المدونة الجعفرية في العراق: حق اختياري في إطار التعددية القانونية

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابو محمد السيلاوي
    عضو ذهبي

    • 17-05-2013
    • 1493

    #1

    المدونة الجعفرية في العراق: حق اختياري في إطار التعددية القانونية



    المدونة الجعفرية في العراق: حق اختياري في إطار التعددية القانونية

    قانون الأحوال الشخصية، أو ما يُعرف بالمدونة الجعفرية في العراق، هو جزء من منظومة تشريعية مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية (أحاديث النبي صلى الله عليه وآله) وأحاديث أهل البيت عليهم السلام، بالإضافة إلى الإجماع والعقل. وهذه المنظومة هي نفسها القاعدة الأساسية في منظومة الفقه الجعفري، التي تخضع لتدقيق وتمحيص واستقراء وبحث عميق يستخدمها المجتهد الجامع للشرائط في إصدار الأحكام. وهي تتضمن، باختصار، أحكاماً فردية وجماعية، كصلاة الجماعة التي تُلزم المكلف بأحكام الالتزام فيها نصاً، ولا يحق له الاجتهاد ما دام ليس من أهل الاختصاص. ومنها أيضاً أحكام الأحوال الشخصية كما ينص عليها القانون، ومنها أحكام الزواج والطلاق والميراث بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، حالها حال سن التكليف وما يترتب عليه من أحكام، أو قل هي جزء من هذه المنظومة.

    والجدل حول هذه المدونة ليس مجرد خلاف قانوني تقني، بل هو جزء من نقاش أوسع حول الهوية والتعددية القانونية في العراق، وحول حق كل مكون في تنظيم أحواله الشخصية وفق معتقده. ولذلك طالب المشرع بأن تُدرج هذه المدونة ضمن قانون الأحوال الشخصية العراقي، حالها حال الأخوة من باقي المذاهب والأديان، ومنها الأحناف والمسيحيون والصابئة والإيزيديون وباقي المكونات. وقد نص القانون على حق الاختيار للزوجين في اختيار القانون الذي يتناسب مع طبيعة عقيدتهما وحياتهما وتوجههما الديني، لأنه حق للجميع في تنظيم أمورهم الحياتية. فالمدونة ليست قانوناً يُفرض على الجميع، بل خيار متاح لمن يرى في أحكامه انعكاساً لعقيدته.

    لذلك صدرت هذه المدونة من أهل الاختصاص، وعالجت الكثير من المسائل العالقة في القانون السابق، التي كانت تُعتبر تحدياً حقيقياً للأسرة العراقية، خصوصاً الشيعية، ومنها أحكام الزواج والطلاق والميراث، التي يوجد فيها خلاف جوهري مع القانون القديم الذي هو خليط من المذهب الحنفي والقانون المدني، والذي يتعارض مع ثوابت الإسلام المتمثل بالمذهب الجعفري.

    ولكن الغريب أن هناك منظمات نسوية وشخصيات قانونية لا يُعرف انتماؤها أو دينها، خرجت للرأي العام تندد بفقرات من هذه المدونة بحجة أنها تتنافى مع حقوق المرأة وحقوق الطفل وغير ذلك. ومن المستغرب أن أغلب اللواتي خرجن ضد هذه المدونة يخرجن بهوية أنهن قانونيات ويطالبن بتطبيق اتفاقية سيداو أو غيرها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأحكام الشرعية في المذهب الجعفري، كالميراث والنفقة والطلاق، ليست انتقاصاً من المرأة، بل هي منظومة متكاملة لها منطقها الداخلي، والحكم عليها يجب أن يكون من داخل المرجعية الفقهية لا من خارجها. كما أن من يعترض على المدونة الجعفرية باسم حقوق الإنسان غالباً لا يعترض على تطبيق الشريعة الإسلامية في دول أخرى أو على أحكام الأديان الأخرى، مما يكشف ازدواجية في المعايير.

    ولنا الكامل، باعتبارنا المعنيين بهذه المدونة، أن نسأل تلك النساء عدة أسئلة، ومن أهمها:

    ١. ما هو انتماؤك الديني؟ هل أنتِ على المذهب الجعفري ومعنية بهذا القانون أو ملزمة به أو متضررة منه؟ لأن تلك الأمور تعطيكِ الحق بالمطالبة بالتغيير. ولكن إن كنتِ لست كذلك، هنا يتبادر سؤال مهم: لماذا تطالبين بإلغاء هذه المدونة وأنتِ على هذا الحال؟

    ٢. هل المطالبة بالإلغاء من أهل الاختصاص الذي أشرنا إليه في المقدمة، وهي حصولك على درجة الاجتهاد، أم أنك تخضعين للمدونة مع القانون الوضعي؟

    ٣. نقول للنساء المعترضات: الحجاب واجب شرعي عند جميع المسلمين. إذا كنتِ مسلمة، لماذا لا تردين الحجاب؟ تقولين هذه مسألة شخصية، يعني بكيفي. ونحن نقول لكِ: هذه المدونة حق شخصي، ولا يحق لكِ التدخل ما دمتم غير ملزمين بها.

    ٤. لماذا لا تعترضن على الأخوة المسيحيين والإيزيديين والصابئة في تطبيق أحكامهم الشخصية، وتعتبرينها مخالفة للقانون؟

    خلاصة مهمة: ما دامت المدونة لا تُلزم أحداً بتطبيقها، يكون واجباً على الدولة، المتمثلة بالجهة التشريعية والتنفيذية، إصدار قانون تجريم كل من تسول له نفسه أن يتصدى لهذه المدونة، حاله حال أي شخص يتعرض لكل الأخوة من باقي المذاهب والديانات. وهذا التجريم لا يعني منع النقد، بل منع التعرض لها أو إلغائها بالقوة خارج الأطر القانونية. أما المتضرر من هذه المدونة أو باقي المدونات أو قانون الأحوال الشخصية، فعليه أن يرفع قضيته للقضاء، حفاظاً على النظام العام أولاً، واحتراماً لحقوق الغير ثانياً، ولأن اللجوء إلى القضاء هو الطريق الحضاري لحل الخلافات.

    وخلاصة القول: المدونة الجعفرية ليست استثناءً، بل جزء من نسيج قانوني تعددي يعترف بحق كل مكون في تنظيم أحواله الشخصية وفق معتقده. ورفضها باسم حقوق المرأة أو القانون الوضعي، دون فهم خصوصيتها، هو رفض للتعددية نفسها.

    بقلمي
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...