المدرس بين الاتهام والواقع: الدروس الخصوصية أنموذجاً

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صادق مهدي حسن
    عضو ذهبي

    • 31-05-2010
    • 1431

    #1

    المدرس بين الاتهام والواقع: الدروس الخصوصية أنموذجاً

    المدرس بين الاتهام والواقع:
    الدروس الخصوصية أنموذجاً

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
    • صادق مهدي حسن
    بين ثنايا حديث عابر حول قضايا التعليم المتشعبة، قال أحد التربويين: لو أدى المدرسون ما عليهم من واجبات لما احتاج الطلاب إلى دروس خصوصية.
    قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى منطقية، بل ربما تجد صدى واسعاً لدى أولياء الأمور والطلبة الذين ينظرون إلى الدروس الخصوصية بوصفها دليلاً على قصور التعليم المدرسي. غير أن التمعّن في مضمونها يكشف أنها تنطوي على تعميم لا يخلو من الإجحاف، لأنها تجعل المدرس المسؤول الوحيد عن ظاهرة تربوية واجتماعية تتداخل في نشأتها عوامل عديدة، بعضها يتعلق بالمدرس، وبعضها الآخر بالطالب والأسرة والمناهج والبيئة التعليمية برمتها.
    لا شك أن للمدرس مسؤولية أساسية في هذه القضية، فهو مطالب بالتحضير الجيد، وإتقان المادة العلمية، واختيار طرائق التدريس المناسبة، ومراعاة الفروق الفردية بين الطلبة، واستثمار وقت الحصة الدراسية بما يحقق أهدافها. كما أن من واجبه أن يسعى إلى إيصال المعلومة بأفضل صورة ممكنة، وأن يتابع مستويات طلبته، ويعالج مواطن الضعف لديهم قدر المستطاع.
    ولا يمكن تبرير تقصير بعض المدرسين، أو تحويل الصف الدراسي إلى مجرد محطة شكلية لا يحصل فيها الطالب على الحد الأدنى من حقه في التعلم، ثم يُترك ليبحث عن المعرفة خارج المدرسة مقابل أجر إضافي. بل إن استغلال حاجة الطلبة إلى الشرح، أو تعمد عدم تقديم المادة بالشكل الكافي داخل الصف لدفعهم نحو الدروس الخصوصية، إن ثبت في بعض الحالات، يمثل إخلالاً أخلاقياً ومهنياً لا يمكن التساهل معه.
    لكن، هل يعني ذلك أن كل طالب يلجأ إلى الدروس الخصوصية يعاني بالضرورة من تقصير مدرّسه؟ وهل يكفي أن يؤدي المدرس واجباته بإتقان حتى نضمن استغناء جميع الطلبة عن الدروس الإضافية؟
    هنا تحديداً تكمن المشكلة في المقولة؛ إذ إنها تتعامل مع العملية التعليمية وكأنها معادلة ذات طرف واحد، في حين أن التعليم عملية تفاعلية يشترك فيها المدرس والمتعلم، وتتأثر نتائجها بظروف وإمكانات ومتغيرات متعددة.
    أولاً: الفروق الفردية بين الطلبة
    ليس جميع الطلبة على مستوى واحد من الاستيعاب والتحصيل، فهناك من يستوعب المعلومة من المرة الأولى، وهناك من يحتاج إلى تكرارها وشرحها بأكثر من طريقة، وهناك من يمتلك استعداداً جيداً للتعلم لكنه يعاني بطئاً في اكتساب بعض المهارات. وهذه حقيقة تربوية لا يمكن تجاهلها، فالمدرس مهما بلغت كفاءته لا يستطيع أن يجعل جميع الطلبة يستوعبون المادة بالسرعة والمستوى نفسيهما. وقد يحتاج بعضهم إلى وقت إضافي أو متابعة فردية لا تتيحها ظروف الصف الدراسي. ومن هنا، فإن حاجة بعض الطلبة إلى الدروس الإضافية ليست بالضرورة دليلاً على فشل المدرس، بل قد تكون استجابة لاختلاف احتياجاتهم التعليمية.
    ثانياً: ضعف التأسيس الدراسي المتراكم
    قد يصل الطالب إلى مرحلة دراسية متقدمة وهو يعاني ضعفاً في أساسيات المواد التي درسها في سنوات سابقة. وقد يكون ضعيفاً في القراءة أو الكتابة أو القواعد أو العمليات الحسابية الأساسية، ثم يُطلب من مدرس المرحلة الحالية أن يبني معارف جديدة على أسس لم تكتمل أصلاً.
    فهل من الإنصاف أن نحمّل مدرس اليوم وحده مسؤولية تراكمات تعليمية امتدت لسنوات؟
    إن معالجة هذا النوع من الضعف تحتاج إلى وقت وخطة علاجية ومتابعة مستمرة، وقد تتجاوز إمكانات الحصة الدراسية الاعتيادية.
    ثالثاً: كثافة الصفوف وضيق الوقت
    كيف نطالب المدرس بمراعاة الفروق الفردية، وتقديم الشرح الوافي، ومتابعة مستوى كل طالب، ومعالجة أخطائه، وتحقيق أهداف المنهج، في صف يضم ستين طالباً أو أكثر؟
    إن كثافة الصفوف ليست مجرد رقم إحصائي، بل عامل مؤثر في جودة التعليم. فكلما ازداد عدد الطلبة، تقلصت فرصة المدرس في منح كل واحد منهم الوقت والاهتمام اللذين يحتاج إليهما.
    ولا يصح أن نطالب المدرس بنتائج مثالية في ظروف لا توفر له دائماً الإمكانات اللازمة لتحقيقها.
    رابعاً: ثقافة الدرجات والامتحانات
    لقد أصبحت الدرجات في نظر بعض الطلبة وأولياء أمورهم غاية تتقدم على المعرفة ذاتها. فلم يعد السؤال دائماً: ماذا تعلم ابننا؟ بل أصبح: كم سيحصل من الدرجات؟
    وقد يلجأ طالب متفوق إلى الدروس الخصوصية لا لأنه لا يفهم شرح المدرس، وإنما لأنه يريد الوصول إلى درجة أعلى، أو الاطمئنان إلى الامتحان، أو الحصول على تدريبات إضافية.
    بل إن بعض الأسر لا تكتفي بمستوى دراسي مرتفع، وتظل تطمح إلى الدرجة الكاملة، وكأن التفوق لا يتحقق إلا بالحصول على 100%. وهنا ينبغي أن نسأل: هل أصبحت الدروس الخصوصية في بعض الحالات علاجاً لضعف التعلم، أم وسيلة للمنافسة على الدرجات؟
    خامساً: دور الأسرة والطالب
    لا يمكن أن نغفل مسؤولية الطالب نفسه؛ فالمدرس يقدم المعرفة ويوجه ويرشد، لكنه لا يستطيع أن يتعلم نيابة عن الطالب.
    إن عدم الانتباه داخل الصف، وإهمال الواجبات، وترك المراجعة اليومية، وتأجيل الدراسة إلى أيام الامتحانات، كلها عوامل قد تجعل الطالب بحاجة إلى مساعدة إضافية كان بإمكانه الاستغناء عنها لو أحسن استثمار وقته وجهده.
    أما الأسرة، فعليها أن تتابع أبناءها، وتغرس فيهم قيمة الاعتماد على النفس، وألا تجعل الدرس الخصوصي بديلاً عن المتابعة المنزلية أو وسيلة لإعفاء الطالب من مسؤولية التعلم.
    سادساً: الدروس الخصوصية بين الحاجة والاعتياد
    من المهم التمييز بين طالب يحتاج فعلاً إلى مساعدة تعليمية إضافية، وطالب اعتاد الدروس الخصوصية حتى أصبحت جزءاً من برنامجه الدراسي، بصرف النظر عن مستوى مدرسه أو قدرته على الفهم.
    فثمة طلبة يتلقون دروساً خصوصية في مواد يحققون فيها نتائج جيدة، لا لوجود خلل في التعليم المدرسي، بل لأنهم اعتادوا ذلك، أو لأن أسرهم ترى فيه ضماناً إضافياً للتفوق.
    وهذا يعني أن انتشار الدروس الخصوصية لا يمكن تفسيره دائماً بضعف أداء المدرسة، بل قد يرتبط أيضاً بثقافة اجتماعية وتعليمية ترسخت لدى بعض الأسر.
    مسؤولية مشتركة لا اتهام أحادي
    إن الإنصاف يقتضي ألا ندافع عن المدرس لمجرد أنه مدرس، كما لا يجوز أن نتهمه لمجرد أن بعض الطلبة يلجؤون إلى الدروس الخصوصية. فالمدرس المقصّر يجب أن يُحاسب، والمدرس المجتهد يستحق التقدير، والطالب المهمل ينبغي أن يتحمل مسؤولية إهماله، والأسرة مطالبة بأداء دورها، والمؤسسة التربوية مسؤولة عن تهيئة البيئة التعليمية المناسبة.
    كما أن معالجة الظاهرة تستلزم مراجعة المناهج الدراسية، وأعداد الطلبة في الصفوف، وتوزيع الحصص، وأساليب التقويم والامتحانات، وتوفير برامج تقوية مجانية داخل المدارس للطلبة الذين يحتاجون إلى دعم إضافي.
    إن إصلاح التعليم لا يتحقق بإلقاء اللوم على المدرس وحده، وإنما بتشخيص الأسباب الحقيقية للمشكلة ومعالجة كل سبب في موضعه.

    يا أرحم الراحمين
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...