قراءة في خطاب الجمعة لسماحة السيد أحمد الصافي (دام عزه

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي حسين الخباز
    مشرف الساحة الادبية

    • 20-09-2010
    • 9426

    #1

    قراءة في خطاب الجمعة لسماحة السيد أحمد الصافي (دام عزه

    قراءة في خطاب الجمعة لسماحة السيد أحمد الصافي (دام عزه) (543)

    صفحة الكاتب: علي حسين الخباز
    كتب : علي حسين الخباز
    في : 2026/10/30 7 ربيع الثاني 1438هـ، الموافق 6 كانون الثاني 2017م

    للنص المعصوم مميزات فكرية فاعلة، ورؤى تستمد منهجيتها من الإرث القرآني والرسالي وفكر أهل البيت (عليهم السلام)، بما يمنحه مقومات البقاء عبر القرون والأجيال المدركة لفاعلية هذا النهج. ولهذا، صار لكل جيل مدركاته وقراءاته، مع تنوع السبل المعرفية وتنشيط التواصل مع المجتمعات. ولكل خطيب أسلوبه في تناول النص، وزوايا نظره، والكيفية التي يكتسب بها خطابه حيويته.

    تميّز سماحة السيد أحمد الصافي في خطابه بعدم الارتكاز على القوالب الجاهزة والخطب النمطية التي تقف عند سطح النص، بل سعى إلى الحفر المعرفي والغوص في بنيته ودلالاته الفكرية، وصولًا إلى الهوية التي تمثل مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

    ومن أهم مميزات هذه المنهجية الإيمان بالفكر المعصوم، والبحث عن المعاني المتنامية عبر مراحل التعايش الإنساني، واكتشاف آفاق التأويل المعرفي الخلّاق.

    فعند قراءة دعاء التوبة، يبيّن الإمام السجاد (عليه السلام) المراحل التي ينتقل فيها التائب إلى الله تبارك وتعالى، مؤكدًا احتياج الإنسان الدائم إلى خالقه.

    والحفر في القراءة يعني تشخيص الدلالات، والتفسير، والفهم، والاستنتاج. فالإمام السجاد (عليه السلام) يريد أن يبيّن لنا نعمة من النعم الإلهية التي منّ الله بها على الإنسان، وهي نعمة وجود النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). وما نحتاج إليه هو التدبر في جوهر هذه النعمة ومعناها.

    يريد الخطاب أن يلفت المتلقي إلى القصور في فهم هذه الشخصية، والتقصير في التعامل معها؛ وهي الشخصية التي جعل القرآن الكريم طاعتها واتباعها مدخلًا للهداية والتوفيق.

    وترتبط قراءة النص بنشاط القارئ، ومستويات التلقي، والخبرة المعرفية والجمالية، والقدرة على التفسير. وقد حدّد لنا القرآن الكريم مدخل التعامل مع شخصية النبي العظيمة بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

    أُمرنا أن نأخذ بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن ننتهي عما نهانا عنه؛ فلا يصدر عن هذه الرحمة إلا ما يهدي الإنسان إلى الخير. وما نعيشه من بركات هذا الدين يدعونا إلى استحضار فضل هذه الشخصية العظيمة، وما بذلته في سبيل إيصال الرسالة.

    فالخطاب اشتغال معرفي يدرك أن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تحمل مفاتيح للتفكير والفهم، ويستحضر مكانته التي بيّنها القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56].

    وما يريده سماحة السيد أحمد الصافي من استحضار هذا الكنز المعرفي هو إشراك عقولنا في فهم قيمه، واستحضارها في صناعة المستقبل. ولهذا يدخل من سؤال: ماذا يريد منا المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

    إنه يريد صلاحنا ونجاتنا؛ فيفرح بصلاح الإنسان، ويتأذى حين يرتكب المسلم المعصية، لأن الإصلاح جزء من رسالته. وهذا التراث الزاكي هو تراث الأمة الذي يبعث فيها الحياة، والحفر المعرفي فيه ثقافة واعية تقدّم للناس مفاتيح الفهم، وتقرّب إليهم سبل الإدراك.

    وفي ختام دعاء التوبة، يقول الإمام السجاد (عليه السلام):

    «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، كَمَا هَدَيْتَنَا بِهِ، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، كَمَا اسْتَنْقَذْتَنَا بِهِ، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، صَلَاةً تَشْفَعُ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَوْمَ الْفَاقَةِ إِلَيْكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَهُوَ عَلَيْكَ يَسِيرٌ». الإمام زين العابدين ( ع )

    ومن هذا الختام تتفتح ثلاثة آفاق للوعي:

    الوعي الأول: الهداية

    الهداية إراءة الطريق؛ فالله تعالى يدعو الإنسان إلى طريق الحق ويبيّنه له، دون إرغام أو إكراه، ليكون اختياره أساسًا للمسؤولية والجزاء.

    وقوله: «كما هديتنا به» يستحضر دور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هداية الناس، بتكليف إلهي، وما بذله من جهد متواصل لإيصال الرسالة. فقد كان يصل الليل بالنهار، ويبيّن للناس بأسلوب هادئ حكيم، وصفه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

    إنها إضاءات قرآنية تبيّن قيمة اللين، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فحسن المقصد يحتاج إلى حسن الوسيلة، والدعوة إلى المعروف ينبغي أن تُقدَّم بطريقة تحفظ معناها وأثرها.

    وأمام هذه الهداية، تبرز مسؤولية الأمة في محبة نبيها والولاء له، والعمل بما جاء به. فالمودة لا تنفصل عن الاقتداء، واستحضار مكانته لا يكتمل من دون استحضار أخلاقه في التعامل مع الناس.

    الوعي الثاني: الإنقاذ

    تدعو العودة إلى الفضاء المعرفي المعصوم إلى قراءة الذات، وبناء مرتكز ثقافي ينتمي إلى مدرسة الرسالة المحمدية، حتى لا تنفصل منهجيتنا عن ديننا وهويتنا.

    ويستحضر الإمام السجاد (عليه السلام) نعمة الرسالة، ويعرّف بمكانة النبي بوصفه إمام الرحمة وقائد الخير ومفتاح البركة. وهكذا يبقى حضور أهل البيت (عليهم السلام) حضورًا واعيًا في حقول الحياة المعرفية، يركّز على الهداية ومعاني الإنقاذ.

    ويفتح قوله: «كما استنقذتنا به» باب التأمل في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 103].

    فالإنقاذ خلاص من ورطة وهلاك، واستحضار لدور الرسالة في بيان طرق الخير. وهذه النعمة تستوجب الشكر لله تعالى، والشكر لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والوفاء لجهده بالعمل الصالح.

    الوعي الثالث: الشفاعة والافتقار إلى الله

    ثم ينتقل الدعاء إلى معنى آخر: «صلاةً تشفع لنا يوم القيامة ويوم الفاقة إليك».

    نحن نحتاج إلى الله تعالى دائمًا، لكن استحضار يوم الفاقة يكشف عمق هذا الاحتياج؛ حين لا يملك الإنسان إلا الرجاء برحمة الله، وما قدّمه من عمل.

    وهنا تتجلى الصلاة على محمد وآله في سياق الدعاء والرجاء، ويأتي ختام الفقرة: «إنك على كل شيء قدير، وهو عليك يسير»، ليؤكد الثقة بقدرة الله تعالى وسعة رحمته.

    إن هذه القراءة لا تقف عند جمال العبارة الدعائية، بل تتجه إلى أثرها في بناء الإنسان؛ فالهداية تستدعي اتباع الطريق، والإنقاذ يستوجب الشكر، واستحضار الفاقة يدعو إلى التواضع والعمل والاستعداد. وبهذا تتحول قراءة الدعاء إلى وعي يرافق الحياة.
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...