لكنه يجعل ماله في يده، لا في قلبه.
إن الإمام عليًّا عليه السلام يدعونا إلى إعادة ترتيب أولوياتنا: لا تتوقف عن السعي، ولكن تذكّر لماذا تسعى، ولا تترك مسؤوليات الدنيا، ولكن لا تجعلها تنسيك الآخرة.
اعمل كأن عليك مسؤولية أن تعمّر حياتك، واستعد للآخرة كأن عمرك أمانة لا تعرف متى تنتهي. لا تؤجل التوبة حتى تستقر أمورك، ولا تؤجل الإحسان حتى تزداد ثروتك، ولا تؤجل القرب من الله حتى تفرغ من مشاغلك؛ فقد لا يأتي الفراغ الذي تنتظره.
اجعل الدنيا طريقًا إلى الله، لا طريقًا بعيدًا عنه؛ واجعل رزقك في يدك، ورضا الله في قلبك، والآخرة بوصلتك.
