مذكرات إعلامي متقاعد (33) مشرف العتبة العباسية المقدسة في ضيافة «صدى الروضتين»

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/10/28 جرى هذا الحوار قبل أكثر من عشرين عامًا، وما زال نديًّا، كونه محفوظًا في تاريخ خدمة التكوين والإيمان والدين والمبدأ ومراقد أئمة الهدى (عليهم السلام).
السؤال الذي كان يسبقني إلى الحوار: كم مشرفًا تعاقب على العتبة العباسية المقدسة منذ واقعة الطف إلى اليوم؟
و«صدى الروضتين» هي المعنية، حدّ التكليف، باحتواء القيم المتجذرة في مهمة الإشراف الإداري في مرقد أبي الفضل العباس، فخر بني هاشم (عليه السلام)، وتسليط الضوء على تلك الرعاية المقدسة والاهتمام الواعي والإرشاد الصبور.
التقينا الأستاذ الحاج عبد الهادي عبد الجليل إبراهيم، مشرف العتبة العباسية المقدسة، فحدّثنا عن بدايات عمله:
■ كيف بدأت مهمتكم في الإشراف على العتبة العباسية المقدسة؟
كان لي شرف العمل في العتبة العباسية المقدسة منذ أواخر شهر أيلول عام 2003، بتكليف مباشر من المرجعية الرشيدة، وبأمر صدر من ديوان الوقف الشيعي بعنوان «المشرف».
تسلّمنا عتبة تعرّضت لحالة من الإهمال والضياع والخراب، وحاولت، مع الإخوة وبإسناد من مجلس العتبات المقدسة، تنظيم العمل. وعمل معي الحاج عبد الأمير عزيز القريشي، المعاون الإداري، الذي ساهم في توزيع المهام على اللجان والإشراف على الأمور الذاتية، لحين تعيين الأخ المهندس بشير الربيعي مديرًا للإدارة، بعد مرور سنة ونصف.
كانت هناك قطيعة بيننا وبين دائرة الوقف الشيعي في كربلاء، التي سبق أن كانت، في زمن النظام المنهار، مهيمنة ومشرفة على إدارة العتبة بشكل شكلي؛ لأن الحزب المقبور والمخابرات والأمن كانت الجهات التي تدير شؤون العتبة.
الارتباط المرجعي لا يسمح لنا بتسلّم التوجيهات والتعليمات إلا من المجلس المؤيَّد والمسنَد من قبل المرجعية، وإن كانت هناك بعض المراسلات مع الوقف الشيعي في بغداد.
حاولنا أن يكون العمل الإداري منظّمًا، وفق تعليمات مستندة إلى خبرات ذاتية؛ لكون أغلبنا عمل في ذاتيات الدوائر الحكومية. وقمنا، بالتشاور مع المجلس المشرف، بتنظيم شؤون التعيين وشروطه، ومواصفات الخدمة، وضوابط العمل، كالإجازات والإكراميات والمحفزات وكل ما يتعلق بشؤون الرواتب. وسارت الأمور، ولله الحمد، على ما هي عليه الآن.
الإدارة حلقة وصل بين اللجنة العليا وبقية اللجان التي ينتمي إليها جميع المنتسبين، على اختلاف أعمالهم.
■ كيف تُنفَّذ المشاريع، وما الجهة التي تُصدر الأوامر؟
الطريقة المتّبعة لتنفيذ هذه المشاريع هي إشراف الإدارة على الأمور الإدارية، كتعيين منتسبي اللجنة، وتخصيص المبالغ المطلوبة، والإشراف على آلية صرفها. أما الأمور الفنية، فتقديرها لأعضاء المجلس، وفي بعض الأحيان نلجأ إلى الاستشارة من خارج العتبة.
سارت الأمور على هذا المنوال. ولا أحد ينكر وجود ثغرات معينة، إلا أننا، ولله الحمد، تجاوزناها ووصلنا إلى مرحلة شبه متكاملة. أما إذا قيس الأمر بما كانت عليه العتبات قبل سقوط النظام، فالفارق أكبر بكثير مما يتوقعه الإنسان.
مراجعات دوائر الدولة موضوع مستقل عن عملية الشراء، والاتصال بدوائر الدولة لا يمكن أن يتم إلا بموافقة صاحبي السماحة، عضوي المجلس، السيد أحمد الصافي والشيخ عبد المهدي الكربلائي، أطال الله بقاءهما.
مثلًا، عندما نرغب في تسجيل سيارة باسم العتبة العباسية المقدسة، يكون اتصالنا بإدارة المرور بموافقة المجلس، ثم يأتي دور المتابعة للقسم الإداري. وكذلك الاتصال بأمور فنية تخص دائرة توزيع الكهرباء، وهي من الدوائر المشكورة التي ساهمت وما زالت تساند بسد احتياجات العتبة.
وهناك دوائر أخرى، كدائرة الصحة، التي لها حضور مميز في تقديم الخدمات للزائرين، وخاصة في أيام الزيارات والمناسبات الدينية.
أما توفير المواد للعتبة، فيكون بطريقين: التبرعات، سواء من داخل العراق أو خارجه، والشراء المباشر. وقد وضعت الإدارة ضوابط تجعلها تشرف إشرافًا تامًّا على لجنة المشاريع فيما تشتريه، وعلى لجنة الهدايا والنذور فيما تتقبله، دون أي تدخل في الأمور الفنية التي يقررها أصحاب الاختصاص.
■ إذا حصل تغيير في شخصيات الوقف الشيعي، فهل يغيّر شيئًا من الأمر الإداري؟ ونتمنى أن نسمع منكم حكاية الدخول الأول إلى العتبة العباسية المقدسة.
بالرغم من مرور نحو سنة على التغيير الذي حصل في شخصيات الوقف الشيعي، وبالرغم من صدور قانون إدارة العتبات المقدسة وتصديقه من الجمعية الوطنية ومجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية، فإنه، حتى هذه اللحظة، لم يُعمل به ولم يُطبَّق بالنسبة إلى العتبات المقدسة في كربلاء.
أما الشق الثاني من السؤال، فعند سقوط النظام في 9 نيسان 2003 لم أكن موجودًا في العتبة؛ إذ كان تعييني في بداية الشهر العاشر من عام 2003. ولم أواكب ما حدث في العتبتين المقدستين من أحداث، لكنها لم تكن سارّة.
كان هناك صراع بين الحق والباطل، صراع من أجل تثبيت أمر العتبات المقدسة على رأي المرجعية المباركة، وهناك من يريد أن تتبع إدارة العتبات المقدسة إدارة البيوت والممتلكات التي تتولاها مديرية الوقف الشيعي في كربلاء.
فأوقاف العتبات المقدسة ليس لها من متولٍّ سوى الإمام (عليه السلام)، صاحبها، أو من ينوب عنه، وهم المراجع الكرام. هذا ما سارت عليه المرجعية في فتواها، وهذا ما حاول ثلّة من المؤمنين أن يثبتوه.
وحدثت حينها الكثير من المشاكسات والممارسات من قبل المناهضين لهذه الفكرة، وبعض الخدم السابقين الذين كانوا يريدون عودة الوضع إلى ما كان عليه في زمن الطغاة، وأن تسود الفوضى الإدارية والشرعية في العتبتين.
ووصلت الأمور حينها إلى بعض المصادمات، لكن الله سبحانه وتعالى اختار ما أراده حسنًا للعتبتين، واستقر الحال، وسُلّمت مفاتيحهما إلى المرجعية الرشيدة.
ولمزيد من التفاصيل، يمكن إجراء لقاء مع الحاج حسين رضا، مسؤول الحراسات، والحاج كاظم عبادة، والسيد معين نصر الله، والحاج أحمد رسول، مسؤول النذور، والحاج أبي سمية، مسؤول المخازن، والمعاون الإداري الحاج عبد الأمير القريشي، الذي كان يعمل بين الإدارتين وإدارة المحافظة، وكان يُعدّ المنسق للعتبات المقدسة مع المحافظة. وكان له حضور في تثبيت بعض المفاهيم وتشخيصها وتركيزها، مما اقتضته عملية التغيير.
■ كيف كان المسعى لتطوير الحالة العمرانية، بعدما كانت معرّضة للإهمال والخراب؟
أتمنى أن يُرفع هذا السؤال إلى مسؤول لجنة المشاريع؛ لكونه يمتلك أرشيفًا كاملًا. لكنني أذكر، بصورة عامة، أن من أهم ما قامت به لجنة المشاريع، بتوجيه من المجلس، إكمال تذهيب أعمدة العتبة. وبقدر ما كان للتوجيه من تأثير كبير، كان لتنفيذه من قبل لجنة المشاريع دوره المهم أيضًا.
كان العمل في التذهيب معلّقًا ومتروكًا في الزمن السابق. وكذلك الحال بالنسبة إلى مضيف أبي الفضل العباس (عليه السلام)، الذي كان متروكًا ومهملًا ومغلقًا منذ بداية التسعينيات.
كما أن القاعات العليا كانت مهملة، وقد جرت صيانة جميع الغرف، وأُضيفت قاعات جديدة، مثل قاعة الهدايا والنذور وقاعة المكتبة، وأُجريت تحويرات كبيرة شملت الإدارة أيضًا.
وكل هذا يشير إلى الجهود المبذولة والمشكورة التي بذلتها لجنة المشاريع وما زالت تبذلها، بكل أقسامها: البناء والنجارة والكهرباء والتبريد والصياغة والحدادة، إلى آخره.
■ كانت هناك مبالغ مخصصة للفقراء في زمن النظام السابق؛ فهل ما زالت مستمرة أم أُوقفت؟
كانت بعض المبالغ تُخصَّص من واردات العتبة وتُوزَّع، كما يدّعون، على الفقراء في زمن العهد الطاغوتي. وعند تسلّم المرجعية أمور العتبات، راجعتنا بعض هذه العوائل، وهي تحمل بطاقات صرف أموال من العتبتين، بواقع ثلاثة آلاف دينار لكل عائلة شهريًّا.
لكننا وجدنا أن أغلب هذه العوائل كانت عوائل مخابرات وحزب وأمن الموجودين في العتبة، بالإضافة إلى…
رفعنا الموضوع إلى أصحاب السماحة، فكان الجواب: كل ما يرد إلى العتبة فهو للعتبة، أما الفقراء فلهم مجال آخر، ونحن متكفّلون بإعالتهم.
والمرجعية، كما تعلمون، لم تتخلَّ يومًا عن مساعدة الفقراء. وأنا أحد المكلّفين بخدمة العوائل المتعففة منذ عام 1994، من مكتب سماحة السيد السيستاني، أعلى الله درجته وأطال بقاءه، وأنا واحد من عشرات كنا نمثّل الصلة بين المرجعية والعوائل المتعففة.
فأخبروني أن أستمر في هذا العمل. ولذلك دقّقنا في مسألة أهل الرواتب، ووصلنا إلى قناعة بصرف مساعدات إلى 150 عائلة، أتسلّمها من مكتب السيد السيستاني، وأسلّمها إلى السيد هاشم لصرفها للعوائل المتعففة.
ولا تقتصر المساعدة على الرواتب، وإنما تشمل رعايتهم الصحية، حيث يُخصَّص طبيب لهم، وتُوزَّع الملابس وما شابه ذلك.
أما المفرزة الطبية داخل العتبة، فقد نسبتها لنا، مشكورة، دائرة الصحة. ولدينا تسعة منتسبين يعملون مع الدوام، ويستمرون طيلة أيام الزيارة، وتُجهَّز أدويتهم من قبل دائرة الصحة.
■ ما الفارق بين إدارة اليوم وإدارة الأمس؟
لو ذهبنا إلى أبعد من هذا التاريخ، أي إلى خمسينيات القرن المنصرم، لوجدنا أن المشرف كان يُسمّى «الكليدار»، وكانت الأموال تذهب إليه وتُصرف من قبله، إضافة إلى النذور والهدايا التي تذهب إلى المخازن، وما زال بعضها موجودًا إلى الآن.
النتيجة أنه لم يكن أحد يستطيع أن يسأل عن شيء؛ هكذا كانت الإدارة. وبعدما تدخلت السلطة البعثية في السبعينيات، غيّرت شكل الإدارة، وأصبحت أموال العتبتين تُقسَّم إلى عدة أقسام.
كانت جميع الأوراق النقدية بالعملة الصعبة تُسحب وتُرسل إلى بغداد؛ إلى أين؟ لا أحد يدري. والأموال هنا كانت تُوزَّع: حصة للمحافظة، وحصة للأمن، وحصة للسادة، وحصة… وحصة.
وعندما نرجع إلى إعمار العتبة، نجد أننا تسلّمنا الكثير من الأعمال التي كانوا يعملون بها، كتعمير أو تذهيب أو بناء أو تسقيف وما شابه، فدفعنا بحدود خمسين مليون دينار كانت متراكمة. ولم يعطنا ديوان الوقف الشيعي شيئًا، وإنما فرض علينا تسديد الديون، علمًا بأن هناك، حتى الآن، رصيدًا للعتبتين، ولم تقبل المصارف ولا ديوان الوقف الشيعي إطلاقه.
هذه هي المعوّقات، وجانب من جوانب المقارنة بين الإدارتين. وتستطيع أن تسأل أي مواطن كان يسكن في كربلاء كيف كانت الإدارة، فسترى أنها لم تكن إدارة، وإنما كانت عبارة عن شعبة مخابرات وأمن؛ فمدير المخابرات، إن لم يكن في دائرته، تجده في العتبة العباسية، وكذلك مدير الأمن. وملخّص القول إن الإدارة كانت مخابراتية، بمن فيها السادن.
أما التعامل مع الموظفين، فلم تكن الإدارة تمتلك إلا ما بين 48 و50 من السادة الخدم. اذهب إليهم واسألهم كي تعرف كيف كانت نوعية التعامل معهم؛ فقد كان هذا التعامل ينعكس على تعامل السادة مع الزائرين. ولك أن تسأل الزائرين، وهم يقارنون الخدمات السابقة بالخدمات التي تُقدَّم الآن.

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/10/28 جرى هذا الحوار قبل أكثر من عشرين عامًا، وما زال نديًّا، كونه محفوظًا في تاريخ خدمة التكوين والإيمان والدين والمبدأ ومراقد أئمة الهدى (عليهم السلام).
السؤال الذي كان يسبقني إلى الحوار: كم مشرفًا تعاقب على العتبة العباسية المقدسة منذ واقعة الطف إلى اليوم؟
و«صدى الروضتين» هي المعنية، حدّ التكليف، باحتواء القيم المتجذرة في مهمة الإشراف الإداري في مرقد أبي الفضل العباس، فخر بني هاشم (عليه السلام)، وتسليط الضوء على تلك الرعاية المقدسة والاهتمام الواعي والإرشاد الصبور.
التقينا الأستاذ الحاج عبد الهادي عبد الجليل إبراهيم، مشرف العتبة العباسية المقدسة، فحدّثنا عن بدايات عمله:
■ كيف بدأت مهمتكم في الإشراف على العتبة العباسية المقدسة؟
كان لي شرف العمل في العتبة العباسية المقدسة منذ أواخر شهر أيلول عام 2003، بتكليف مباشر من المرجعية الرشيدة، وبأمر صدر من ديوان الوقف الشيعي بعنوان «المشرف».
تسلّمنا عتبة تعرّضت لحالة من الإهمال والضياع والخراب، وحاولت، مع الإخوة وبإسناد من مجلس العتبات المقدسة، تنظيم العمل. وعمل معي الحاج عبد الأمير عزيز القريشي، المعاون الإداري، الذي ساهم في توزيع المهام على اللجان والإشراف على الأمور الذاتية، لحين تعيين الأخ المهندس بشير الربيعي مديرًا للإدارة، بعد مرور سنة ونصف.
كانت هناك قطيعة بيننا وبين دائرة الوقف الشيعي في كربلاء، التي سبق أن كانت، في زمن النظام المنهار، مهيمنة ومشرفة على إدارة العتبة بشكل شكلي؛ لأن الحزب المقبور والمخابرات والأمن كانت الجهات التي تدير شؤون العتبة.
الارتباط المرجعي لا يسمح لنا بتسلّم التوجيهات والتعليمات إلا من المجلس المؤيَّد والمسنَد من قبل المرجعية، وإن كانت هناك بعض المراسلات مع الوقف الشيعي في بغداد.
حاولنا أن يكون العمل الإداري منظّمًا، وفق تعليمات مستندة إلى خبرات ذاتية؛ لكون أغلبنا عمل في ذاتيات الدوائر الحكومية. وقمنا، بالتشاور مع المجلس المشرف، بتنظيم شؤون التعيين وشروطه، ومواصفات الخدمة، وضوابط العمل، كالإجازات والإكراميات والمحفزات وكل ما يتعلق بشؤون الرواتب. وسارت الأمور، ولله الحمد، على ما هي عليه الآن.
الإدارة حلقة وصل بين اللجنة العليا وبقية اللجان التي ينتمي إليها جميع المنتسبين، على اختلاف أعمالهم.
■ كيف تُنفَّذ المشاريع، وما الجهة التي تُصدر الأوامر؟
الطريقة المتّبعة لتنفيذ هذه المشاريع هي إشراف الإدارة على الأمور الإدارية، كتعيين منتسبي اللجنة، وتخصيص المبالغ المطلوبة، والإشراف على آلية صرفها. أما الأمور الفنية، فتقديرها لأعضاء المجلس، وفي بعض الأحيان نلجأ إلى الاستشارة من خارج العتبة.
سارت الأمور على هذا المنوال. ولا أحد ينكر وجود ثغرات معينة، إلا أننا، ولله الحمد، تجاوزناها ووصلنا إلى مرحلة شبه متكاملة. أما إذا قيس الأمر بما كانت عليه العتبات قبل سقوط النظام، فالفارق أكبر بكثير مما يتوقعه الإنسان.
مراجعات دوائر الدولة موضوع مستقل عن عملية الشراء، والاتصال بدوائر الدولة لا يمكن أن يتم إلا بموافقة صاحبي السماحة، عضوي المجلس، السيد أحمد الصافي والشيخ عبد المهدي الكربلائي، أطال الله بقاءهما.
مثلًا، عندما نرغب في تسجيل سيارة باسم العتبة العباسية المقدسة، يكون اتصالنا بإدارة المرور بموافقة المجلس، ثم يأتي دور المتابعة للقسم الإداري. وكذلك الاتصال بأمور فنية تخص دائرة توزيع الكهرباء، وهي من الدوائر المشكورة التي ساهمت وما زالت تساند بسد احتياجات العتبة.
وهناك دوائر أخرى، كدائرة الصحة، التي لها حضور مميز في تقديم الخدمات للزائرين، وخاصة في أيام الزيارات والمناسبات الدينية.
أما توفير المواد للعتبة، فيكون بطريقين: التبرعات، سواء من داخل العراق أو خارجه، والشراء المباشر. وقد وضعت الإدارة ضوابط تجعلها تشرف إشرافًا تامًّا على لجنة المشاريع فيما تشتريه، وعلى لجنة الهدايا والنذور فيما تتقبله، دون أي تدخل في الأمور الفنية التي يقررها أصحاب الاختصاص.
■ إذا حصل تغيير في شخصيات الوقف الشيعي، فهل يغيّر شيئًا من الأمر الإداري؟ ونتمنى أن نسمع منكم حكاية الدخول الأول إلى العتبة العباسية المقدسة.
بالرغم من مرور نحو سنة على التغيير الذي حصل في شخصيات الوقف الشيعي، وبالرغم من صدور قانون إدارة العتبات المقدسة وتصديقه من الجمعية الوطنية ومجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية، فإنه، حتى هذه اللحظة، لم يُعمل به ولم يُطبَّق بالنسبة إلى العتبات المقدسة في كربلاء.
أما الشق الثاني من السؤال، فعند سقوط النظام في 9 نيسان 2003 لم أكن موجودًا في العتبة؛ إذ كان تعييني في بداية الشهر العاشر من عام 2003. ولم أواكب ما حدث في العتبتين المقدستين من أحداث، لكنها لم تكن سارّة.
كان هناك صراع بين الحق والباطل، صراع من أجل تثبيت أمر العتبات المقدسة على رأي المرجعية المباركة، وهناك من يريد أن تتبع إدارة العتبات المقدسة إدارة البيوت والممتلكات التي تتولاها مديرية الوقف الشيعي في كربلاء.
فأوقاف العتبات المقدسة ليس لها من متولٍّ سوى الإمام (عليه السلام)، صاحبها، أو من ينوب عنه، وهم المراجع الكرام. هذا ما سارت عليه المرجعية في فتواها، وهذا ما حاول ثلّة من المؤمنين أن يثبتوه.
وحدثت حينها الكثير من المشاكسات والممارسات من قبل المناهضين لهذه الفكرة، وبعض الخدم السابقين الذين كانوا يريدون عودة الوضع إلى ما كان عليه في زمن الطغاة، وأن تسود الفوضى الإدارية والشرعية في العتبتين.
ووصلت الأمور حينها إلى بعض المصادمات، لكن الله سبحانه وتعالى اختار ما أراده حسنًا للعتبتين، واستقر الحال، وسُلّمت مفاتيحهما إلى المرجعية الرشيدة.
ولمزيد من التفاصيل، يمكن إجراء لقاء مع الحاج حسين رضا، مسؤول الحراسات، والحاج كاظم عبادة، والسيد معين نصر الله، والحاج أحمد رسول، مسؤول النذور، والحاج أبي سمية، مسؤول المخازن، والمعاون الإداري الحاج عبد الأمير القريشي، الذي كان يعمل بين الإدارتين وإدارة المحافظة، وكان يُعدّ المنسق للعتبات المقدسة مع المحافظة. وكان له حضور في تثبيت بعض المفاهيم وتشخيصها وتركيزها، مما اقتضته عملية التغيير.
■ كيف كان المسعى لتطوير الحالة العمرانية، بعدما كانت معرّضة للإهمال والخراب؟
أتمنى أن يُرفع هذا السؤال إلى مسؤول لجنة المشاريع؛ لكونه يمتلك أرشيفًا كاملًا. لكنني أذكر، بصورة عامة، أن من أهم ما قامت به لجنة المشاريع، بتوجيه من المجلس، إكمال تذهيب أعمدة العتبة. وبقدر ما كان للتوجيه من تأثير كبير، كان لتنفيذه من قبل لجنة المشاريع دوره المهم أيضًا.
كان العمل في التذهيب معلّقًا ومتروكًا في الزمن السابق. وكذلك الحال بالنسبة إلى مضيف أبي الفضل العباس (عليه السلام)، الذي كان متروكًا ومهملًا ومغلقًا منذ بداية التسعينيات.
كما أن القاعات العليا كانت مهملة، وقد جرت صيانة جميع الغرف، وأُضيفت قاعات جديدة، مثل قاعة الهدايا والنذور وقاعة المكتبة، وأُجريت تحويرات كبيرة شملت الإدارة أيضًا.
وكل هذا يشير إلى الجهود المبذولة والمشكورة التي بذلتها لجنة المشاريع وما زالت تبذلها، بكل أقسامها: البناء والنجارة والكهرباء والتبريد والصياغة والحدادة، إلى آخره.
■ كانت هناك مبالغ مخصصة للفقراء في زمن النظام السابق؛ فهل ما زالت مستمرة أم أُوقفت؟
كانت بعض المبالغ تُخصَّص من واردات العتبة وتُوزَّع، كما يدّعون، على الفقراء في زمن العهد الطاغوتي. وعند تسلّم المرجعية أمور العتبات، راجعتنا بعض هذه العوائل، وهي تحمل بطاقات صرف أموال من العتبتين، بواقع ثلاثة آلاف دينار لكل عائلة شهريًّا.
لكننا وجدنا أن أغلب هذه العوائل كانت عوائل مخابرات وحزب وأمن الموجودين في العتبة، بالإضافة إلى…
رفعنا الموضوع إلى أصحاب السماحة، فكان الجواب: كل ما يرد إلى العتبة فهو للعتبة، أما الفقراء فلهم مجال آخر، ونحن متكفّلون بإعالتهم.
والمرجعية، كما تعلمون، لم تتخلَّ يومًا عن مساعدة الفقراء. وأنا أحد المكلّفين بخدمة العوائل المتعففة منذ عام 1994، من مكتب سماحة السيد السيستاني، أعلى الله درجته وأطال بقاءه، وأنا واحد من عشرات كنا نمثّل الصلة بين المرجعية والعوائل المتعففة.
فأخبروني أن أستمر في هذا العمل. ولذلك دقّقنا في مسألة أهل الرواتب، ووصلنا إلى قناعة بصرف مساعدات إلى 150 عائلة، أتسلّمها من مكتب السيد السيستاني، وأسلّمها إلى السيد هاشم لصرفها للعوائل المتعففة.
ولا تقتصر المساعدة على الرواتب، وإنما تشمل رعايتهم الصحية، حيث يُخصَّص طبيب لهم، وتُوزَّع الملابس وما شابه ذلك.
أما المفرزة الطبية داخل العتبة، فقد نسبتها لنا، مشكورة، دائرة الصحة. ولدينا تسعة منتسبين يعملون مع الدوام، ويستمرون طيلة أيام الزيارة، وتُجهَّز أدويتهم من قبل دائرة الصحة.
■ ما الفارق بين إدارة اليوم وإدارة الأمس؟
لو ذهبنا إلى أبعد من هذا التاريخ، أي إلى خمسينيات القرن المنصرم، لوجدنا أن المشرف كان يُسمّى «الكليدار»، وكانت الأموال تذهب إليه وتُصرف من قبله، إضافة إلى النذور والهدايا التي تذهب إلى المخازن، وما زال بعضها موجودًا إلى الآن.
النتيجة أنه لم يكن أحد يستطيع أن يسأل عن شيء؛ هكذا كانت الإدارة. وبعدما تدخلت السلطة البعثية في السبعينيات، غيّرت شكل الإدارة، وأصبحت أموال العتبتين تُقسَّم إلى عدة أقسام.
كانت جميع الأوراق النقدية بالعملة الصعبة تُسحب وتُرسل إلى بغداد؛ إلى أين؟ لا أحد يدري. والأموال هنا كانت تُوزَّع: حصة للمحافظة، وحصة للأمن، وحصة للسادة، وحصة… وحصة.
وعندما نرجع إلى إعمار العتبة، نجد أننا تسلّمنا الكثير من الأعمال التي كانوا يعملون بها، كتعمير أو تذهيب أو بناء أو تسقيف وما شابه، فدفعنا بحدود خمسين مليون دينار كانت متراكمة. ولم يعطنا ديوان الوقف الشيعي شيئًا، وإنما فرض علينا تسديد الديون، علمًا بأن هناك، حتى الآن، رصيدًا للعتبتين، ولم تقبل المصارف ولا ديوان الوقف الشيعي إطلاقه.
هذه هي المعوّقات، وجانب من جوانب المقارنة بين الإدارتين. وتستطيع أن تسأل أي مواطن كان يسكن في كربلاء كيف كانت الإدارة، فسترى أنها لم تكن إدارة، وإنما كانت عبارة عن شعبة مخابرات وأمن؛ فمدير المخابرات، إن لم يكن في دائرته، تجده في العتبة العباسية، وكذلك مدير الأمن. وملخّص القول إن الإدارة كانت مخابراتية، بمن فيها السادن.
أما التعامل مع الموظفين، فلم تكن الإدارة تمتلك إلا ما بين 48 و50 من السادة الخدم. اذهب إليهم واسألهم كي تعرف كيف كانت نوعية التعامل معهم؛ فقد كان هذا التعامل ينعكس على تعامل السادة مع الزائرين. ولك أن تسأل الزائرين، وهم يقارنون الخدمات السابقة بالخدمات التي تُقدَّم الآن.
