لطالما اراد الانسان ان يفرض هيمنته على سطح المعمورة, واتخذ شتى السبل الممكنة لهذه الهيمنة( بداعي ان الغاية تبرر الوسيلة), فالتقدّم العلمي، إذا اقترن بالاستبداد وغياب المسؤولية الأخلاقية، قد يتحول إلى أداة للسيطرة بدل أن يكون وسيلةً لخدمة الإنسان وتحسين حياته( كاستخدام العلم لصناعة القنابل النووية), ويمكن أن نرى صورًا من هذا المعنى في واقعنا المعاصر، حين تُستغل المعرفة والتقنيات المتقدمة لتوسيع نفوذ بعض الدول أو الإضرار بالشعوب الأضعف, واذا ما تأملنا في القرآن الكريم وجدنا امثلة وشواهد عديدة, فالحضارة الفرعونية بلغت اوجها, وكانت نتيجة هذه الحضارة والتقدم العلمي جبروتاً وصل بملكها الى حد ادعاء الالوهية, فقال"(أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)"([1])، وهذا الحال ينطبق على النمرود الذي علا وتجبر, كما لم يكن حال قوم عاد وثمود اقل شأناً في التجبر والطغيان بعد ان انعم عليهم سبحانه بكل النعم وبالتقدم العلمي, ومن الاشخاص الذين سخروا العلم ليتجبروا ويعلو شأنهم بين الناس قارون الذي نقل القرآن الكريم قوله عن العلم الذي طغى به على الناس"(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي)"([2]), حيث اختلف المفسرون في المقصود بهذا العلم؛ فمنهم من فسّره بعلم التجارة والمكاسب، ومنهم من ذكر علم الكيمياء وصنعة الذهب حيث تضاعفت امواله فتجبر وتكبر, وعلى النقيض من ذلك فقد سخر طالوت علمه الذي علمه له سبحانه في خدمة الدين, قال تعالى في سورة البقرة (الآية 247):"( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَّشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)", وفي بعض الاحيان يكون التفاوت العلمي داعياً لقبول الحق, وينطبق هذا على الملكة بلقيس حيث كانت تعيش في مجتمع حضاري متمدن الا انها اذهلت من التقدم العلمي الذي حققه الملك والنبي سليمان عليه السلام, فأقرت ان رب سليمان هو الاله الحق فعبدت الله سبحانه, وقد يتخلى العالم عن علمه ويسير خلف الشيطان فيكون علمه وبالاً عليه(فالعالم ليس كالجاهل في الحساب) وحذّر القرآن الكريم من العلم الذي لا يصحبه عمل صالح أو التزام بالحق, ففي قصة العالم (بلعم بن باعوراء) الذي آتاه الله آياته ثم انسلخ منها, واتبع هواه فشبهه القرآن بالكلب لعدم انتفاعه من العلم ، يقول تعالى:"(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ)"([3]), وتوضح الآية أن امتلاك المعرفة أو الأدلة لا يكفي وحده، ما لم يصاحبهما إخلاص ومسؤولية واستقامة, واما السامري فقد سولت له نفسه ان يتجرأ على الله تعالى ويدعوا الناس للشرك خصوصاً بعدما استخدم علمه في صناعة العجل الذي له حوار, فنال من عقاب الله ما يستحق, والعجيب انه قد يجتمع العلم والجهل في آن واحد, ففي دولة متقدمة العلم كاليابان والصين مثلاً يعبد الناس رغم رقيهم العلمي الاصنام او يتبنون الالحاد فصدق القرآن حين قال"( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)"([4]).
الخاتمة
العلم هبة من الله تعالى ينعم بها على الافراد والامم ليرتقوا في سلم الكمال الانساني ويبنوا الارض ويعمروها؛ لذلك اختتمت العديد من الآيات بعبارة( افلا يتدبرون- افلا يعقلون...) ولكن البشرية اساءت في مقابلة نعمة العلم بالشكر والعبادة, فكان عاقبتهم ان دمر الله سبحانه كل تلك الحضارات التي قامت على وجه المعمورة, ولم يبق منها الا اطلال؛ ليكونوا عبرة للأجيال القادمة, والعجيب ان هذه العبرة لم ينتفع منها احد من الامم, فاليوم نجد دولة الشيطان الاكبر وقد وصل العلم لديها الى مراحل متطورة الا انها لم تتعظ مما حل بالأمم السابقة التي اهلكها الله سبحانه بل نجدهم يشنون حرباً شعواء على امة التوحيد, ويعتبرون كل متدين عدواً لهم؛ لذا اقاموا المؤسسات السرية التي تحوك المؤامرات في الخفاء للنيل من هذا الدين القويم, متخذة من اشاعة الفواحش والآثام واباحة الجنس وشرب الخمور والمخدرات والتفكك الاسري طريقاً للنيل من الدين, الا ان هذا الجبروت سيصطدم يوماً بمن لديه كمال العلم البشري الذي سيظهر يوماً ليقتل الشيطان واعوانه ويهد الحضارة المزيفة لهذه الدول ويملأ الارض عدلاً وقسطاً وعلماً ربانياً, فالسلام عليه يوم ولد ويوم يخرج ويوم يملأ الارض بنور العلم والايمان, ويبقى الأمل في أن تُسخَّر المعرفة لخدمة الإنسان، وأن يكون التقدم العلمي بابًا إلى السلام والإنصاف وعمارة الأرض.
[1]) ) سورة النازعات, الآية: 24
[2]) ) سورة القصص, الآية: 78
[3]) ) سورة الأعراف, الآية: 176.
[4]) ) سورة الحج ,الآية: 46
الخاتمة
العلم هبة من الله تعالى ينعم بها على الافراد والامم ليرتقوا في سلم الكمال الانساني ويبنوا الارض ويعمروها؛ لذلك اختتمت العديد من الآيات بعبارة( افلا يتدبرون- افلا يعقلون...) ولكن البشرية اساءت في مقابلة نعمة العلم بالشكر والعبادة, فكان عاقبتهم ان دمر الله سبحانه كل تلك الحضارات التي قامت على وجه المعمورة, ولم يبق منها الا اطلال؛ ليكونوا عبرة للأجيال القادمة, والعجيب ان هذه العبرة لم ينتفع منها احد من الامم, فاليوم نجد دولة الشيطان الاكبر وقد وصل العلم لديها الى مراحل متطورة الا انها لم تتعظ مما حل بالأمم السابقة التي اهلكها الله سبحانه بل نجدهم يشنون حرباً شعواء على امة التوحيد, ويعتبرون كل متدين عدواً لهم؛ لذا اقاموا المؤسسات السرية التي تحوك المؤامرات في الخفاء للنيل من هذا الدين القويم, متخذة من اشاعة الفواحش والآثام واباحة الجنس وشرب الخمور والمخدرات والتفكك الاسري طريقاً للنيل من الدين, الا ان هذا الجبروت سيصطدم يوماً بمن لديه كمال العلم البشري الذي سيظهر يوماً ليقتل الشيطان واعوانه ويهد الحضارة المزيفة لهذه الدول ويملأ الارض عدلاً وقسطاً وعلماً ربانياً, فالسلام عليه يوم ولد ويوم يخرج ويوم يملأ الارض بنور العلم والايمان, ويبقى الأمل في أن تُسخَّر المعرفة لخدمة الإنسان، وأن يكون التقدم العلمي بابًا إلى السلام والإنصاف وعمارة الأرض.
[1]) ) سورة النازعات, الآية: 24
[2]) ) سورة القصص, الآية: 78
[3]) ) سورة الأعراف, الآية: 176.
[4]) ) سورة الحج ,الآية: 46
