مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2940

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾[1].

    أقصوصة ذات مرتبة خامسة في سورة مريم: إنّ القصص الأربع المذكورة كانت بمثابة وحدة قصصية تتناول موضوعا متجانسا هو الإنجاب بنحوه المعجز، وتتحرك شخصياتها وفق وحدة البطل من حيث تجانس الأبطال زمانيا ونسبيّا.
    أما أقصوصة إبراهيم (عليه السلام)، فتتجه وجهة موضوعية أخرى، إلاّ أنّها تصبّ في رافد فكريّ‌ مشترك بين مجموعة القصص.
    ومن الواضح أنّ الموضوع المطروح في القصة شيء، والفكرة التي يحوم الموضوع عليها شيء آخر. فموضوع القصص الأربع هو الإنجاب وموضوع قصة إبراهيم هو مناقشة إبراهيم لأبيه في قضية عبادة الأصنام، وأمّا الأفكار المستهدفة في كل من القصص الأربع ثم في قصة إبراهيم تحوم على جملة من الدلالات تشكل عنصرا مشتركا بين القصص الخمس.
    الأولى: قول إبراهيم لأبيه ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾
    [2]، حفاوة الله تعالى بإبراهيم تذكرنا بحفاوته تعالى بالأبطال الأربعة: بدء من رحمته تعالى عبده زكريا، مرورا بيحيى حيث سكب عليه حنانا من لدنه إلى مريم التي أقرّ عينها، وانتهاء بعيسى الذي جعله مباركا.
    الثانية: قوله لأبيه ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾، وهي نفس العبارة التي قالها زكريّا ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
    [3].
    الثالثة: قوله لأبيه ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾
    [4]، وهي تماثل العزلة التي غلّفت زكريا في محرابه وصومه، ومريم في انتباذها مكانا شرقيا.
    الرابعة: تتمثّل في عملية الإنجاب أيضا، إلاّ أنّه إنجاب لم يقترن بالإعجاز، بل الإنجاب المقترن بما طلبه زكريا من الله بأن يهبه ذرية طيبة، وها هو إبراهيم يهبه الله ذرية طيبة.
    يقول تعالى عنه: ﴿... وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾
    [5].
    الخامسة: إنّ ذرية زكريا ومريم ينتسبون إلى الأنبياء، كذلك: ذرية إبراهيم.
    السادسة: إنّ الذرية ترتبت في أبطال القصص الثلاثة على العزلة الاجتماعية أو العبادية، حيث وصل النص بين عزلة إبراهيم وبين الذرية: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.
    السابعة: إنّ مفهوم الرحمة التي استهلّت بها سورة مريم ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾
    [6]، من حيث انعكاساتها على كل الأبطال، تنعكس الآن على إبراهيم، وأيضا ذرية إبراهيم؛ حيث عقب النص على إبراهيم وذريته بقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾[7]، حيث شملت الرحمة إبراهيم.
    الثامنة: هي أنّ زكريا دعا ربّه بأن يجعله وذريته مرضيّين قد انسحب على إبراهيم وذريته حيث جعل الله لهم ﴿لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.
    التاسعة: قال إبراهيم لأبيه ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ...﴾
    [8]، وهو مجانس لما آتاه الله الأبطال السابقين مثل يحيى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾[9].
    إذا، نحن الآن أمام تسعة خطوط فكرية تنتظم القصص الخمس بالرغم من انشطارها إلى قصص متماثلة [القصص الأربع] وقصص مستقلة [قصة إبراهيم وقصة موسى] التي تليها.
    أمّا الدلالات الخاصة التي تميزت بها قصة إبراهيم فتتمثل في: الموقف الفكري الذي وقفه إبراهيم حيال أبيه، المجسّد للموقف الوثني، حيث ناقشه وفق لغة منطقية تقول له: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ...﴾. إلاّ أنّ أباه بدلا من الانصياع للغة المنطق هدده بالعبارة التالية ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ...﴾
    [10].
    هذا الموقف سنرى منعكساته في الأجزاء اللاحقة من السورة، ونلحظ أيضا أنّ إبراهيم ذكّر أباه بالجزاء الاخروي، وهو نفس التذكير الذي صدر النبيّ (صلى الله عليه وآله) عنه حيال معاصريه: فوصل النص بين قصة عيسى وبين البيئة الإسلامية من خلال التذكير بالجزاءات الأخروية التي تنتظر المنحرفين عن مبادئ الله تعالى، وهو بعد آخر من أبعاد التجانس أو التلاحم العضوي بين أجزاء السورة الكريمة.


    [1] سورة مريم، الآية: 41.
    [2] سورة مريم، الآية: 47.
    [3] سورة مريم، الآية: 4.
    [4] سورة مريم، الآية: 48.
    [5] سورة مريم، الآية: 49.
    [6] سورة مريم، الآية: 2.
    [7] سورة مريم، الآية: 50.
    [8] سورة مريم، الآية: 43.
    [9] سورة مريم، الآية: 12.
    [10] سورة مريم، الآية: 46.

    ​
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...