بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ....اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السؤال : ماهي طريقة التعامل الأمثل مع العالم الافتراضي؟
يُمثل العالم الافتراضي اليوم جزءاً لا يتجزأ من واقعنا المعاصر اذ يؤثر بشكل مباشر او غير مباشر في تفاصيل حياتنا المهنية والاجتماعية. وفي ظل هذا الكم الرقمي الهائل تصبح طريقة التعامل الأمثل مع هذا الفضاء هي الضمان الأساسي لتحقيق التوازن بين الاستفادة من آفاقه الواسعة، وبين الحفاظ على سلامتنا النفسية وعلاقاتنا الواقعية. إن هذه المعادلة تتطلب منا وعياً ثقافيا بالاعتماد على أساليب تضمن لنا السيطرة على أدوات الشبكات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي لأداء أدوارها الإصلاحية ونشر القيم الإيجابية ومواجهة المحتوى الضار والانحراف والسلبية، مع ضرورة الالتزام بالضوابط الأخلاقية والشرعية، والقانونية والأمنية.
ولكن قبل الخوض بطرق التعامل الأمثل مع العالم الافتراضي نذكر للقارىء الكريم حكمة سيد البلغاء المولى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مضمار الكلام:
فقد روي عَنْه (ع) انه قال: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَام َفِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ»[1].
فنلاحظ ان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدعونا في هذا الحديث الشريف إلى التحفّظ الشديد والتحرز والتدقيق فيما يجره الكلام من عواقب، وحساب الاحتمالات في ذلك ليتعرف الإنسان على موارد النفع أو الضرر في كلامه[2].
فقوله عليه السلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَام َفِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ…» فالوثاق -كسَحَاب - ما يشد به ويربط، أي: أنت مالكٌ لكلامك قبل أن يصدر عنك، فأنت قبل الكلام المُسيّطر إن شئت تكلمت، وإن شئت سكت.. ولكن إذا تكلمت به ذهبت السيطرة منك وصرت مملوكاً له مأخوذاً بما تكلمت به، فأما نفعك أو ضرك.
فالإنسان مسؤولٌ عن كلمته، لذا عليه أن يفكّر قبل أن يتكلم ليعرف متى وكيف يطلقها، فالكلمة قد تدمر وقد تعمر، وقد تبني وقد تخرب.
إذن ان الإمام (عليه السلام) يأمرنا بضبط كلامنا، ومعلوم أن الوسائل المعبّرة عن الكلام تارة تكون عن طريق اللسان، وأُخرى بالكتابة، وأُخرى بالإشارة، أو الرسوم وهكذا.
وان هذه الوسائل كثيرًا ما نراها تُستخدم في مواقع التواصل الاجتماعي وبالأخص اللسان، فهي إحدى وسائل الإنسان المفصحة عن كنه معدنه وحقيقة أدبه وأخلاقه، وبها تُعرف الرجال، فقد روي أيضا عنه (عليه السلام):
«الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ»[3].
كما أكّد هذا المعنى رسول الله (ص) لرجل عندما قال له:
«يَا رَسُولَ الله أَوْصِنِي، فَقَالَ: احْفَظْ لِسَانَكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوْصِنِي، قَالَ: احْفَظْ لِسَانَكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوْصِنِي، قَالَ: احْفَظْ لِسَانَكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟ [4].
كما عرفنا ان من مهام فريضة الامر بالمعروف في شبكات التواصل الاجتماعي عديدة ومتنوعة أمثال الذَّبّ عن قيمنا الدينية والاجتماعية، الدفاع عن حرمات المسلمين وأعراضهم، التصدي للكذب والشائعات، مطاردة الحسابات المشبوهة ومنصات المنافقين، التحذير من السلوكيات المجتمعية السلبية والضارة وغيرها وذلك لمواجهة الانحراف الرقمي وردع أصحاب المنكرات، ودفع الأخطار عن المجتمع، ولكن تبقى هنالك ضوابط وقواعد لإنكار المنكر عبر هذه الوسائل.
ضوابط أساسيةللأمروالنهي الرقمي:
لما صارت شبكات التواصل الاجتماعي أداة قوية ومؤثرة لتطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه تحولت هذه المنصات إلى فضاء رقمي يوجه الرأي العام لكن هنا قد تتحول النصيحة الخاطئة إلى منكر أكبر، فهنالك جملة من الضوابط يقررها العلماء على كل من يتعرض للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإنترنت، في شخصه أولًا ثم في المحتوى الذي يقدمه.
أولاً:من أهم الضوابط المتعلقة بالشخص نفسه
وهي أن يتوفر لديه الإخلاص لله (سبحانه وتعالى)، وحُبُ خَلقِ الله، والنية الحسنة في نشر الخير، والشعور بأمانة الكلمة، وأن يكون متقنًا لفن الدعوة الى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة وباللين في الارشاد لئلا ينفّر الناس، وألّا يُسيء الى الآخرين، أو يتجسّس على الخصوصيات.
وألاّ يقع في غرور أو تكبّر، وأن يصبر على الأذى وألّا يرد الإساءة بمثلها إذا أسيء إليه، وأن يعلم أنه يمثّل الدين قبل أن يمثل نفسه، وأن يكون على علم بالمنكر وحدوده، وبمراتب المصالح والمفاسد، وهذه الأمور تلزم الآمر والناهي بالوعي الثقافي. ونركز أيضا على مايلي:
1-يجب تجنب الهجوم الشخصي لأن الكلمة الطيبة تكون بالاعتماد على النصح بالحكمة والموعظة الحسنة والابتعاد عن الفظاظة والتشهير والتنمّر والشتائم والسُباب.
2- التحقق قبل الإنكار فبالنسبة للتثبّت واليقين فانه يجب علينا التأكد من وقوع المنكر من قبل الفاعل بشكل واضح وأكيد قبل الإنكار، لأنه ربما حصل تشابه في شكل الشخص أو في اسمه أوفي صفحته وما شابه ذلك.
3-نشرهدف الإصلاح المجتمعي من خلال هذه الفريضة فانه يجب علينا مراعاة أن يكون الإنكار بما لا يؤدي إلى الإصرار على المنكر أو الى مفاسد أكبر أو فتنة في المجتمع مما يؤدي الى محو أو اضعاف الغاية من مهمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي هذه الحالة يجب أن يقدّم الإنكار السري على الانكار العلني من خلال النصح على الخاص، إلا إذا كان المنكر عامًّا قد انتشر على نطاق واسع.
4- التحلي بالأخلاق الفاضلة والنزاهة العلمية ومحاولة تقديم البديل الحسن والرأي النافع، وتجنب المبالغة وتضخيم الأمور، واحترام حقوق الملكية الفكرية والأمانة في نقل النصوص كما أوصانا ربُنا ( سبحانه وتعالى) :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [5].
5-عدم نقل ونشر المنكرات والانحرافات بهدف إنكارها فهذا يعتبر ترويجاً للفاحشة، لأن الأصل هو وجوب الستر وصيانة المجتمع لأن مشاركة المقاطع المسيئة (حتى لو كان بغرض انتقادها) ستساهم في انتشارها وزيادة مشاهداتها، والبديل هو عدم نشر المادة المسيئة. (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)[6].
6-التثبت من صحة المقاطع أو الأخبار قبل مهاجمتها أو اعادة نشرها أو ترويجها لئلا يُظلم الأبرياء، فكثير من المحتوى يتم اقتطاعه من سياقه، أو يُحاك موقف وموضوع غير حقيقي باستخدام محرك الذكاء الاصطناعي أو بغيره.
ثانياً: من أهم الضوابط المتعلقة بالمحتوى:
ان الضوابط الأساسية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتعلقة بالمحتوى الرقمي تشير إلى (القواعد الشرعية والأخلاقية) التي يجب الالتزام بها عند صناعة أو نشر أو التفاعل مع المواد الرقمية عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.
فالمحتوى الرقمي الجيد والمناسب للنشر هو المحتوى الذي يجمع بين القيمة الحقيقية للمستفيد والصياغة الفنية السليمة مع مراعاة الاخلاق والقانون والأعراف لكي تتحقّق الغاية الإصلاحية المرتجاة من هذه الوظيفة، وان من الضوابط والخصائص الأساسية لهذا المحتوى هي:
1-جودة الأسلوب والخطاب الرقمي من خلال الرفق واللين في النصيحة باعتماد أسلوب الحوار الهادئ والموعظة الحسنة، وتجنب الفظاظة، والتشنج والتجاوز والسب أو الشتم الرقمي.
2-خلو المحتوى من أمور تؤثر على السلم المجتمعي (مثل إثارة الطائفية والعرقية، أو اثارة الفتن والحروب وغيرها).
3-شموله على الوضوح والشفافية والمصداقية والابتعاد عن التدليس والعناوين المضللة والمزيفة للحقائق.
4-الالتزام بالحق والبعد عن الباطل أي أن يكون المحتوى هادفاً ونافعاً ويدعو إلى الفضيلة والمعروف، مع تجنب ترويج المحرمات (كالخمور والقمار والإباحية والمثلية وغيرها).
5-التثبّت والموثوقية أي وجوب التأكد من صحة الأخبار والمعلومات المنشورة والتأكد من مصادرها الحقيقية.
6-احتواء المحتوى الرقمي على الأمور الإيجابية وخلوّه من الأمور السلبية (مثل الغيبة والنميمة الرقمية والتجسس على الآخرين، أوالتي تسيء الى معتقداتهم وعاداتهم وسمعتهم وغيرها).
7-شمول المحتوى على أسلوب الوسطية والاعتدال والاحترام المتبادل واحترام الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع.
8-يُفضل أن يحتوي على الأصالة والابتكار في تقديم أفكار جديدة أو معالجة مبتكرة متطورة بعيداً عن ظاهرة (النسخ واللصق).
9-أن يحوي على الفائدة القيّمة والاضافة المعرفية من مبدأ (خير الناس مَن نفع الناس) وذلك بأن يلبي المحتوى حاجة حقيقية لدى الناس، سواء أكان المحتوى تعليمياً أو ترفيهياً أو إرشادياً.
واما المحتوى الرقمي غير الجيد وغير المناسب للنشر فهو المحتوى الذي يفتقر إلى الخير والمعروف، أو الذي يضلل القارئ بتزييف الحقائق، أو الذي يخرق القواعد الشرعية والأخلاقية في المجتمع.
فمن أبرز صفات المحتوى الرقمي الرديء هي:
1. العيوب الجوهرية في المضمون والمعلومات وذلك باحتواءه على معلومات مغلوطة أو كاذبة أو غير مدعومة بمصادر موثوقة أو استخدام عناوين مثيرة ومبالغ فيها ولكنها غير حقيقية.
2-التشتّت والغموض في المحتوى اذ يظهر عليه غياب الهدف النافع
والواضح، وفيه تداخل للأفكار بحيث يجعل المحتوى غير مفهوم.
3-خطاب الكراهية والتحريض بحيث يحمل المحتوى عبارات عنصرية أوطائفية ، أو تشجيع على العنف والكراهية واثارة النعرات والحروب.
4- كثرة الأخطاء فيكون النص مليئاً بالأخطاء الإملائية والنحوية والمطبعية التي تفقد المحتوى هيبته ومصداقيته.
5- الأسلوب غير الملائم من خلال شموله على لغة هجومية، أو نبرة معقدة أو تنمّر أو شموله على صور ومقاطع وعبارات منافية للأخلاق الدينية والعرفية والاجتماعية.
وبالنتيجة يُعتبر العالم الافتراضي أداةً قويةً ومهمةً جداً لفتح آفاقاً عديدةً ومتنوعةً في واقعنا المعاصر، لكن قيمته الحقيقية تعتمد على كيفية استخدامنا له. اذ أن التعامل الأمثل يتطلب تحقيق توازناً ذكياً يضمن الاستفادة من مزاياها الرقمية دون التفريط في أصالة وعمق قِيمنا الإسلامية وعلاقاتنا الإنسانية في حياتنا الواقعية وذلك لكي ننال خير الدنيا والآخرة بنشر الخير والمعروف والحق والفضيلة ونبذ الشر والمنكر والباطل والرذيلة.
-------------------
[1] - الحرّ العاملي ، وسائل الشّيعة ، ج12، ص193.
[2] - الخِرسان ، مُحمد صادق ، أخلاقِ الإمامِ عليٍّ (ع) ، ج1 ، ص270.
[3] - نهج البلاغة-الحكمة(392).
[4] - المجلسي ، السيد محمد باقر ، بحار الأنوار ، ج ٦٨-ص ٣٠٣.
[5] - سورة التوبة، آية 119.
[6] - سورة النساء ، آية 148، 149.
جَعَلَنا اللهُ وَإيّاكُم مِنَ السائِرينَ عَلى نَهْجِ (الثَـقَـلَينِ) بِحَقِ المُصْطَفى وآلهِ الطاهِريِن.


تعليق