حين يصبح التوكّل على الله قوةً تعيننا على مواجهة الحياة

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يازهراء
    مشرفة قسم المجتمع

    • 23-05-2010
    • 2012

    #1

    حين يصبح التوكّل على الله قوةً تعيننا على مواجهة الحياة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد

    قصة هاجر عليها السلام حكاية امرأة تركها زوجها في وادٍ غير ذي زرع، و ذكرى تاريخية نقرؤها بعمق هي مدرسة إيمانية عظيمة، تختبئ بين أحداثها معانٍ عميقة عن اليقين بالله، والتوكّل عليه، والصبر في مواجهة المجهول، والسعي رغم قسوة الظروف.

    إنها قصة قلبٍ تعلّق بالله حين غابت كل أسباب الطمأنينة، وقلبٍ لم تمنعه وحشة المكان، ولا قسوة الموقف، ولا خوف الأم على رضيعها من أن يحسن الظن بربه.

    امرأة تقف في وادٍ مقفر، لا ماء فيه ولا زرع، ولا أنيس ولا معين، ومعها طفلها الرضيع إسماعيل. ترى إبراهيم عليه السلام يبتعد عنها، فتتبعه وتسأله: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟
    فلا يجيبها، حتى تسأله السؤال الذي يكشف عن عمق إيمانها: آلله أمرك بهذا؟
    فيجيبها: نعم.
    فتقول بقلبٍ مطمئن: إذًا لا يضيّعنا الله.
    يا لها من كلمة عظيمة!
    لم تتغيّر الصحراء بعد هذه الكلمة، ولم يظهر الماء، ولم تعد الأسباب متاحة، ولم تعرف هاجر ماذا سيحدث في الغد، لكن الذي تغيّر هو نظرتها إلى الموقف؛ فقد أدركت أن من كان الله معه، فلن يكون وحيدًا وإن خلا المكان من الناس.
    وهنا تكمن حقيقة اليقين: ليس أن نعرف كيف ستُحلّ مشكلاتنا، ولا أن نمتلك ضماناتٍ لكل ما نخشاه، بل أن نثق بالله حتى حين لا نعرف الطريق، وأن نطمئن إلى حكمته حتى حين تعجز عقولنا عن فهم ما يجري.
    ولكن هل كان يقين هاجر يعني أنها جلست تنتظر الفرج؟
    كلا!
    حين نفد الماء، وأخذ العطش من طفلها مأخذه، لم تستسلم، ولم تكتفِ بالانتظار، بل قامت تسعى بين الصفا والمروة، تصعد وتنظر، وتعود وتبحث، وتكرر سعيها سبع مرات، وقلبها معلّق برحمة الله.
    وهنا نتعلّم درسًا عظيمًا: أن التوكّل لا يعني ترك الأسباب، وأن الثقة بالله لا تعني تعطيل الحركة، وأن الإنسان المؤمن قد يبذل كل ما يستطيع، ويبقى قلبه معتمدًا على الله لا على جهده وحده.
    سعت هاجر، فجاءها الفرج من حيث لم تحتسب، وتفجّر ماء زمزم عند قدمي إسماعيل عليه السلام.
    وكان زمزم ماءً يروي عطش طفل و آيةً باقية تذكّر الأجيال بأن الله لا تخفى عليه دمعة، ولا يضيع عنده سعي، ولا يغيب عنه ضعف عباده واحتياجهم.
    ومن هنا خلّد الله سعي هذه المرأة في شعيرة من أعظم شعائر الحج والعمرة، ليبقى أثر امرأة آمنت، وصبرت، وسعت، شاهدًا على أن الأعمال الصادقة قد تتجاوز حدود أصحابها، وتصبح نورًا وهدايةً للأجيال.
    وهنا نعود إلى أنفسنا: هل في قلوبنا شيء من هاجر؟
    كم من إنسان يعيش اليوم صحراءً لا يراها الآخرون!
    صحراء المسؤوليات المتراكمة، أو الوحدة، أو الانتظار، أو الخوف على الأبناء، أو ضيق الحال، أو مواجهة ابتلاء لا يعرف كيف يتجاوزه.
    وكم من أمٍّ تستيقظ كل صباح لتبدأ رحلة جديدة من العطاء، تحمل همّ أبنائها، وتدبّر شؤون بيتها، وتخفي تعبها خلف ابتسامة، وتسعى رغم إرهاقها؛ لا لأنها لا تتألم، بل لأنها تعرف أن عليها أن تبذل ما تستطيع، وتستعين بالله فيما تعجز عنه.
    و الدرس الأعمق من هاجر ليس أن نتحمّل كل شيء بصمت، أو أن ننكر حاجتنا إلى المساعدة، بل أن نحمل قلوبنا إلى الله في كل أحوالنا، وأن لا نجعل صعوبة الظروف سببًا لانقطاع الرجاء منه.
    فقد تتعب القلوب المؤمنة، وقد تدمع العيون، وقد تضيق الصدور، ولكن الإيمان يعلّمها أن لا تجعل اليأس خاتمة الطريق.
    إن اليقين لا يمنع الدموع، ولكنه يمنع أن تتحوّل الدموع إلى يأس. ولا يلغي الخوف، ولكنه يمنع الخوف من أن يقطع صلتنا بالله. ولا يعفينا من السعي، ولكنه يمنح سعينا معنى ووجهة.
    فلنتعلّم من هاجر ثلاثة أمور:
    أن نثق بالله عند غياب الأسباب: فليس شرطًا أن نرى أبواب الفرج حتى نحسن الظن بالله، بل قد يبدأ الفرج من لحظة صدق التوكّل عليه.
    أن نسعى ولا نستسلم: فالسعي عبادة حين تقترن النية الصادقة بالاعتماد على الله، والنتائج بيده سبحانه.
    أن نربّي قلوبنا على حسن الظن بالله: فلا نجعل تأخر الإجابة دليلًا على الحرمان، ولا صعوبة الطريق دليلًا على الضياع، فقد تكون وراء ما لا نفهمه حكمة ورحمة لا نراها الآن.
    إن قصة هاجر تعلّمنا أن الإنسان قد يقف في أشد لحظات حياته ضعفًا، لكنه يكون في أعمق لحظات قربه من الله، وأن القوة الحقيقية ليست في امتلاك كل شيء، بل في معرفة من بيده كل شيء.
    كم مرةً تعرّضنا للابتلاء؟ كم مرةً أرهقتنا الحياة؟
    لكن ماذا صنعت هذه المواقف بقلوبنا؟ هل قرّبتنا من الله أم أبعدتنا عنه؟ هل زادتنا ثقةً به أم جعلتنا نتعلّق بالأسباب وننسى مسببها؟
    فلنحمل من قصة هاجر أكثر من ذكرى، ولنأخذ منها منهجًا للحياة: أن نسعى بأقدامنا، ونتوكّل بقلوبنا، ونحسن الظن بربنا، وألّا نفقد الرجاء مهما اشتدّت الصحراء من حولنا.
    لا نحتاج أن تكون حياتنا خالية من الصعوبات حتى نطمئن؛ نحتاج أن تكون قلوبنا عامرة بالثقة بالله، وأيدينا لا تتوقف عن السعي.
    يا رب، ارزقنا يقينًا لا تهزّه تقلبات الحياة، وتوكّلًا لا تضعفه قسوة الظروف، وقلوبًا تعرف كيف تسعى دون يأس، وكيف تنتظر رحمتك دون قنوط.
    وإذا ضاقت بنا الأرض بما رحبت، فذكّرنا أن خزائن رحمتك لا تنفد، وأنك أقرب إلينا من كل ما نخاف فقدانه.
  • باب الحسين
    مشرف قسم الاسرة

    • 13-01-2024
    • 3655

    #2
    أَحسَنتُمْ.... وَبارَكَ اللّهُ فيكُمْ، وَجَزاكُمُ خَيْراً بِحَقِ المُصْطفَى وَآلِهِ الطَيبينَ الطاهِريْن.

    تعليق

    المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
    حفظ-تلقائي
    Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
    يعمل...