الكنجينة (95)

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/10/31 بعدما اشتدت حمّى الوطيس بين الناقد الكردي، وهو يدافع عن بلاغة الشاعر الكردي المتوفّى قبل ستين عامًا، والذي تعرّض إلى انتقادية خشنة من الناقد العربي، وتوسعت رقعة المشاركات والمداخلات، وتوزع القوم، كلٌّ إلى سبيل، صرت أفكر بأن أكمل مشروعي. كتبت عن أسلوب الترادف في بلاغة أمير المؤمنين عليه السلام؛ لأن اللغة العربية غنية بمفرداتها، ودلالة الترادف لغةً تعني ما يتبع الشيء (التتابع)، ويعني عددًا من الكلمات المختلفة، تحمل كلٌّ منها معنى واحدًا، كـ(الجود ـ السخاء).
ويرى بعض العلماء اختلاف اللفظتين لاختلاف المعنيين، مثلًا: (الحلم ـ الرؤيا)، فالحلم هو ما يراه الإنسان في منامه من الشر، والرؤيا ما يراه من الخير. و(الحمد والمدح): الحمد يأتي على إحسان، والمدح على صفة جمالية. و(الخجل والحياء): الخجل مما كان، والحياء مما يكون. و(الغضب والسخط): الغضب من الصغير على الكبير، والسخط من الكبير على الصغير.
وجاء في إحدى خطبه عليه السلام: «الْحَمْدُ لله... الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، ولا نَعْتٌ مَوْجُودٌ، ولا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، ولا أَجَلٌ مَمْدُودٌ». فرغ من الكلام في الذات، وامتناعها على العقول، في تقديس صفاته عن مشابهة الصفات الحادثة، فكل صفات الممكن يبلغ أثرها حدًّا تنقطع إليه، كما يحدّه في قدرتنا وعلمنا مثلًا، فإن لكلٍّ طورًا لا يتعداه، أما قدرة الله وعلمه فلا حد لشمولهما، وكذا يقال في باقي الصفات الكمالية.
والنعت يقال لما يتغير، وصفاتنا لها نعوت؛ فحياتنا لها أطوار من طفولة موجبًا لما بعدها، وقوة وضعف، وقدرتنا كذلك تقصي وكمال وغموض ووضوح. وأما صفاته فمنزّهة عن هذه النعوت، ثم أزلية أبدية، لا تُعدّ الأوقات لوجودها، وأيضًا في ذاته بها، ولا تُضرب لها الآجال. والوصف هو لا يبضع كنهه كلام مولد.. صفة تواصف الشيء. والنعت يقال إنه يستخدم للنكرة والوصف العام، كما جاء في نفس الخطبة: «ولا وَقْتٌ مَعْدُودٌ ولا أَجَلٌ مَمْدُودٌ»، والوقت أرخ وقت، وأجل مدة الشيء.
وفي إحدى خطبه قال الإمام علي (ع): «ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الأَجْوَاءِ، وشَقَّ الأَرْجَاءِ، وسَكَائِكَ الْهَوَاءِ». والترادف بين فتق وشق، فالفتق يأتي بمعنى استخرج، وشق بمعنى كسر (كسر الحطب).
فقد ورد في إحدى خطبه (ع): «واسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلًا، وبِالاغْتِرَارِ نَدَمًا».
أي انتهز منه غرّة، وكان الحامل للشيطان على غواية آدم حسده له على الخلود في دار المقام ومرافقته الأبرار من ملائكته الأطهار. أدخل الشيطان عليه الشك فيما تناول منه سائغ التناول، بعد أن كان في نهي الله تعالى له عن تناول ما يوجب من اليقين بحظره عليه، وكانت العزيمة في الوقوف عند ما أمره الله، فاستبد به الوهن الذي أفضى إلى المخالفة. والجذل: الفرح.
وقد كان في راحة الأمن بالإخبات إلى الله وامتثال الأمر، فلما سقط في المخالفة تبدل ذلك بالوجل والخوف من حلول العقوبة، وقد ذهبت عنه النعرة، وانتبه إلى عاقبة ما اقترف، فاستشعر الندم بالاغترار. ومن اللغة جاءت مفردة جذل: طرب وفرح، والغرور ما اغتر به من متاع الدنيا.
وترادفات أخرى كثيرة، مثل قوله في إحدى خطبه: «أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ الله إِلَيْهِمْ». وأخذ الميثاق: أن يبلغوا ما أوصى إليهم، ويكون ما بعده بمنزلة التأكيد له، أو أخذ عليهم أن لا يشرّعوا للناس إلا ما يوصى إليهم. عهد الله إلى الناس هو ما يأتي يُعبَّر عنه بميثاق الفطرة.
ويكون الاشتغال على الترادف من خلال السياق الجملي، ولو أردنا الإطالة في هذا الموضوع لوجدنا متسعًا من الاستشهادات.

كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/10/31 بعدما اشتدت حمّى الوطيس بين الناقد الكردي، وهو يدافع عن بلاغة الشاعر الكردي المتوفّى قبل ستين عامًا، والذي تعرّض إلى انتقادية خشنة من الناقد العربي، وتوسعت رقعة المشاركات والمداخلات، وتوزع القوم، كلٌّ إلى سبيل، صرت أفكر بأن أكمل مشروعي. كتبت عن أسلوب الترادف في بلاغة أمير المؤمنين عليه السلام؛ لأن اللغة العربية غنية بمفرداتها، ودلالة الترادف لغةً تعني ما يتبع الشيء (التتابع)، ويعني عددًا من الكلمات المختلفة، تحمل كلٌّ منها معنى واحدًا، كـ(الجود ـ السخاء).
ويرى بعض العلماء اختلاف اللفظتين لاختلاف المعنيين، مثلًا: (الحلم ـ الرؤيا)، فالحلم هو ما يراه الإنسان في منامه من الشر، والرؤيا ما يراه من الخير. و(الحمد والمدح): الحمد يأتي على إحسان، والمدح على صفة جمالية. و(الخجل والحياء): الخجل مما كان، والحياء مما يكون. و(الغضب والسخط): الغضب من الصغير على الكبير، والسخط من الكبير على الصغير.
وجاء في إحدى خطبه عليه السلام: «الْحَمْدُ لله... الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، ولا نَعْتٌ مَوْجُودٌ، ولا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، ولا أَجَلٌ مَمْدُودٌ». فرغ من الكلام في الذات، وامتناعها على العقول، في تقديس صفاته عن مشابهة الصفات الحادثة، فكل صفات الممكن يبلغ أثرها حدًّا تنقطع إليه، كما يحدّه في قدرتنا وعلمنا مثلًا، فإن لكلٍّ طورًا لا يتعداه، أما قدرة الله وعلمه فلا حد لشمولهما، وكذا يقال في باقي الصفات الكمالية.
والنعت يقال لما يتغير، وصفاتنا لها نعوت؛ فحياتنا لها أطوار من طفولة موجبًا لما بعدها، وقوة وضعف، وقدرتنا كذلك تقصي وكمال وغموض ووضوح. وأما صفاته فمنزّهة عن هذه النعوت، ثم أزلية أبدية، لا تُعدّ الأوقات لوجودها، وأيضًا في ذاته بها، ولا تُضرب لها الآجال. والوصف هو لا يبضع كنهه كلام مولد.. صفة تواصف الشيء. والنعت يقال إنه يستخدم للنكرة والوصف العام، كما جاء في نفس الخطبة: «ولا وَقْتٌ مَعْدُودٌ ولا أَجَلٌ مَمْدُودٌ»، والوقت أرخ وقت، وأجل مدة الشيء.
وفي إحدى خطبه قال الإمام علي (ع): «ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الأَجْوَاءِ، وشَقَّ الأَرْجَاءِ، وسَكَائِكَ الْهَوَاءِ». والترادف بين فتق وشق، فالفتق يأتي بمعنى استخرج، وشق بمعنى كسر (كسر الحطب).
فقد ورد في إحدى خطبه (ع): «واسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلًا، وبِالاغْتِرَارِ نَدَمًا».
أي انتهز منه غرّة، وكان الحامل للشيطان على غواية آدم حسده له على الخلود في دار المقام ومرافقته الأبرار من ملائكته الأطهار. أدخل الشيطان عليه الشك فيما تناول منه سائغ التناول، بعد أن كان في نهي الله تعالى له عن تناول ما يوجب من اليقين بحظره عليه، وكانت العزيمة في الوقوف عند ما أمره الله، فاستبد به الوهن الذي أفضى إلى المخالفة. والجذل: الفرح.
وقد كان في راحة الأمن بالإخبات إلى الله وامتثال الأمر، فلما سقط في المخالفة تبدل ذلك بالوجل والخوف من حلول العقوبة، وقد ذهبت عنه النعرة، وانتبه إلى عاقبة ما اقترف، فاستشعر الندم بالاغترار. ومن اللغة جاءت مفردة جذل: طرب وفرح، والغرور ما اغتر به من متاع الدنيا.
وترادفات أخرى كثيرة، مثل قوله في إحدى خطبه: «أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ الله إِلَيْهِمْ». وأخذ الميثاق: أن يبلغوا ما أوصى إليهم، ويكون ما بعده بمنزلة التأكيد له، أو أخذ عليهم أن لا يشرّعوا للناس إلا ما يوصى إليهم. عهد الله إلى الناس هو ما يأتي يُعبَّر عنه بميثاق الفطرة.
ويكون الاشتغال على الترادف من خلال السياق الجملي، ولو أردنا الإطالة في هذا الموضوع لوجدنا متسعًا من الاستشهادات.
