سرُّ الخلود في مسيرة الأربعين

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابو محمد السيلاوي
    عضو ذهبي

    • 17-05-2013
    • 1503

    #1

    سرُّ الخلود في مسيرة الأربعين

    سرُّ الخلود في مسيرة الأربعين

    تأملات في ظاهرة إنسانية لا تفسير لها إلا بالغيب

    ---

    عندما نشاهد صور زيارة الأربعين، التي تسجّلها ذاكرة الزمن لتبقى حيّة طول الدهر، نشعر أنها معمرة بعمر ثورة الإمام الحسين عليه السلام، تنبض بالحياة في كلّ تفصيل.

    نرى طفلاً حافي القدمين يحمل قنينة ماء، يركض وراء الزائر يتوسل إليه أن يأخذ الماء، دون أن يسأله عن اسمه أو بلده. كل هذه العناوين تتلاشى، ويبقى عنوان واحد: "زائر الحسين" و"خادم الحسين"، حاضراً رغم المسافات التي تتجاوز عشرات الكيلومترات، وبكل الاتجاهات.

    نرى امرأة عجوز لا تملك قوة يومها، تبيع بقايا حاجات الماضي لتشتري شيئاً من الزاد أو الماء. تفترش الأرض رغم حرارة الجو التي بلغت الخمسين درجة، تصنع الشاي وبعض المعجنات، تلتمس قبول الزائرين لتواسي زينب وفاطمة الزهراء عليهما السلام. إنها لحظات لا توصف بقواميس الحياة، لأنها لا تشبه الحياة في شيء؛ ففيها تتنحى الأنا، وحبّ التملك، والمال، واللهو، واللعب.

    وتستمر المسيرة أياماً وليالٍ، تتسابق فيها القلوب قبل الأقدام لاستقبال الزائرين. كل المساكن تصبح فنادق درجة أولى تقدّم الخدمات مجاناً دون مقابل. يجد الزائر ما يحتاجه من راحة ومأكل ومشرب وخدمة وغسل ملابس، للتبرك بماء الملابس لشفاء المريض، وزيادة البركة في المنزل. يتسابق الطفل والكبير والمرأة والرجل لخدمة زائر الحسين عليه السلام، يبذلون الغالي والنفيس لخدمة ضيفهم دون مقابل، فقط لأنه زائر الحسين.

    والزائر، رغم كل هذا، يجد في أهل المنزل عنواناً واحداً يتشرفون به، ويتسابقون لأجله، ويدعون الله أن يكتبهم من خدام الحسين عليه السلام. وهكذا، في ملايين المحطات، يصبح العراق - ولمدة تزيد على شهر - مضيفاً للإمام الحسين عليه السلام، تتوفر فيه كل وسائل الراحة والخدمة. الجميع يتسابق للحصول على عنوان "الحسين"، فلا تزاحم ولا اعتداء، بل التسامح والمحبة والاحترام هي السائدة. تسقط كل العناوين الدنيوية، ويتساوى الفقير والغني، وصاحب الشهادة بالإنسان البسيط، لا يجمعهم إلا حب الإمام الحسين. وهذا هو السر الذي لا تجد قواميس اللغات تفسيره، لأنه يحمل نفحات غيبية لا يعلمها إلا الله وحده.

    ---

    وهنا يأتي السرّ الأعظم، الذي يفسّر كل هذا العطاء الخارق:

    عن ابن سنان عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال:
    "نَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ مُقْبِلٌ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ وَ قَالَ: إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَبْرُدُ أَبَداً"

    هذه الحَرَارة التي تحدث عنها المصطفى صلى الله عليه وآله ليست حرارة أسى وحزن فقط، بل هي حرارة حبٍّ وعطاءٍ وثورةٍ ضدّ الظلم. وما نراه اليوم في مسيرة الأربعين هو التجسيد العملي لهذه الحقيقة النبوية:

    · حرارة المشي على الأقدام في لهيب الخمسين درجة، لا تُطفئها إلا حرارة الحبّ الأكبر.
    · حرارة الشوق التي تدفع العجوز والطفل والشاب لترك كلّ شيء، وهذه الحرارة لا تبرد بمرور السنين، بل تزداد اشتعالاً مع كلّ عام.
    · حرارة البذل والعطاء في المواكب، حيث تُقدّم الأموال والطعام والخدمة وكأنّ الدنيا كلّها مضيفٌ واحدٌ لأبي عبدالله.

    الحديث يقول: "لا تبرد أبداً"، ونحن نرى ذلك بأعيننا:

    · بعد 1400 عام، ما زالت القلوب تلهب شوقاً للحسين.
    · بعد كلّ محاولات طمس الذكرى، يزداد الزحف كثافة.
    · بعد كلّ اعتداء على الزائرين، يصرّ الناس أكثر على الحضور.

    إنها حرارة إلهية، جعلها الله في الفطرة الإنسانية، فلا يطفئها زمن، ولا يحدّها مكان، ولا يوقفها خوف. وكما قال الشاعر:

    كُلَّما جَدَّدَتِ الأيامُ مُصابَكَ
    جَدَّدَتْ قَلبِيَ نارٌ مِنكَ تَتَّقِدُ

    ---

    لا أدري فعلاً ما ذاك الذي عند الحسين!

    رجل عاش قبل أكثر من ألف وأربعمئة سنة، جاء مع ثلة مؤمنة من عائلته: أطفاله، نسائه، إخوته، بنيه، وصحبه القليلة، إلى أرض قاحلة لا يسكنها أحد. استفرد به جيش جرّار قوامه الألوف، أراد انتزاع كلمة منه فقط تحمل سرّ الخلود الأبدي. لكنه قدّم القرابين تلو القرابين، حتى الطفل الرضيع، وآخرها روحه؛ والجود بالنفس أقصى غاية الجود. ليعرّض نساءه وأطفاله للسبي، ولم ينطق بتلك الكلمة: "مثلي لا يبايع مثله"، ليذيق الأجيال طعم الحرية.

    بات يقصده الكبير والصغير، حتى في سن الرضاعة، والمعاق والكهل والبصير، تحت لهيب حرارة الأرض من كل صوب، من العراق ومن مختلف القوميات والأديان، بل تعدّى ذلك الحدود، وأخذ الزحف من خارجها وبكل اللغات.

    والعجب العجاب أنك تسمع القصص تلو القصص من الكثير ممن يسير في طريق الأربعين، وكذلك أصحاب المواكب، أغلبهم يقول: أنفقتُ ألفاً هذه السنة، سأنفق عشرة آلاف في السنة القادمة. بعضهم يقصده وهو يعاني من مرض عضال طلباً للاستشفاء، وفي السنة القادمة يكون صحيحاً معافى.

    قصص لا تستطيع أن تحصرها الأقلام ولا الكتب، لأنها حيّة في وجدان الناس، يصعب حصرها في سطور. والكل عند السؤال يقول: أنا أقصد الحسين، تاركاً أهلي ومالي وأولادي وكل ما أملك، بل قد أتعرض للقتل بالسيارات المفخخة، وهذا ما حصل مع الكثير لسنوات، لكنه زاد الناس إصراراً على المشي سيراً على الأقدام، حتى أصبحوا يعدّون أيام السنة بعدد أنفاسهم من أجل المشاركة.
    لا تقل هذا طبيب أو مهندس أو عالم أو وزير، فالكل هدفه واحد: أن يكون إما خادماً للحسين، أو زائراً للحسين، أو الاثنين معاً.

    ---

    ويبقى السؤال عالقاً في العقل: لماذا؟ وماذا وجد هؤلاء الناس بالملايين عند الحسين لم يجدوه في غيره؟ ماذا رأت أعينهم في المسير للحسين لم ترَه في غير ذلك؟

    لا أدري...

    لكن الله يقول:
    "فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ"

    ---

    ويبقى السؤال يتوالى في عقلي وفكري ونفسي: ما صورة الحسين في مخيّلة الطفل الذي يبلغ أربع سنوات، حتى يترك ألعابه وحاجاته والحلوى التي يحبها، ويهجر النور والراحة، ويرابط أياماً وليالي في المواكب والشوارع ليقدّم الخدمة، أو يذهب مشياً على الأقدام رغم بُعد المسافة؟ وما الصورة كذلك في مخيّلة الشاب الذي يترك الكثير من الأشياء، ومنها الراحة ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها؟ وكذلك الرجل والمرأة وباقي أفراد المجتمع، كيف اتحدت تلك الصور في مسيرة الأربعين؟

    كذلك لا أدري...

    ---

    لكنني على يقين أن الحسين عليه السلام قدّمه الله للبشرية نموذجاً للإنسان الكامل:

    · إنسان لا يركع إلا لله.
    · إنسان يقدّم روحه ولا يقدّم مبادئه.
    · إنسان يحمل كل القيم الإنسانية في لحظة واحدة.

    ربما لهذا يترك الطفل ألعابه، والشاب راحته، والعجوز ما تملك، والغني ما يجمع، كلهم يهرولون إلى عنوان واحد: الحسين.

    وهكذا، تتحقّق نبوءة الجدّ المصطفى صلى الله عليه وآله، التي قالها قبل أن يُخلق الخلق أجمعون: "إنَّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً". وهذه الحرارة هي التي تشعل المواكب، وتُحرّك الأقدام، وتُدمع العيون، وتُبقي العراق - ولأكثر من شهر - مضيفاً واحداً لأبي عبدالله، تتسابق فيه القلوب قبل الأقدام، وتُبذل الأرواح قبل الأموال.

    فـ"كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء"، ليست مجرد شعار، بل حقيقة يعيشها الملايين كل عام، متأكدين أن الحياة الحقيقية ليست في أن نعيش، بل في أن نعيش من أجل قضية.

    ---

    صلوات الله وسلامه عليك يا أبا عبدالله، وعلى الأرواح التي حامت حولك، وعلى القلوب التي خفقت بحبك، إلى يوم الدين.

    ---

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
    يقلمي
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...