بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾[1].
﴿إِذْ قَالَ﴾، بدل من «إبراهيم»، وما بينهما اعتراض. أو متعلّق ب «كان» أو ب «صدّيقا نبيّا».
﴿لِأَبِيهِ﴾ أي: قال لعمّه الّذي هو بمنزلة أبيه في تربيته، أو لجدّه لأمّه، ولم يكن أباه لطهارة آباء الأنبياء من الشّرك وعبادة الأوثان. والعرب تطلق على العمّ لفظ الأب وتنزله منزلته.
فإنّ أباه الّذي ولده كان اسمه تارخ، لإجماع الطائفة الحقّة على أنّ آباء الأنبياء كلّهم إلى آدم كانوا مسلمين موحّدين.
فكان يربيه كأب منذ طفوليته إذ مات والده، وهنا يوبخه باحترام ودون ما اخترام: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ﴾! سائلا عنه السبب لعبادته الأوثان من دون الله، وأقله أن تسمع أو تبصر، ومن ثم تغني وتكفي عنه شيئا، وأكثره أن يكون الخالق الكامل الكافل لكل ما يحتاجه عبده، ولا تملك الأوثان كثيرا ولا قليلا مما يسبب عبوديتها، والرب يكون مع عبده يراعيه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾[2]، ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾[3].
﴿يَا أَبَتِ﴾، التاء معوّضة من ياء الإضافة، ولذلك لا يقال: يا أبتي، لئلاّ يجمع بين العوض والمعوّض منه، ويقال: يا أبتا، وإنّما تذكر للاستعطاف، ولذلك كرّرها.
﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾، فيعرف حالك، ويسمع ذكرك، ويرى خضوعك ﴿وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾، في جلب نفع أو دفع ضرّ، فقال له يا أبت ما لك تعبد موجودا أصمّ لا يسمع وأعمى لا يبصر ولا يفيدك قليلا ولا كثيرا في الجهة التي أنت في خطها فكأن الأب قال له: فهل أنت عالم حتى تعلمني فقال له إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك وأنا إتماما للحجة آتيك وأرشدك فأتبعني وترسم اثري؛ أهدك صراطا لا اعوجاج فيه ولا تلوي حتى يضيعك بل ما أريده لك طريق لا حب لا ضلال معه، يا أبت لا تتبع تسويلات الشيطان إن الشيطان من العصاة الغاوين المنحرفين ومن اعداء الله يا أبت تراجع عما يريده الشيطان لك فإني أخاف أن يمسك عذاب من الله فتكون تبعا للشيطان في كل ما يرد عليه من ربه.
دعاه إلى الهدى، برفق وحسن أدب وخلق حسن، متنصحا في ذلك بنصيحة ربّه عزّ وعلا، كما ورد في الحديث القدسي: [إن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم: إنك لما سلمت مالك للضيفان وولدك للقربان، ونفسك للنيران، وقلبك للرحمن اتخذناك خليلا][4].
ولهذا لم يصرّح بضلالة أبيه، بل طلب العلّة الّتي تدعوه إلى عبادة ما يستخفّ به العقل الصريح، ويأبى الركون إليه، فضلا عن عبادته الّتي هي غاية التعظيم، ولا تحقّ إلاّ لمن له الاستغناء التامّ والإنعام العامّ، وهو الخالق الرازق، المحيي المميت، المعاقب المثيب، الّذي منه أصول النعم وفروعها.
ونبّه على أنّ العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح، والشيء لو كان حيّا مميّزا سميعا بصيرا مقتدرا على النفع والضرّ ولكن كان ممكنا، لاستنكف العقل القويم عن عبادته، وإن كان أشرف الخلق كالملائكة والنبيّين، لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة، فكيف إذا كان جمادا لا يسمع ولا يبصر؟!
وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره: [إنّ هذا البيان القصير القاطع من أحسن أدلة نفي الشرك وعبادة الأوثان، لأنّ أحد بواعث الإنسان في معرفة الرب هو باعث الربح والخسارة، والضر والنفع، والذي يعبر عنه علماء العقائد بمسألة (دفع الضرر المحتمل). فهو يقول: لماذا تتجه إلى معبود ليس عاجزا عن حل مشكلة من مشاكلك وحسب، بل إنّه لا يملك أصلا القدرة على السمع والبصر. وبتعبير آخر: إن العبادة يجب أن تكون لمن له القدرة على حل المشاكل، ويدرك عباده وحاجاتهم، سميع بصير، إلا أنّ هذه الأصنام فاقدة لكل ذلك][5].
[1] سورة مريم، الآية: 41.
[2] سورة طه، الآية: 79.
[3] سورة الشعراء، الآية: 62.
[4] أمل الآمل، ج 1، ص 146.
[5] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 9، ص 456.
