الفوارق القضائية بين نبي الله داود والامام علي عليهما السلام
خص الله سبحانه كل من منصبي النبوة والامامة بملكة العصمة من الذنوب والآثام, وجمع الله سبحانه لنبيه داود عليه السلام امور عدة منها النبوة والملك والقضاء بين الناس كما علمه سبحانه صناعة الدروع, وخصه بترديد الجبال والطير معه عند التسبيح, قال تعالى: "(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)"([1]).
وانتعشت مملكة بني اسرائيل في عهده وعهد ابنه النبي والملك سليمان عليه السلام, وكما هو معلوم فقد فضل الله سبحانه الرسل بعضهم على بعض, فقال تعالى ("تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّن آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)"([2]), وبما ان النبي محمد( صلى الله عليه واله) افضل الانبياء والمرسلين فعلي خير الاوصياء اجمعين؛ للحديث المروي عن النبي عند الاسراء والمعراج"(محمد خير الانبياء والمرسلين، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير الاولياء عليهم الصلاة والسلام - وأهل ولايته خير البرية)"([3]), وقد عبر القرآن الكريم عن علي بنفس رسول الله في قوله تعالى"( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)"([4]), وقد نهل الامام علي عليه السلام من علوم النبي ما يفتح له ابواب العلم كلها, فقال (عليه السلام ):"( ان رسول اللّه (ص ) علمني الف باب من الحلال والحرام , ومما كان ومما يكون الى يوم القيامة, كل باب منها يفتح الف باب, فذلك الف الف باب , حتى علمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب)"([5]), كما انه عليه السلام باب مدينة علم النبي؛ لذلك فعلمه يضاهي علوم الاولين والاخرين, ومن تلك الابواب التي اجاد بها امير المؤمنين باب القضاء, فلو قارنا علمه عليه السلام بعلم النبي داود عليه السلام لوجدنا فارقاً كبيراً حيث ورد في القرآن الكريم ان داود عُتب في اصدار احكامه القضائية, فقد ورد في الآية"( قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ)"([6]), فاستدرك داود الموقف "(وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ)"([7]), حيث اخل في آداب مجلس القضاء, فقد كان من الاولى على داود أن يتريّث في إصدار الأحكام ولا يتعجّل في إصدارها، وكان عليه أن يسأل الطرف الثاني أيضاً ثمّ يحكم بينهما، فلذا ندم كثيراً على عمله هذا، وظنّ أنّما فتنه الباري عزّ وجلّ بهذه الحادثة([8]), والحادثة الاخرى التي ذكرها القرآن"( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْم)"([9]), فقد وردت في روايات الشيعة و أهل السنة ما إجماله أن داود حكم لصاحب الحرث برقاب الغنم, وسليمان حكم له بمنافعها في تلك السنة, من ضرع وصوف ونتاج, ولعل الحكم كان هو ضمان ما أفسدته الغنم من الحرث على صاحبها, وكان ذلك مساويا لقيمة رقاب الغنم فحكم داود لذلك برقابها لصاحب الحرث، وحكم سليمان بما هو أرفق منه, وهو أن يستوفي ما أتلفت من ماله من منافعها في تلك السنة والمنافع المستوفاة من الغنم كل سنة تعدل قيمتها قيمة الرقبة عادة([10]), أنّ حكم سليمان كان أدقّ، لأنّ الخسارة لا تدفع مرّة واحدة في مكان واحد، بل تؤدّي بصورة تدريجيّة بحيث لا تثقل على صاحب الغنم أيضاً, وإضافةً إلى ما مرّ، فقد كان هناك تناسب بين الخسارة والجبران، لأنّ جذور النباتات لم تتلف، بل ذهبت منافعها المؤقتة، ولذلك فإنّ من الأعدل ألاّ تنقل اُصول الأغنام إلى ملك صاحب البستان، بل تنقل منافعها فقط([11]), بينما كان امير المؤمنين يصدر الاحكام القطعية من غير ان يبخس احد حقاً ويكون حكمه موافق لما اراده الله ورسوله لذلك قال النبي محمد (صلى الله عليه واله):"( أقضاكم علي)"([12]), وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث علي بن أبي طالب الى اليمن قاضياً، فقال: يا رسول الله تبعثني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء، فضرب بيده في صدره فقال: اذهب فان الله عز وجل سيهدي قلبك ويثبت لسانك، قال علي: فما شككت بعد ذلك في قضاء بين اثنين([13]), ومن نماذج قضائه عليه السلام التي ينبغ على كل قاض ان يدرس كل المسائل القضائية للإمام علي قبل ان يكون قاضياً: أن عمر أتي بامرأة وضعت لستة أشهر فهم برجمها فبلغ ذلك عليا ع فقال ليس عليها رجم فبلغ ذلك فأرسل إليه فسأله فقال علي وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ و قال وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً فستة أشهر حمله وحولين تمام لا حد عليها و إن شئت لا رجم عليها, قال فخلى عمر سبيلها ثم ولدت بعد الستة أشهر([14]), وقال الشعبي: ما رأيت أفرض من علي ولا أحسب منه، وقد سئل عنه وهو على المنبر يخطب عن رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين كم نصيب المرأة ؟ فقال: صار ثمنها تسعاً، فلقبت بالمسألة المنبرية, وشرحها كما يأتي: للأبوين السدسان، وللبنتين الثلثان، وللمرأة الثمن، عالت الفريضة فكان لها ثلاث من أربعة وعشرين ثمنها، فلما صارت إلى سبعة وعشرين صار ثمنها تسعاً، فإن ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها، ويبقى أربعة وعشرون، للابنتين ستة عشر، وثمانية للأبوين سواء([15]), وجاءت امرأة تشتكي اليه من ابناء زوجها الذين اتهموها بالزنا وان ابنها ليس ابناً لأبيهم لأنه كان شيخاً كبيراً, فجمع الامام مجموعة من الصبية بعمره وامرهم بالقيام والجلوس عدة مرات فلاحظ ان هذا الصبي يتوكأ عندما يقوم, فقال ان هذا الصبي هو اخوكم لان نطفة الرجل الكبير تكون ضعيفة فيؤثر في الطفل, روي أنه تنازعت امرأتان في طفل ادّعت كلّ واحدة أنّه ابنها وقد رفعتا أمرهما إلى عمر فحار في الجواب ففزع إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوّفهما عقاب الله فلم تستجيبا له فقال (عليه السلام) : ائتوني بمنشار, فقالت المرأتان : ما تصنع به؟ فقال (عليه السلام) : أقدّه نصفين لكلّ واحدة منكما نصفه, فسكتت إحداهما وانبرت الاخرى بفزع فقالت : الله الله يا أبا الحسن! إن كان لا بدّ من ذلك فقد سمحت به لها ورفع الإمام صوته قائلا : الله أكبر! هذا ابنك دونها ولو كان ابنها لرقّت عليه وأشفقت, واعترفت الاخرى أنّ الحقّ مع صاحبتها وأنّ الولد لها دونها, وكان لرجل زوجتان ، فولدتا في آن واحد ، فأنجبت إحداهما ذكراً والأخرى بنتاً, فعمدت أم البنت فأبدلت ابن ضرتها بابنتها, ثم ادّعت كل من الزوجتين أن الصبي ابنها
فلما ترافعتا الى الإمام علي (عليه السلام) قال : ائتوني بفنجانين متشابهين، وطلب من كل أم أن تملأ فنجاناً من حليبها، فقال (عليه السلام) : إن صاحبة الحليب الأثقل هي والدة الصبي، وصاحبة الحليب الأخف هي أم البنت ([16]), واتي بامرأة حبلى شهدوا عليها بالفاحشة فأمر عمر برجمها، فقال له على (عليه السلام): إن كان لك السبيل عليها فما سبيلك على ما في بطنها ؟ فقال: لولا علي لهلك عمر، واتي بمجنونة قد زنت فأمر عمر برجمها، فقال له علي (عليه السلام): أما علمت أن القلم قد رفع عنها حتى تصح ؟ فقال: لولا علي لهلك عمر([17]), وهذا فيض من غيظ فللإمام مسائل كثيرة في القضاء تدل على علميته التي لا يضاهيه فيها احد, ومن احب ان يطلع على قضاء الامام علي فهناك كتب جمعت المسائل القضائية التي ابدع فيها الامام منها كتاب قضاء الامام علي لأية الله الشيخ محمد تقي التستري وغيره من الكتب.
ا.م رزاق مهدي حمادي
الهوامش
[1]) ) سورة سبأ, الآية :10
[2]) ) سورة البقرة, الآية : 253
[3]) ) بحار الأنوار: العلامة المجلسي: (ج 36 / ص 146)
[4]) ) سورة آل عمران, الآية: 61
[5]) ) ميزان الحكمة: الشيخ محمد الريشهري: (ج 7 / ص 5)
[6]) ) سورة ص, الآية: (24)
[7]) ) سورة ص، الآية
24)
[8]) ) تفسير الأمثل: مكارم الشيرازي: (ج 14 / ص 476)
[9]) ) سورة الأنبياء, الآية: (78)
[10]) ) تفسير الميزان: العلامة الطباطبائي: (ج 14 / ص 166)
[11]) ) تفسير الأمثل: مكارم الشيرازي: (ج 10 / ص 216)
[12]) ) بحار الأنوار: العلامة المجلسي: (ج 40 / ص 150)
[13]) ) كتاب الأربعين- محمد طاهر القمي الشيرازي - (ج 1 / ص 435)
[14]) ) عين العبرة - (ج 1 / ص 25)
[15]) ) بحار الأنوار :العلامة المجلسي: (ج 40 / ص 159)
[16]) ) قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام): التستري : ص 147
[17]) ) بحار الأنوار: العلامة المجلسي: (ج 10 / ص 231)
خص الله سبحانه كل من منصبي النبوة والامامة بملكة العصمة من الذنوب والآثام, وجمع الله سبحانه لنبيه داود عليه السلام امور عدة منها النبوة والملك والقضاء بين الناس كما علمه سبحانه صناعة الدروع, وخصه بترديد الجبال والطير معه عند التسبيح, قال تعالى: "(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)"([1]).
وانتعشت مملكة بني اسرائيل في عهده وعهد ابنه النبي والملك سليمان عليه السلام, وكما هو معلوم فقد فضل الله سبحانه الرسل بعضهم على بعض, فقال تعالى ("تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّن آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)"([2]), وبما ان النبي محمد( صلى الله عليه واله) افضل الانبياء والمرسلين فعلي خير الاوصياء اجمعين؛ للحديث المروي عن النبي عند الاسراء والمعراج"(محمد خير الانبياء والمرسلين، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير الاولياء عليهم الصلاة والسلام - وأهل ولايته خير البرية)"([3]), وقد عبر القرآن الكريم عن علي بنفس رسول الله في قوله تعالى"( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)"([4]), وقد نهل الامام علي عليه السلام من علوم النبي ما يفتح له ابواب العلم كلها, فقال (عليه السلام ):"( ان رسول اللّه (ص ) علمني الف باب من الحلال والحرام , ومما كان ومما يكون الى يوم القيامة, كل باب منها يفتح الف باب, فذلك الف الف باب , حتى علمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب)"([5]), كما انه عليه السلام باب مدينة علم النبي؛ لذلك فعلمه يضاهي علوم الاولين والاخرين, ومن تلك الابواب التي اجاد بها امير المؤمنين باب القضاء, فلو قارنا علمه عليه السلام بعلم النبي داود عليه السلام لوجدنا فارقاً كبيراً حيث ورد في القرآن الكريم ان داود عُتب في اصدار احكامه القضائية, فقد ورد في الآية"( قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ)"([6]), فاستدرك داود الموقف "(وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ)"([7]), حيث اخل في آداب مجلس القضاء, فقد كان من الاولى على داود أن يتريّث في إصدار الأحكام ولا يتعجّل في إصدارها، وكان عليه أن يسأل الطرف الثاني أيضاً ثمّ يحكم بينهما، فلذا ندم كثيراً على عمله هذا، وظنّ أنّما فتنه الباري عزّ وجلّ بهذه الحادثة([8]), والحادثة الاخرى التي ذكرها القرآن"( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْم)"([9]), فقد وردت في روايات الشيعة و أهل السنة ما إجماله أن داود حكم لصاحب الحرث برقاب الغنم, وسليمان حكم له بمنافعها في تلك السنة, من ضرع وصوف ونتاج, ولعل الحكم كان هو ضمان ما أفسدته الغنم من الحرث على صاحبها, وكان ذلك مساويا لقيمة رقاب الغنم فحكم داود لذلك برقابها لصاحب الحرث، وحكم سليمان بما هو أرفق منه, وهو أن يستوفي ما أتلفت من ماله من منافعها في تلك السنة والمنافع المستوفاة من الغنم كل سنة تعدل قيمتها قيمة الرقبة عادة([10]), أنّ حكم سليمان كان أدقّ، لأنّ الخسارة لا تدفع مرّة واحدة في مكان واحد، بل تؤدّي بصورة تدريجيّة بحيث لا تثقل على صاحب الغنم أيضاً, وإضافةً إلى ما مرّ، فقد كان هناك تناسب بين الخسارة والجبران، لأنّ جذور النباتات لم تتلف، بل ذهبت منافعها المؤقتة، ولذلك فإنّ من الأعدل ألاّ تنقل اُصول الأغنام إلى ملك صاحب البستان، بل تنقل منافعها فقط([11]), بينما كان امير المؤمنين يصدر الاحكام القطعية من غير ان يبخس احد حقاً ويكون حكمه موافق لما اراده الله ورسوله لذلك قال النبي محمد (صلى الله عليه واله):"( أقضاكم علي)"([12]), وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث علي بن أبي طالب الى اليمن قاضياً، فقال: يا رسول الله تبعثني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء، فضرب بيده في صدره فقال: اذهب فان الله عز وجل سيهدي قلبك ويثبت لسانك، قال علي: فما شككت بعد ذلك في قضاء بين اثنين([13]), ومن نماذج قضائه عليه السلام التي ينبغ على كل قاض ان يدرس كل المسائل القضائية للإمام علي قبل ان يكون قاضياً: أن عمر أتي بامرأة وضعت لستة أشهر فهم برجمها فبلغ ذلك عليا ع فقال ليس عليها رجم فبلغ ذلك فأرسل إليه فسأله فقال علي وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ و قال وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً فستة أشهر حمله وحولين تمام لا حد عليها و إن شئت لا رجم عليها, قال فخلى عمر سبيلها ثم ولدت بعد الستة أشهر([14]), وقال الشعبي: ما رأيت أفرض من علي ولا أحسب منه، وقد سئل عنه وهو على المنبر يخطب عن رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين كم نصيب المرأة ؟ فقال: صار ثمنها تسعاً، فلقبت بالمسألة المنبرية, وشرحها كما يأتي: للأبوين السدسان، وللبنتين الثلثان، وللمرأة الثمن، عالت الفريضة فكان لها ثلاث من أربعة وعشرين ثمنها، فلما صارت إلى سبعة وعشرين صار ثمنها تسعاً، فإن ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها، ويبقى أربعة وعشرون، للابنتين ستة عشر، وثمانية للأبوين سواء([15]), وجاءت امرأة تشتكي اليه من ابناء زوجها الذين اتهموها بالزنا وان ابنها ليس ابناً لأبيهم لأنه كان شيخاً كبيراً, فجمع الامام مجموعة من الصبية بعمره وامرهم بالقيام والجلوس عدة مرات فلاحظ ان هذا الصبي يتوكأ عندما يقوم, فقال ان هذا الصبي هو اخوكم لان نطفة الرجل الكبير تكون ضعيفة فيؤثر في الطفل, روي أنه تنازعت امرأتان في طفل ادّعت كلّ واحدة أنّه ابنها وقد رفعتا أمرهما إلى عمر فحار في الجواب ففزع إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوّفهما عقاب الله فلم تستجيبا له فقال (عليه السلام) : ائتوني بمنشار, فقالت المرأتان : ما تصنع به؟ فقال (عليه السلام) : أقدّه نصفين لكلّ واحدة منكما نصفه, فسكتت إحداهما وانبرت الاخرى بفزع فقالت : الله الله يا أبا الحسن! إن كان لا بدّ من ذلك فقد سمحت به لها ورفع الإمام صوته قائلا : الله أكبر! هذا ابنك دونها ولو كان ابنها لرقّت عليه وأشفقت, واعترفت الاخرى أنّ الحقّ مع صاحبتها وأنّ الولد لها دونها, وكان لرجل زوجتان ، فولدتا في آن واحد ، فأنجبت إحداهما ذكراً والأخرى بنتاً, فعمدت أم البنت فأبدلت ابن ضرتها بابنتها, ثم ادّعت كل من الزوجتين أن الصبي ابنها
فلما ترافعتا الى الإمام علي (عليه السلام) قال : ائتوني بفنجانين متشابهين، وطلب من كل أم أن تملأ فنجاناً من حليبها، فقال (عليه السلام) : إن صاحبة الحليب الأثقل هي والدة الصبي، وصاحبة الحليب الأخف هي أم البنت ([16]), واتي بامرأة حبلى شهدوا عليها بالفاحشة فأمر عمر برجمها، فقال له على (عليه السلام): إن كان لك السبيل عليها فما سبيلك على ما في بطنها ؟ فقال: لولا علي لهلك عمر، واتي بمجنونة قد زنت فأمر عمر برجمها، فقال له علي (عليه السلام): أما علمت أن القلم قد رفع عنها حتى تصح ؟ فقال: لولا علي لهلك عمر([17]), وهذا فيض من غيظ فللإمام مسائل كثيرة في القضاء تدل على علميته التي لا يضاهيه فيها احد, ومن احب ان يطلع على قضاء الامام علي فهناك كتب جمعت المسائل القضائية التي ابدع فيها الامام منها كتاب قضاء الامام علي لأية الله الشيخ محمد تقي التستري وغيره من الكتب.
ا.م رزاق مهدي حمادي
الهوامش
[1]) ) سورة سبأ, الآية :10
[2]) ) سورة البقرة, الآية : 253
[3]) ) بحار الأنوار: العلامة المجلسي: (ج 36 / ص 146)
[4]) ) سورة آل عمران, الآية: 61
[5]) ) ميزان الحكمة: الشيخ محمد الريشهري: (ج 7 / ص 5)
[6]) ) سورة ص, الآية: (24)
[7]) ) سورة ص، الآية
24)[8]) ) تفسير الأمثل: مكارم الشيرازي: (ج 14 / ص 476)
[9]) ) سورة الأنبياء, الآية: (78)
[10]) ) تفسير الميزان: العلامة الطباطبائي: (ج 14 / ص 166)
[11]) ) تفسير الأمثل: مكارم الشيرازي: (ج 10 / ص 216)
[12]) ) بحار الأنوار: العلامة المجلسي: (ج 40 / ص 150)
[13]) ) كتاب الأربعين- محمد طاهر القمي الشيرازي - (ج 1 / ص 435)
[14]) ) عين العبرة - (ج 1 / ص 25)
[15]) ) بحار الأنوار :العلامة المجلسي: (ج 40 / ص 159)
[16]) ) قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام): التستري : ص 147
[17]) ) بحار الأنوار: العلامة المجلسي: (ج 10 / ص 231)
